الحميدية في حمص.. الحياة بعد الموت

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 12 فبراير 2016 - 10:15 صباحًا
الحميدية في حمص.. الحياة بعد الموت

فجأة ومن دون سابق إنذار، استيقظت ديمة لتجد نفسها غير قادرة على مغادرة حيّها الحميدية وسط حمص القديمة، الذي كان يعج حينها بالمجموعات المسلحة.
وجدت الصبية طريقاً مخفياً يصل بين منزلها والباب الخلفي لدير الآباء اليسوعيين، حيث كان يقيم الأب الراحل فرانس. وبدأت تتنقل بين المنزل والدير حتى انتهى الحصار، وخرجت لتجد حيّها الذي عرفته جميلاً وقد غرق بالدمار.
لكنها مع أبناء الحميدية لم يستسلموا للدمار الذي ألحقته الحرب بحيّهم، وقرروا أن يعيدوا له الحياة من جديد، لأسباب عديدة قد تكون رمزيته المسيحية من جهة وارتباطه بطفولتهم وذاكرتهم من جهة أخرى، وقد يكون للأب فرانس دور أيضاً، حتى بعد اغتياله، من خلال ارتباطه بأرض هذا الحي ورفضه مغادرته حتى قتله المسلحون فيه، برغم أنه ليس من أبناء الحي ولا حتى من سوريا.
تقول ديمة، لـ«السفير»، إنه «خلال عامي الحصار كنت أعمل في الصيدلية الموجودة في الدير، وأقدم من خلالها الأدوية للمحاصرين معي، برغم أنني لست صيدلانية، لكن كان علي أن ألعب هذا الدور، فلا يوجد حل آخر غير ذلك. خلال هذه الفترة ازدادت علاقتي بالحي وارتبطت فيه أكثر فأكثر، خصوصاً مع ملازمتي الأب فرانس، الذي تحول إلى شجرة زيتون صامدة في الحميدية».
وبعد عامين من الابتعاد عن بيوتهم، عاد أهالي الحميدية لتفقد منازلهم بعد اتفاق المصالحة الشهير في حمص، والذي أفضى إلى خروج المسلحين منها. كان حيهم مقلوباً رأساً على عقب. يصفه جورج: تلال من الدمار، وأكوام من القمامة، وأمواج من الحشرات.
يذكر جورج جيداً لحظة العودة بكل تفاصيلها، ويستعيد مشهداً من ذاكرة يوم الجمعة في 9 أيار العام 2014، لسيدة تقف على مشارف الحي تريد الدخول بعد أن خرج المسلحون منه، و«كان عناصر الأمن يدعونها للتريث قليلاً إلى حين تفقده من قبل وحدات الهندسة تحسباً لوجود عبوات. حينها قالت لهم أريد أن أدخل على الفور حتى ولو مت في بيتي. دخلت، ودخل معها مئات كانوا يسيرون خلف بعضهم ويدوسون في الأماكن نفسها، تحسباً لوجود أي لغم. وصلوا إلى منازلهم وبدأوا بالبحث عن الصور القديمة لهم (عرس، خطبة، طفولة، إلخ..) لم يكترثوا لشيء غير عاطفي، بعضهم رمى أثاث منزله من النافذة كرد فعل، وكأنهم أرادوا محو كل ما يذكّرهم بمرحلة وجود المسلحين فيها».
كان المشهد أكبر من أن يتصوره عقل، ما ترك ردة فعل سلبية لدى بعض الذين اكتفوا بذرف بعض الدموع والمغادرة، من مبدأ ما الذي يجبرهم على المغامرة وبدء حياة جديدة في الحي قد تكون مهددة بالدمار في أي لحظة، إلا أن البعض الآخر أخذ موقفاً معاكساً تماماً، وقرر العشرات أن يبقوا في الحميدية وألا يغادروه بأي ثمن، وقد أحضروا معهم حاجاتهم الأساسية في تلك المرحلة من شمع، وطعام، وماء، ومواد لقتل الحشرات.
