قراءة أولية في نتائج انتخابات نيو هامبشير التمهيدية

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 10 فبراير 2016 - 12:29 مساءً
قراءة أولية في نتائج انتخابات نيو هامبشير التمهيدية

مكتب واشنطن – الولايات المتحدة
رست سفينة الانتخابات على فوز دونالد ترمب عن الحزب الجمهوري، رغم تميز أداء تيد كروز المفاجيء بعض الشيء، وربما سيتبادلان الموقع الأول بعد إجراء انتخابات الولايات الجنوبية التي يتمتع بها كروز بشعبية عالية.
مرتبة الفائز الأول لكل من الحزبين جاءت تصديقاً للتوقعات المسبقة، إذ فاز دونالد ترمب عن الحزب الجمهوري، وبيرني ساندرز عن الحزب الديموقراطي.

الخاسرون لدى الطرفين: هيلاري كلينتون وماركو روبيو. الأولى لإقلاع قاعدة الشباب الشعبية والتي أيدتها بقوة سابقا؛ والثاني كان مرشح المؤسسة الحزبية والذي ارتبك وتخبط كثيراً في الندوة النقاشية الأخيرة التي جمعته بكافة مرشحي حزبه الآخرين.

المفاجآت كانت من نصيب الحزبين أيضاً. تقدم بيرني ساندر على منافسته كلينتون بنحو 20 نقطة مئوية رغم شراسة الحملة في الأيام الأخيرة والتي كان أبرز اعلامها الرئيس الأسبق بيل كلينتون.

في الحزب الجمهوري، برز حاكم ولاية أوهايو جون كاسيك الذي كان قاب قوسين أو أدنى من النظر بالانسحاب بعد الأداء المتدني الأسبوع الماضي في انتخابات ولاية إيوا. ولعل تقدّمه كسر أيضاً المعطيات المسبقة حول دعم الآلة الحزبية لمنافسيْه، تيد كروز وماركو روبيو.
انتخابات ولاية نيو هامبشير تعد محورية إلى جانب ولاية ايوا كساحتي استمزاج القاعدة الشعبية للموسم الانتخابي برمته. ودرجت العادة ان من يتخلف عن الأداء العالي في اي منهما أو كلتاهما معاً فمصيره الانسحاب مبكراً أو التراجع لحين انعقاد المؤتمر الحزبي العام.

للدلالة على أهمية نيوهامبشير البالغة بالنسبة للحزب الجمهوري، يشار إلى فوز خمسة من ضمن سبعة مرشحين عن الحزب أصوات الولاية منذ انتخابات عام 1976.

وما أسفرت عنه النتائج تقود المرء إلى القول أن ستة مرشحين للحزب الجمهوري يصارعون البقاء في السباق بعد اعلان نتائج نيوهامبشير.

وعليه، فان نتائج الولايتين تؤشران على الفريق الفائز للمؤتمر الحزبي العام، وليس بالضرورة الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
في هذا السياق، ودرءاً لفرط الاستنتاجات ينبغي النظر إلى الحجم المتواضع لفريق المندوبين عن الحزبين، نظراً لقلة عدد السكان والذين لا يتعدون 1،4 مليون نسمة، يمثلهم 20 مندوباً.

إحدى قراءات النتائج الأولية تشير إلى عمق السخط الشعبي في الولايات المتحدة ضد المؤسسة الحاكمة وهي السمة التي اشترك بها مؤيدو كل من دونالد ترمب وبيرني ساندرز.

استطلاعات الرأي أجمعت على ان 10% من الناخبين أعربوا عن غضبهم من كيفية ادارة الدولة المركزية لقضايا تهمهم، غالبيتها العظمى تتعلق بالاقتصاد والحياة اليومية.

كما أعرب نحو 50% من الناخبين الديموقراطيين عن امتعاضهم لاداء الحكومة المركزية؛ بينما بلغت النسب أعلى بين صفوف الحزب الجمهوري إذ أعرب نحو 90% منهم عن مشاعر عدم الرضى او الغضب من اداء الحكومة.

احدث استطلاعات الرأي اجرته وكالة “اسوشيتدبرس” للأنباء أفادت أن 50% من القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري تنظر سلباً نحو أداء القيادات المنتخبة عن الحزب الجمهوري عينه، وتنتابهم مشاعر الغضب لما يعتبرونه خداع السياسيين لهم؛ مقابل 20% من الناخبين الديموقراطيين أعربوا عن استيائهم لخداع مندوبيهم وتنكرهم لقضاياهم.

ما تقدم يلقي الضوء على مركزية اعجاب القاعدة الانتخابية بالقادم من خارج الصف السياسي التقليدي، دونالد ترمب، والذي نالما يتفوق على منافسه الأقرب جون كاسيك بنسبة الضعف، وفق النتائج الأولية المعلنة.
الحزب الجمهوري
على الرغم من فوز ترمب بنسبة عالية في نيو هامبشير إلا أنه سيواجه حملة أشد شراسة في الولايات الاخرى.

تعد نيوهامبشير من أقل الولايات المكونة للإتحاد الأميركي ميلاً إلى التدين، وهو العامل الذي يفسر خسارة المرشح المتشدد تيد كروز هناك، وينتظر دوره في الولايات الجنوبية التي يسهم عامل التدين فيها بنسبة كبيرة في ترجيح الأصوات.

المرشح روبيو الذي خرج منتصراً نسبياً في ولاية ايوا خسر بفارق كبير في نيوهامبشير وبالكاد حصل على 10% من نسبة الاصوات، خلف خصمه وقدوته السابق جيب بوش. أداؤه الأخير في الندوة النقاشية، كما اسلفنا، كلفه كثيرا لا سيما وأنه “اضطر” لترداد نفس الجواب مرات عديدة مثل الببغاء.

