علم البكاء يقترب من حل ألغاز الدموع!

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 27 مارس 2016 - 3:07 مساءً
علم البكاء يقترب من حل ألغاز الدموع!

يحاول العلماء جاهدين الكشف عن سبب البكاء، الذي يعد من الألغاز المحيّرة، فالبشر وحدهم بين جميع الأنواع الذين يمكن أن تسيل دموعهم بسبب مشاعرهم.

وقال الأخصائي البريطاني المعروف في طب الأعصاب السلوكي الدكتور ماكيل ترمبل في مقابلة مع اذاعة بي بي سي، إن العلماء لا يعرفون أي شيء عن السبب في أن بعض الأشخاص لا يبكون. وهناك الكثير من العلماء الذين لا يعرفون شيئًا عن الأشخاص الذين يبكون ايضًا أو لا يتفقون على سبب بكائهم.

واعلن تشارلس دارون ذات مرة، أن الدموع العاطفية “ليس لها غرض”. وبعد نحو 150 سنة على قوله ما زال البكاء العاطفي من ألغاز جسم الإنسان المحيرة. ورغم أن بعض الأنواع تذرف الدموع انعكاسيًا نتيجة ألم أو التهاب، فإن البشر وحدهم بين جميع الأنواع الذين يمكن أن تسيل دموعهم بسبب مشاعرهم.

وفي الأطفال تقوم الدموع بدور بديهي ومهم، هو لفت الانتباه واستدراج العناية من الكبار. ولكن سبب بكاء الكبار ليس معروفًا. ومن البديهي أن العواطف القوية تسبب البكاء، ولكن لماذا؟

هناك ندرة من الحقائق الثابتة بشأن خبرة بشرية أساسية مثل البكاء. واستمر العلماء على امتداد قرون يرون أن لا فائدة حقيقية من البكاء إلا الفائدة الفيزيولوجية المتمثلة بتزييت العينين. وعدا ذلك ركز العلماء اهتمامهم على العواطف اكثر من تركيزهم على العمليات الفيزيولوجية التي تبدو انها نتاج هذه العواطف.

ولكن البكاء أكثر من تعبير عن الحزن، كما اظهر البروفيسور آد فينغرهوتس من جامعة تيلبورغ الهولندية، الذي يعتبر أشهر خبير مختص بدراسة البكاء، وعلماء آخرون معه. فالبكاء يحدث بتأثير جملة مشاعر، من الشفقة والمفاجأة والفرح الى الغضب والحزن، والدموع تعبير يمكن أن يراه الآخرون عن هذه العواطف. ولهذا الرأي العلمي اهمية مركزية في التفكير الجديد في علم البكاء.

ويعرض البروفيسور فينغرهوست ثماني نظريات متضاربة بعضها لا يستحق الاهتمام، مثل الرأي القائل إن أصل البشر قرود مائية والدموع ساعدتهم على العيش في ماء مالح.

ولكن هناك أدلة متزايدة تسند بعض النظريات الجديدة، ومنها أن الدموع تقيم آصرة اجتماعية ورابطة انسانية. ورغم ان قدرات البشر تزداد بدنيًا وعاطفيًا مع ارتفاع درجة نضجهم، فإن الكبار لا يتخلصون ابدًا من مشاعر العجز التي تنتابهم بين حين وآخر. وتنقل مجلة تايم عن الباحث جونثان روتنبرغ، استاذ علم النفس في جامعة ساوث فلوريدا، قوله: “إن البكاء يرسل اشارات اليك وإلى الآخرين بأن هناك مشكلة كبيرة تفوق قدراتك على التعاطي معها، على الأقل بصورة موقتة. وهو الى حد بعيد وليد المصدر الذي يأتي منه هذا البكاء في الأصل”.