ويقول جورج «الأيام الأولى كانت صعبة جداً، الحي مليء بالحشرات ويغطيه الظلام ليلاً، وحجم الدمار هائل، ولا أحد يعرف من أين يبدأ بالترميم. تضافرت الجهود الحكومية مع الشعبية، وبدأت عملية إعادة ضخ الروح في الحياة، عبر إزالة ما أمكن من آثار الحرب المعيقة للحياة. كان شارع الأظن من أوائل الشوارع التي انطلقت منها شرارة الحياة، عبر ترميم قرابة ستة منازل فيه، وعودة ساكنيها إليها ليشكلوا نقطة ارتكاز بدأ الناس ينطلقون منها لتأخذ العملية بالتسارع أكثر وأكثر».
في هذه الأثناء، أقيمت بعض النشاطات المدنية في الحي، وساهمت المنظمات في تأمين بعض الاحتياجات، وعلى رأسها خزانات المياه التي وضعتها بطريركية الروم الأرثوذكس في نقاط عدة ضمن الحي، ما سهل الأمور أكثر على السكان، في ظل عدم توفر الماء، والكهرباء، والهاتف في منازلهم.
وتقول ديمة «أطلقنا حملة بعنوان نعم نستطيع، تؤكد قدرتنا على بناء الحي من جديد وإعادة بث الحياة فيه، وأقمنا أول عرس في الحي بعد أيام من العودة. وأخذنا نلتقط صوراً للبيوت والمحال قبل ترميمها وبعد. لوَّنا الجدران، وأعدنا ضخ الحياة في كل زاوية وشارع بجهود جماعية أهلية، وغيرنا المحتوى المقدم على صفحة الحي في الفايسبوك عن حارتنا الحميدية ببساطة، من خلال نشر كل الأخبار الإيجابية عن الحي وتحفيز الناس على العودة له».
ارتبط العائدون كثيراً بالحالة الرمزية المسيحية لحيهم. وقال بعضهم إنهم كانوا ينظرون للأمر على أنه قضية وجود، فالحميدية يعد أهم الأحياء المسيحية في حمص، وفيه معظم الكنائس والأديرة وكذلك المطرانيات، ومن وجهة نظرهم فإنهم كانوا أمام مفترق طرق، إما أن يعودوا له فور تحريره، وإما أن يتباطؤوا فلا تقوم قائمة للحي بعد ذلك، وهو الذي لطالما حمل هموم المسيحيين وكان جامع شملهم بين أزقته.
تتجول لوسيا مع «السفير» في الحي، وتروي حكاية كل منزل تم ترميمه. تشير إلى كل مفصل من مفاصل الحياة العائدة للحي، تصر على الابتسامة، وتقف على مقربة من باب المدرسة، مشيرةً إلى الأطفال الذاهبين كي يتعلموا، ومن ثم تلوّح بإصبعها لبناء نصف مدمر، وعلى بعد خطوات منه افتُتح مطعم جديد، وفيه عشرات الرواد. تذهب بنا إلى كنيسة الأربعين، حيث تمثال القديس الذي قطع المسلحون رأسه، وقد أعيد إليه بهمة أبناء الحي.
تتحدث لوسيا وعيناها مليئة بالأمل عن حسون، الذي رمم منزله وفتح بسطة صغيرة أمامه ليعتاش منها، عن عمتها التي قررت العودة والعيش في الحي بمفردها تقاوم شبح الحرب وتقدم العمر، تتعكز على الماضي الجميل الذي عاشته في الحي الحمصي المسيحي العتيق.
بلغة الأرقام فإن عدد سكان الحي قبل الأزمة السورية كان يقدر بحوالي 11500 نسمة، عاد منهم ما يزيد عن 3600 نسمة، وهو رقم يتزايد يومياً، خصوصاً مع تحسن الواقع وتقدم عجلة الحياة فيه. ويعد الحميدية تجربة سورية ناجحة في إعادة الحياة لحي من الأحياء التي دمرتها الحرب، ويتطلع الأهالي كي يتحول إلى رمز ومرجعية يُبنى عليها في تجارب إعادة الإعمار وضخ الحياة في غيره من الأحياء.

دمشق – بلال سليطين
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-02-12

رابط مختصر