عند الاخذ بعين الاعتبار ان نحو ثلثي القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري أعربت عن حسمها لقرارها بعيداً عن روبيو فور انفضاض الندوة، وفوزه بمرتبة خلف المرشح بوش اعادت الى الواجهة تساؤلات البعض ان كانت الآلة الانتخابية التقليدية حقا تؤيد روبيو، وما يتبعها من تبرعات مالية هو بأمس الحاجة اليها.
بالمقابل، ونظرا لتوقعات تيد كروز المتدنية، فإن مرتبته بالفوز عادت عليه ببعض الفائدة. كروز لم يتوقع تأييد القاعدة الإنتخابية في ولاية “ليبرالية،” وكان بوسعه استيعاب صدمة الخسارة بعد فوزه المميز في ولاية ايوا أفضل من أي من منافسيه الآخرين.

وجاءت مرتبته بالتعادل تقريباً مع منافسه جيب بوش للمرتبة الثالثة. الجولة المقبلة ستعقد في ولاية ساوث كارولينا، التربة الخصبة للتيار الديني والمتشدد على السواء، والمناخ الوفي لتيد كروز رغم قدر معقول من الشعبية لصالح جيب بوش هناك.

مفاجأة فوز كايسك وثبات صعوده النسبي عقب نتائج ولاية ايوا ربما تؤشر على تجديد المؤسسة الحزبية دعمها وتأييدها له، خاصة بعد احباط رهانها على كل من جيب بوش وماركو روبيو.
بيد ان كاسيك لا يتوقع نصراً مؤزرا في الولايات الجنوبية، خاصة ساوث كارولينا، ومن المفضّل عدم المراهنة المبكرة على ثباته في المرتبة الأولى أو الثانية لفترة طويلة.
فريق حملة المرشح جيب بوش وضع نصب عينيه منازلة روبيو وليس ترامب بالضرورة، ونجح في ذلك إلى حد بعيد في انتخابات نيو هامبشير.
واستطاع ولو لفترة وجيزة ان يقيل روبيو عن المرتبة المتقدمة وإبراز نواقصه وعدم ثباته، وبالتالي إحجام القاعدة الانتخابية عن تأييده.

في الشق المالي، تنفق حملة بوش الانتخابية رصيداً كبيرا من خزينتها التي لم تعد وفيرة أو إلى ما لا نهاية؛ بل ربما تجد نفسها أمام عجز يقعدها عن المضي عندما تحين فرصة انتخابات ولاية فلوريدا يوم 15 من آذار/ مارس المقبل.
اداؤه المتقدم نسبياً في نيو هامبشير ربما يوّفر له بعض الفرصة لالتقاط النفس ويبقيه في مرتبة التنافس الجاد.

يتوقع المراقبون ترجيح انسحاب البعض من السباق الانتخابي مثل حاكم ولاية نيو جيرسي، كريس كريستي، والطبيب الجراح بن كارسون الذي يستعد لخوض ربما جولته النهائية في ولاية ساوث كارولينا.
أيضا، المرشحة كارلي فيورينا حافظت على نسبة متدنية من الأداء، وربما تنضم إلى طاقم المنسحبين من السباق الرئاسي.
الحزب الديموقراطي
فوز المرشح بيرني ساندرز وبالنسبة العالية كان متوقعاً أيضاً، لجملة عوامل وأسباب تتعلق بحملة المرشحة هيلاري كلينتون، ومواجهتها عقبات حقيقية ناجمة عن ملاحقة قضائية “غير رسمية” لسلوكها وأدائها ابان فترة توليها منصب وزيرة الخارجية.
قضية مراسلاتها الالكترونية بعيداً عن أعين المؤسسة الرسمية لا تزال تقيّد مسيرتها وتقدمها. ما يسعف كلينتون في التعويض عن خسارة مندوبين منتخبين للمؤتمر الحزبي هو فصيلة “المندوبين المميزين،” الذين يتم تعيينهم في مناصبهم للمؤتمر العام، والذين يميلون بغالبيتهم لتأييدها.

حملتها الانتخابية تلقت ضربة معنوية بالغة الأثر عشية انتخابات نيوهامبشير باعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي رسميا عن بدء اجراءات التحقيق في “اساءة استخدامها لخدمة البريد الالكتروني” الرسمي، وما قد يترتب عليها من توجيه تهم قانونية بذلك.امام هذا الاحتمال المتجدد، ليس من المستبعد ان يميل الرئيس اوباما بكل ثقله لاقناع نائبه جو بايدن دخول حلبة المنافسة درءا لخسارة الحزب الديقراطي الانتخابات التي قد تجري بين بيرني ساندرز او هيلاري المثقلة بالسلبيات ودونالد ترمب.
الخلاصة

تقدّم المرشح جيب بوش النسبي في الانتخابات الأخيرة لا يكفي للبناء عليه إلاّ إذا تقدم اداؤه في ساوث كارولينا على حساب روبيو.
المتاعب القانونية التي “بدأت” تلاحق كلينتون بشكل جدي ستحيلها إلى عبء على الحزب الديموقراطي ينبغي التخلص منه.

وعلى هذا الأساس تتعزز فرضية دخول نائب الرئيس جو بايدن الحملة الانتخابية، ليس في بعد التغلب والقفز على العقبات القانونية بالنسبة لكلينتون، بل أيضاً لوعي مركزية الحزب الديموقراطي أن بيرني ساندرز “المرشح الاشتراكي” لن يقدر على الصمود أمام جمهور من الناخبين المعادين لأي تعبيرات اشتراكية، حقيقية أو شكلية، كما يشاع.
المصدر: الميادين

رابط مختصر