كما وجد العلماء أدلة على أن الدموع العاطفية تختلف بتركيبها الكيميائي عن الدموع الذي تُذرف اثناء تقطيع البصل مثلاً. وهذا قد يساعد على فهم السبب في ان البكاء يرسل اشارة عاطفية قوية إلى الآخرين. كما أن الدموع العاطفية تحوي كمية اكبر من البروتين. وتذهب إحدى الفرضيات إلى أن هذه الكمية الأكبر من البروتين تجعل الدموع العاطفية أكثر لزوجة فتبقى على البَشَرة وتسيل ببطء لكي يراها الآخرون.

ويقول العلماء إن الدموع تُري الآخرين اننا ضعفاء والضعف عامل مهم في الترابط الانساني. ويوضح عالم الأعصاب السلوكي البريطاني ترمبل “ان المناطق العصبية التي تُفعَّل في الدماغ برؤية شخص متأثر عاطفيًا هي نفسها التي تُستثار في الشخص نفسه”.

وتركز نظرية أخرى على فائدة البكاء في استغلال مشاعر الآخرين. ويقول روتنبرغ: “إننا نتعلم في وقت مبكر أن البكاء ذو تأثير قوي حقًا في الآخرين ويمكن أن يُبطل مشاعر الغضب بفاعلية شديدة”.

واشارت دراسة نُشرت في مجلة ساينس العلمية الى ان دموع المرأة تحوي مادة تكبت الاستثارة الجنسية عند الرجل. وقال نعوم سوبيل احد الباحثين الذين شاركوا في الدراسة واستاذ البيولوجيا العصبية في معهد وايزمان للعلوم في اسرائيل إن الدموع الى جانب كونها تكبت الاستثارة الجنسية تقلل العدوانية ايضًا.

ما يعنيه هذا كله للأشخاص الذين لا يبكون مسألة اخذ الباحثون يدرسونها الآن. ولاحظ عالم النفس الالماني كورد بينيك من جامعة كيسل أن الأشخاص الذين لا يبكون يميلون الى الانطوائية وتكون علاقاتهم الاجتماعية ضعيفة. كما تنتابهم مشاعر سلبية مثل الغضب والسخط والاشمئزاز اكثر من الأشخاص الذين يبكون.

والمطلوب مزيد من البحث لتحديد ما إذا كان الأشخاص الذين لا يبكون يختلفون حقًا عن الآخرين.

ولا توجد عمليًا أدلة على ان للبكاء فوائد صحية. ولكن الاسطورة القائلة انه عملية تطهير عاطفي وجسدي ما زالت شائعة. ويقول روتنبرغ إن هذه قصة رائجة “وليس هناك في الحقيقة أي بحث يسندها”. كما أن هناك مبالغة في الفكرة القائلة إن البكاء دائمًا يعقبه شعور بالارتياح، كما أكد راندي كورنيليوس، استاذ علم النفس في كلية فاسار الاميركية.

ولكن هناك ادلة أخرى تسند الرأي القائل بأن البكاء الحار يؤدي الى تنفيس عن العواطف. وحين عرض البروفيسور فينغرهوتس وزملاؤه فيلمًا عاطفيًا محزنًا على عينة من الأشخاص وقاسوا مزاجهم بعد 90 دقيقة بعد مشاهدة الفيلم وجدوا أن مزاج الأشخاص الذين بكوا في الفيلم أفضل منه قبل مشاهدة الفيلم. وأوضح فينغرهوتس أن البكاء يمكن ان يوفر وسيلة فاعلة لتجاوز نوبة قوية من الانفعال.

ما زال علم البكاء علمًا وليدًا، ولكن اسرار الدموع والأدلة الأخيرة على انها أهم مما كان يعتقد العلماء في السابق، تدفع علماء مثل فينغرهوتس الى مواصلة البحث. ويقول فينغرهوتس “إن للدموع دورًا بالغ الأهمية في الطبيعة البشرية ونحن نبكي لأننا نحتاج الى الآخرين”. واضاف ضاحكاً، “ولهذا السبب كان دارون مخطئًا تمامًا” حين قال إن الدموع تذرف بلا غرض.

ايلاف

رابط مختصر