جولة وداع

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 12 فبراير 2016 - 3:34 صباحًا
جولة وداع

حكيم غوتييريس

زيارة الرئيس التركي إلى أميركا اللاتينية هي مناورة يائسة لنظام على وشك الانهيار ‏هدفها إعطاء الشعب التركي الذي يعاني من الانقسام والريبة صورة للحياة الطبيعية وزخم اقتصادي.

روّجت السلطات التركية لزيارة الرئيس أردوغان والوفد المرافق له إلى أميركا اللاتينية، على أنها حدث ‏اقتصادي وسياسي كبير.‏
بالتأكيد فإن زيادة التبادل التجاري مع دول أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، قد تكون مصدر ارتياح ‏لاقتصاد قد تضرّر من جراء فقدان أسواق في روسيا بسبب العقوبات المفروضة من قِبَل موسكو، وذلك إثر ‏العملية الجبانة لإسقاط طائرة السوخوي 24 الروسية مستخدمة طائرات الـ ‏F-16‎‏ التركية، ولكن ‏أيضاً في ليبيا والعراق، بلدان غارقان في حرب إمبريالية دائمة وحيث كان لتركيا نشاطات تجارية ‏مثمرة، ومع ذلك فإن الاتفاقيات الاقتصادية التي وقّعها أردوغان مع تشيلي والاكوادور والبيرو لن ‏يكون لها وزن كبير مقابل الخسائر الفادحة لتركيا بسبب العقوبات الروسية.‏
إن الدافع الأساسي لهذه الجولة هو الحاجة الملحّة لحكومة “حزب العدالة والتنمية” لرفع ‏الروح المعنوية لرجال أعمالها الذين تعرضوا لضربات قاسية بسبب العقوبات الروسية، ولشعب ينزلق ‏تدريجاً نحو حرب أهلية بسبب أخطاء حسابات الحكومة التركية. ‏
هناك جانب آخر لهذه الرؤية يتعلق بالحاجة الحيوية لدى تركيا لوقف العزلة الدولية التي تسببت بها اللعبة ‏القذرة التي تقوم بها حكومتها.
ورغم موقعها الجغرافي الاستراتيجي كانت تركيا دوماً حليفاً مُربكاً وممقوتاً داخل حلف شمال ‏الاطلسي وكثير من الدول الأعضاء في الحلف، وفي الوقت نفسه أعضاء في الاتحاد ‏الأوروبي عارضوا انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. هذه العلاقة الملتبسة وغير الصحية تُعبّر عن ‏نفسها اليوم من خلال ابتزاز تركيا لحلفائها الغربيين، في ما يخص القضايا السورية والكردية وداعش ‏واللاجئين.‏
لقد أكد أردوغان أنه في حال ثبُتت أي صلة له بتجارة النفط السوري والعراقي من خلال داعش فإنه ‏سوف يستقيل، فقدّمت السلطات الروسية عدداً من الوثائق التي تثبت تورط السلطات التركية بهذه ‏العملية، ولكن المفاجأة أتت من اسرائيل وهي حليف موضوعي آخر لتركيا على الأقل حتى الآن. ‏فخلال زيارة قام بها وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون إلى اليونان في نهاية كانون الثاني/ ‏يناير الماضي، أشار إلى أن لديه أدلّة تؤكّد المشاركة التركية في تجارة النفط مع داعش.‏
العلاقات مع الاتحاد الأوروبي متوتّرة جداً بعد سياسة الابتزاز التي مارستها تركيا بقضية اللاجئين، ‏لإجبار الدول الأوروبية على وضع يدها في جيبها، والمساهمة بحوالى ثلاثة مليارات يورو بحلول ‏نهاية عام 2015.‏
الولايات المتحدة بدورها لا تظهر الدعم المتين لتركيا في ما يخص القضيتين السورية والعراقية، ‏انعدام ثقة واشنطن في طموحات “العثمانية الجديدة” لحكومة أردوغان زرعت الكثير من ‏الشكوك في هذه الآلة الإمبراطورية المتآكلة. دعم الولايات المتحدة لوحدات الدفاع الشعبي الكردي ‏في سوريا والحكومة الإقليمية الكردية من قبل، في الوقت الذي ينهض فيه حزب العمال الكردستاني ‏حاملاً السلاح في تركيا بعد فترة من الحوار مع حكومة أردوغان، تكشف حسابات أنقرة الخاطئة .
‏وفي حال إصرار تركيا على منطقها السخيف في مواجهة روسيا، فإن لا شيء يضمن أن حلف ‏شمال الأطلسي سيتورّط في حرب لدعم تركيا، فالقرارات داخل حلف الناتو تؤخذ بالإجماع واليونان ‏وهي عضو في حلف الناتو لن تكون على عجلة لإعلان حرب على روسيا، أما فرنسا وألمانيا ‏والمملكة المتحدة فلن تخاطر بكل شيء من أجل تركيا.‏
الخلاصة هي أن زيارة الرئيس التركي إلى أميركا اللاتينية هي مناورة يائسة لنظام على وشك الانهيار ‏هدفها إعطاء الشعب التركي الذي يعاني من الانقسام والريبة صورة للحياة الطبيعية وزخم اقتصادي. ‏السلوك العنيف لحرس “السلطان” الشخصي ضد المتظاهرين في تشيلي والإكوادور يكشف الطبيعة ‏القمعية للنظام التركي، فضلاً عن قلة لياقته تجاه الجهة المضيفة، هذه التجاوزات المُشينة كان لها ‏رغم كل شيء جانب إيجابي ألا وهو تسليط الضوء على الفارق الأخلاقي بين الحكومة التركية ‏وحكومات أميركا اللاتينية المتنوعة والمتعددة التوجهات، في شيلي لم يرتفع أي صوت من قِبَل ‏الائتلاف الحاكم “الأكثرية الجديدة” لإدانة قمع المتظاهرين من قِبَل العسكريين الأتراك، بعكس ما ‏حصل في الإكوادور الذي عبّر عن موقف كريم ومشرّف عندما قامت السلطات ووسائل الإعلام ‏الوطنية بإدانة هذا السلوك من عدم احترام لسيادتها ولشعبها.‏

المصدر: الميادين نت

رابط مختصر