شبح “تعديل بلات” يحوم حول غوانتانامو … هورهي آلبرتو بولانيوس سواريس

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 12 فبراير 2016 - 3:34 صباحًا
شبح “تعديل بلات” يحوم حول غوانتانامو … هورهي آلبرتو بولانيوس سواريس

لن تبلغ العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة مرحلة التطبيع الكامل الذي يستحقه الشعبان، طالما الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي لا يزال ساري المفعول، وكذلك سياسة التخريب من الداخل واستمرار القاعدة البحرية غير الشرعية في منطقة غوانتانامو.

لن تبلغ العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة مرحلة التطبيع الكامل الذي يستحقه الشعبان، طالما الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي لا يزال ساري المفعول، وكذلك سياسة التخريب من الداخل واستمرار القاعدة البحرية غير الشرعية في منطقة غوانتانامو.
ففي 23 شباط/فبراير ستُكمل القاعدة البحرية الأميركية غير القانونية وغير الشرعية في غوانتانامو عامها ال 113 . أقيمت القاعدة الأميركية على أفضل خليج في كوبا بتاريخ 23 شباط / فبراير عام 1903، وتبلغ مساحتها، في الأرض والبحر ما يعادل 117,6 كلم مربع، وهي أول قاعدة للولايات المتحدة في قارتنا، والأقدم في العالم والوحيدة من بين جميع القواعد العسكرية في العالم التي تقوم على أرض بلد ولا ينتهي وجودها بمجرد رفض صاحب الأرض لها.
وحسب إتفاق “تعديل بلات” المخزي الذي تم عام 1903، تتمع كوبا بحق “السيادة” على هذه الأرض المحتلة ولكن التشريع الكامل والسلطة عليها فهما بيد القوة المحتلة.
وفي عام 1934 و تأثير ما يُسمى بحسن النوايا السياسية التي أعلنها حينئذ الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت، تم توقيع اتفاق جديد حول العلاقات بين البلدين والذي الغى “تعديل بلات” المهين وغير الضروري بما هو استمرار الهيمنة على كوبا ولكنه ترك فقرة امتلاك القاعدة البحرية سارية المفعول كما وكأنه عزّز هذه السيطرة لمصلحة الولايات المتحدة.
جميع الرؤساء الـــ 22 الذين حكموا في البيت الأبيض منذ عام 1903، حافظوا ومن دون أي تعديل على هذه الاتفاقية ضاربين عرض الحائط الرفض التاريخي للشعب الكوبي، في تجاهل صارخ للقوانين والمواثيق الدولية.
الأمر عينه يُقال عن الرؤساء الكوبيين الذين حكموا كوبا في مرحلة ما سمّي ب “الجمهورية الزائفة” الذين أداروا ظهورهم لمطالب شعبهم وكرامة بلادهم بسبب الانتهازية والخيانة أو التبعية.
سواء في الولايات المتحدة أم في كوبا بإستثناء بعض المواقف المشرّفة التي عبّرت عنوة عن رفضها لها، كانوا يعرّفون القاعدة ليس بوصفها كما هو الواقع أي أنها قاعدة مفروضة بشكل مخزٍ وإشارة مُبكرة للإمبراطورية الأميركية، والتي طالما حذّر منها وتوقّعها هوسيه مارتي (البطل القومي لكوبا)، بل كانوا بأكثر الطرق ابتعاداً عن الواقعية. دعونا نرى بهذا الخصوص ما قاله الأستاذ في جامعة هارفارد جوناثان هانسن في كتابه المعنون “غوانتانامو” والذي كتبه بعد عدة زيارات له إلى القاعدة.
وهنا أقتبس:”(…) كرّر مسؤولو العلاقات العامة الذين كانوا يهتمون بي خلال زياراتي إلى القاعدة السيناريو نفسه : (…)البحارة البواسل استولوا على الخليج في أول معركة مع القوات الأسبانية. كوبا مشكورة بشكل كبير وافقت على إنشاء قاعدة بحرية في نهاية الحرب الإسبانية – الأميركية (…) خلال السنوات التي كانت قوات مسالمة متواجدة في القاعدة قامت هذه برد الجميل الى الكوبين، فكانوا يتعاملون معهم بلطف كجيران طيبون ولكن بحزم وكانوا يتدخلون في شؤون المحافظات الشرقية المضطربة للحفاظ على الحرية والاستقلال والاستقرار والملكية الخاصة (…)، ولكن للأسف أتى آل كاسترو ووضعوا حداً لهذه الحالة المثالية. ولقد قام بسبب الحرب حاجز منيع بين حلفاء طبيعيين ما زاد من الأهمية الإستراتيجية للقاعدة كضامن للحرية في المنطقة “. انتهى الاقتباس.
