تفشي المخدرات علانية.. “التحليق” الجماعي نحو الهاوية السورية

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 17 أبريل 2016 - 12:05 مساءً
تفشي المخدرات علانية.. “التحليق” الجماعي نحو الهاوية السورية

تعد الإطاحة بالأحلام والتطلعات وبناء المستقبل الموعود للشباب، أهم الأفعال التي ترتكبها كل حرب طاحنة والمشهد السوري مثال حي ومباشر عن ذلك، وما أصاب الشريحة السورية الشابة من مصائب وضغوطات ومآسي، حرضتهم للهروب إلى أي منفذ للنسيان والمخدرات والحشيش كان الاختيار الموعود.

منذ بدء الحرب السورية، بدأت تدريجياُ بروز عوالم الدمار الطاغي على كل سمات الحياة السورية، التي شملت جوانب الحياة كاملة، من بناءها اللوجستي والمعماري والحضاري، الواصلة لدرجات مرتفعة جداً من الإنهاك، وصولاً إلى جانب النفسي لدى المواطن السوري وهو الأهم اليوم في الوجود السوري المستمر، ست سنين مرت كانت كافية حتى ولو بجزئية بسيطة منها لتدمير كامل لأحلام آلاف المواطنين ومنها الشريحة الشابة بالدرجة الاولى.

الحرب الطاحنة التي تمر بها البلاد، تضم في رصيدها على مدار الساعة حصيلة دمار جديدة للشباب، والذين بدورهم دمرت لغالبيتهم، طموحاتهم الدراسية والعملية والاجتماعية بدرجة أولى، غير الخاسرين على الصعيد العائلي أو الفردي الكثير، كل هذا ترافق تلقائياً مع الهبوط الهاوي للاقتصاد مع قلة فرص العمل وانخفاض الأجور وما يتبع من تأثيرات ساعدت بعامل الكآبة والفراغ لشباب الداخل.. ضغوطات متراكمة ومكبوتة للكثيرين، كان السبيل الوحيد للهروب منها هي المواد المخدرة التي عسى للكثيرين أن تكون مهربهم نحو النسيان المؤقت، إذ تفشت بشكل علني وظاهر على ما هو عليه قبيل اندلاع حرب العصر السورية.

لا تعتبر سوريا مكان مفضل لزراعة المواد المخدرة والحشيش بدرجة أولى أو مكان لتصنيع لمواد مخدرة حتى, بل كانت دائما تعد من الدول المستهلكة و من دول الترانزيت، ولكن نتيجة اندلاع الفوضى والحرب ظهرت بشكل علني تجارة المخدرات بجميع أنواعها وسط غياب واضح لأجهزة المكافحة والرقابة.

حققت “سبوتنيك” بهذا الموضوع، بعد سلسلة من عمليات البحث، للتحدث بشكل مباشر مع متعاطيين شباب وتجار يعملون في الداخل، لمعرفة حقيقة ماذا يحصل وما الدوافع لذلك وما الذي ساعد بتفشي ظاهرة صعود المواد المخدرة إلى العلن في الشوارع ومن داخلها المقاهي والحانات السورية.

تحليق جماعي

فراس، أحد الشباب في دمشق والذي يتعاطى مادة الحشيش، يقول لـ”سبوتنيك”، “لا أعرف من أين ابدأ ولكن ببساطة كشاب سوري دمرت طموحاتي بشكل كامل هنا، أخرج للعمل من الصباح الباكر إلى آخر الليل، لم أعد أجد شيء قادر أن ينسيني مشاكلي وتعبي سوى الحشيش الذي قادر عن طريقه أن أنسى ما أنا به”.

ويضيف صديقه، علي، “الحشيش أصبح مادة رخيصة مقارنة بمواد أخرى مدخنة، بـألف ليرة يمكن أن نستمتع، يجتمع العديد من المدخنين بها ضمن غرفة واحدة، وحالتنا الاقتصادية كحال غالبية الشباب سيئة جدا، ولا يوجد شاب منا إلا لديه من الضغوطات ما يجعله بحالة نفسية متعبة والمخدرات المتنوعة أصبحت أكثر الأشياء المفضلة لدينا للهروب والارتياح”.

غير أن مضر له رأي آخر بقوله، “في ظل كل هذ المآسي التي نعيشها، كلنا نريد أي شيء ليفرحنا ويغير من مزاجنا والحشيش هو المساعد الذي رأيته قادر على تحقيق لي ذلك، كنا في السنين الماضية نخاف من حمل الحشيش أو ندخنه على العلن، أما الآن أصبح أمر طبيعي ولا أحد “لا شايف ولا شامم” على حد وصفه”.

ديلر

يلقب التاجر البائع للحشيش بـ “الديلر” بين وسط الشراء والبائعين، وهو المسؤول عن تأمين هذه المادة والتحكم بسعرها وطريقة بيعها، والمتحمل الأكبر لأي عقوبة قانونية.

