بعد قرار البرلمان … الجبوري يرفض إقالته

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 14 أبريل 2016 - 7:52 مساءً
بعد قرار البرلمان  … الجبوري يرفض إقالته

المصدر: بغداد – “النهار” – فاضل النشمي – لم يتصور اكثر الاشخاص تفاؤلا، ان تستمر كرة الثلج الاحتجاجية التي انطلقت نهاية تموز 2015، بالتدحرج لتصل عند ردهات المجلس النيابي “المناهض” بمجمله لفكرة الاحتجاج. اذ كان المستهدف الأول في معظم أهازيج الشباب المحتجين منذ البداية، وما زالت أُهزوجة “نواب بعثية… كلهم حرامية” تتردد على ألسن كثيرين في الساحات المختلفة. فما هي المتغيرات الجوهرية التي تبدو انها حسمت الصراع لصالح حركة الاحتجاج والاعتصام، بحيث تحوّل قادة الكتل وأعضاءها بين ليلة وضحاها الى معتصمين داخل البيت النيابي رافعين شعار الاطاحة برؤساء السلطات الثلاثة، وأول الضحايا رئيس مجلس النواب سليم الجبوري؟

اشعلت احتجاجات تموز 2015، مقتل الشاب منتظر الحلفي في مدينة البصرة (550 جنوبًا) النفطية بعد اشتراكه في مظاهرة عفوية ضد نقص تجهيز الطاقة الكهربائية. وفي الجُمَع العديدة اللاحقة ستمتلئ ساحات الاعتصام في محافظات الوسط والجنوب بشباب ناقمين، تتمحور مطالبهم حول انهاء المحاصصة الطائفية والسياسية ومحاسبة الفاسدين. وتحت ضغط الاحتجاجات حينذاك، استجاب رئيس الوزراء حيدر العبادي لحزمة إصلاحات، بدأها بإقالة نواب رئيس الجمهورية، اياد علاوي ونوري المالكي واسامة النجيفي. الى جانب اقالة نوابه الثلاثة في رئاسة الوزراء، وعمد الى خفض مرتبات كبار المسؤولين وإلغاء تقاعد اعضاء البرلمان السابقين، الا ان مسيرة رئيس الوزراء الاصلاحية تعثرت بعد فترة، الامر الذي زاد من حدة الاحتجاجات الشعبية، حتى التحق الصدريون بزعيمهم مقتدى الصدر بقوة في شهر شباط الماضي، ثم تحولت الاحتجاجات الى فعل اعتصام على ابواب المنطقة الخضراء للمطالبة بإلغاء نظام المحاصصة ومحاربة الفساد. وفي شهر آذار الماضي، نصب السيد مقتدى الصدر خيمته الاعتصامية في المنطقة الخضراء ولم يخرج الا بعد ان حصل على تطمينات سياسية بشأن عملية التغيير، لكن القوى السياسية المختلفة تراجعت عن وعودها وأصدرت قبل 5 ايام وثيقة “الشرف” التي يتم بموجبها العودة إلى نظام تقاسم السلطة على اسس حزبية وسياسية، الامر الذي قوبل بموجة استياء شديدة تكللت بعصيان نيابي انتهى باعتصام اعضاء كثير من الكتل النيابية داخل مجلس النواب.
الواضح ان لا وجود لإجابات سهلة تفسّر بطريقة حاسمة ما يدور في قلب العاصمة بغداد هذه الايام، حتى وكأن لا شغل للمدينة سوى هدف التقاطع الحاد مع عملية سياسية فقدت رشدها بالكامل بعد مرور 13 عامًا على انطلاقها.
تراجع اسعار النفط وانعكاسه السلبي على مجمل اوضاع البلاد قد يكون احد الاسباب المهمة في ما يحدث اليوم، وقد يمثل غياب الامن عموما، الى احتلال تنظيم “دعش” لمساحات واسعة من الاراضي واستمرار سيطرته على اجزاء واسعة من الموصل والانبار عوامل تذمّر مهمة. ولا يمكن ايضا، تجاهل مسألة استهتار الجماعة السياسية بمقدرات البلاد وعملية النهب المنظم للأموال العامة التي وضعت البلاد على حافة الافلاس، وايضا اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، الى جانب ضعف النظام وغياب العدالة والخلل الخطير في مؤسسات الدولة القضائية والرقابية.
على ان الاحتجاجات المتواصلة، والانتفاضة التي أحدثها اعضاء من مختلف الكتل السياسية واعتصامهم داخل مجلس النواب، ربما تشير الى رغبة العراقيين عموما الى مقاومة “فقدان الامل” الشديد الذي خيم على البلاد نتيجة عوامل السوء المختلفة التي كرّسها الفعل السياسي، وربما تكشف ايضا عن إدراك شعبي وسياسي عامّ لحجم الخراب الذي احدثه نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في العراق، اذ ان الناس عموما ظلت تحمّل هذا النظام مسؤولية ما حدث، وتنظر اليه باعتباره نظاما طارئا، لا يتمتع بفاعلية ايجابية ولا يمكن ان يحقّق للبلاد الا مزيدًا من التمزق والاضطراب. كما ان “الاشمئزاز” الشعبي من النظام المحاصصي، ربما ناجم عن الادراك الواضح من قبل قطاعات واسعة انه أتى بفعل عوامل التأثير الخارجية المتمثلة اساسا بالاحتلال الاميركي للبلاد، لذلك فإن ما يحدث اليوم، يأتي في جزء منه على الاقل، في سياق استعادة مبادرة الفعل الداخلي لوضع البلاد على سكة السلامة، بعد ان وضعها الفعل الخارجي على سكة الاضطراب والهلاك.
عموما، ليس من السهل التكهن بنتائج اقالة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري ومدى شرعية ما اقدم عليه نحو 170 نائبًا حين صوتوا على إقالته، ويتوقع ان تتم إقالة رئيسي الوزراء والجمهورية في الايام المقبلة، لكن المؤكد ان العراقيين مدركين لحجم التحولات الجوهرية التي يؤمل على نطاق واسع، ان تؤسس لعهد جديد من العدالة والحرية والحكم الرشيد.

رابط مختصر