منذ انتصار الثورة الكوبية أصبحت مسألة استرجاع الأراضي المحتلة قضية وطنية بينما بالنسبة للولايات المتحدة ولأكثر من 40 عاماً تم استخدام تلك البقعة من أرض الوطن كمساحة أساسية للاستفزاز والمؤامرات والخطط التخريبية من أجل تدمير الثورة، ومن بينها وفقاً لوثائق سريّة تعود للحكومة الأميركية ذكر على سبيل المثال: عدوان خليج الخنازير وأزمة أكتوبر(أزمة الصواريخ) وخطة مانغوستا، وباتي – كانديلا والبينغو والصيف والاستيلاء والتحميل وغيرها، ومعظم تلك المخططات كانت تشمل عمليات اغتيال لفيدل وراوول فضلاً عن غزو كوبا بواسطة مشاة البحرية.
وفي عقد التسعينات راحت حدّة التوتر الأمني بين جانبي الحدود للقاعدة تتراجع، وبدأ الجانبان بعقد اجتماعات بنّاءة وذات الاهتمام المشترك بين القادة العسكريين من كلا الطرفين.
أجرؤ على القول إن الأجيال الجديدة من الأميركيين لا تعرف سوى القليل عن القصة الحقيقية للقاعدة. فقد كانت معروفة بأنها مركز عزل وعبور للمهاجرين الهايتيين والكوبيين كآثار مُخزية لمشروع قيام أمبراطورية.
واعتباراً من 11 أيلول/ سبتمبر اكتسبت القاعدة سمعة إعلامية سيئة جداً على المستوى الدولي كمعسكر اعتقال، فإلى هناك أرسلوا الأسرى الذين اعتقلوهم خلال حروبهم على أفغانستان والعراق وقيل إنهم اشتبهوا بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة الإرهابي، فتم حبسهم وتعرّضوا للتعذيب وسوء المعاملة بشكل منهجي ولممارسات قاسية تنتهك أبسط مبادئ القانون الإنساني الدولي واتفاقية جنيف المتعلّقة بأسرى الحرب.
تبقى نوايا ووعود الرئيس أوباما بإغلاق سجن غوانتانامو كلاماً لم يتجسّد واقعاً بسبب المعارضة السياسية والعامة، علماُ أنها لم تتضمن وفقاً لتصريحاته أي إشارة لإغلاق القاعدة البحرية بحد ذاتها.
الأمر عينه بالنسبة إلى كبار المسؤولين في البنتاغون الذين أبدوا معارضتهم لإغلاق القاعدة نظراً إلى الطبيعة الاستراتيجية لها. وهذه التصريحات واجهت اعتراضاً ورفضاً من كبار الضباط السابقين في الجيش الأميركي الذين يرون عكس ذلك تماماً، وقد وافقهم الرأي في ذلك أكاديميون وشخصيات دبلوماسية أمريكية بارزة من بينهم العديد من الرؤساء السابقين لمكتب المصالح الأمريكية في هافانا (البعثة الأميركية)، والذي تحوّل اليوم إلى سفارة للولايات المتحدة.
الكلام عن الميزة الإستراتيجية المزعومة للقاعدة تحتاج إلى إثبات يدعمه. إذ أننا لا نعيش في عام 1903 عندما كانت هي المنشأة الوحيدة في أمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي، أما اليوم لدى الإمبراطورية الأميركية 36 قاعدة منتشرة في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي. ولسنا نعيش في زمن الحرب الباردة نحن في زمن تنضح منطقتنا السلام ومثال على ذلك هو البيان الصادر عن جامعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي (سيلاك) الذي أعلنت بموجبه أميركا اللاتينية والكاريبي منطقة سلام.
كوبا اليوم ليست دولة تابعة للولايات المتحدة بل هي بلد حر سيّد ومستقل وتتطلب مصلحتها الوطنية أن تسترجع الأراضي التي تقوم عليها بشكل غير شرعي قاعدة غوانتانامو البحرية، والتي تحتلها الولايات المتحدة بشكل غير قانوني.
وعلى الرئيس أوباما، الذي أقرّ علناً بفشل السياسة التي فرضتها على كوبا 11 إدارة أميركية متعاقبة ولأكثر من 50 عاماً، أن يعترف أيضاً بصفته رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلّحة في بلاده بفشل السياسة الأمبريالية التي مارستها بلاده ضد كوبا طيلة 113 عاماً، من خلال فرض قاعدة غوانتانمو البحرية على الأراضي الكوبية، قاعدة ليست سوى رمزاً مخزياً لهذه السياسة.

المصدر: الميادين نت

هورهي آلبرتو بولانيوس سواريس سفير سابق ورئيس البعثة الكوبية السابق في واشنطن. أستاذ محاضر في المعهد العالي الكوبي للعلاقات الدولية والدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية الكوبية.

رابط مختصر