مراسل “سبوتنيك” تحدث مع أحد التجار المعروف بـ “أسامة”، لمعرفة أسعار وطرق التعامل وخصوصاُ في هذه المرحلة، ويوضح، أسامة بقوله، “أنا أعمل بهذه المهنة كما أعتبرها منذ زمن كان الهاجس والخوف الوحيد هو وحدات المكافحة والمراقبة، أما الآن فهي مختفية بشكل شبه كامل، وأصبح هنالك إقبال كبير على المواد المخدرة بين وسط الشباب بشكل تام ومركز”.

ويكمل الديلر، “بعيداً عن الرقابة أصبحت المواد المخدرة منتشرة بكثرة من المهربة إلى المصنعة محليا هنا، والكثير منها يأتي “مضروب” بمعنى ذو جودة منخفضة، ولا يستطيع الكثيرين التمييز بين الجودة المنخفضة والمرتفعة منه، 1500 ليرة سورية فقط قادرة أن تحصل على قطعة جيدة من الحشيش تدخن ليومين أو ثلاثة، غير بعض المواد التي تشترا بالأوزان، ويختلف أسعارها بدايتا من 1000 ليرة وصولاً إلى مئات الآلاف حسب الجودة والنوعية إن كان حشيش أو مخدرات أو حبوب لتصل لأنواع عديدة”.

قانون وإجراء

وفي الشق القضائي المختص بهذه المسألة، استضافت “سبوتنيك”، المحامي سامر شقرة، للتحدث أكثر في الشواهد الحية عن ذلك، ومن الجانب التفصيلي القانوني لذلك.

ويوضح المحامي سامر، أن وبمراجعة سريعة لمواد القانون المذكور وبالأخص المادة/39/ و/40/ نجد أنها تتضمن تشديداً في العقوبة لتصل بعضها للإعدام وبغرامات مالية حتى خمسة ملايين ليرة سورية، وكلها تتعلق بتهريب المواد المخدرة والتعاطي بها، والتصنيع وزرع النباتات المخدرة بشكل أساسي غير التجارة والبيع والشراء والاستخدام.

ويقول شقرة، “بعض القرائن التي تدل على ارتفاع ظاهرة انتشار المخدرات في سوريا بسبب الأوضاع الراهنة مثلما علمت منذ مدة وبحكم عملي كمحامٍ، أنه في عام 2014 تم إلقاء القبض على أكثر من عشر عصابات تجارة مخدرات في دمشق وريفها فقط وهي الآن تحاكم أمام المحاكم السورية، أربعة من هده العصابات (ما يقارب الخمسين شخص) من جنسيات عربية (غير سورية) بينهم عشر نساء، بالإضافة إلى حوالي ثلاثين امرأة سورية، وتبين من خلال التحقيقات أن ومن بين هذه العصابات كان يعمل لمصلحة أجهزة استخبارات أجنبية بهدف إدخال المخدرات إلى الأراضي السورية”.

ويسقط شقرة، أحد الأمثلة عن ما يحصل بسوريا بقوله، “وبهذه المناسبة أذكر أنه عندما كنا نتابع على شاشات التلفاز الأحداث في ليبيا بفترة، ما يسمى الربيع العربي وتحديداً عندما خرج الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي وتحدث عما يسمى حبوب الهلوسة وانتشارها بين صفوف المسلحين آنذاك، كنا نعتقد حينها أنها تهمة ملفقة وأنها غير موجودة في الواقع، وما إن بدأت الأحداث في سوريا حتى تأكدنا بأنفسنا أن ما كان يتحدث عنه القذافي هو حقيقة واقعة بالفعل”.

ويختم المحامي حديثه، “بالرغم من الجهد المبذول من قبل المشرع السوري لحماية المجتمع من ظاهرة المخدرات نجد أنه لايزال هنا الكثير مما يتوجب فعله في هذا المجال خاصةً وأن المحنك بشكل مباشر بالعمل القضائي يتلمس أنه لايزال هناك هوة شاسعة بين إرادة المشرع وتطبيق القانون على أرض الواقع ونذكر من ذلك على سبيل المثال: عدم توفر مراكز إصلاح وتأهيل لمعالجة حالات الإدمان، وكذلك إن الجهات المنوط بها تطبيق القانون (الضابطة العدلية) تحتاج هي الأخرى للتأهيل والتدريب لتغيير سلوكها في التعامل مع المدمنين، كونها لا تزال تتعامل مع المدمن على أنه مجرم وليس على أساس أنه مريض، رغم أن العقوبة وفقاً للقانون هي لإصلاح المحكوم عليه وليس للانتقام منه، وما نتمناه فعلاً بعد أن تستقر الأوضاع في سوريا هو معالجة هذا القصور”.

رابط مختصر