دعاة الحروب يحرضون للرد على النجاح الروسي في سوريا

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 7 فبراير 2016 - 4:36 مساءً
دعاة الحروب يحرضون للرد على النجاح الروسي في سوريا

سرعان ما اضطرت المؤسسة العسكرية الأميركية “تعديل” تقييمها للقوات الروسية التي كانت بمثابة مقياس للقوات الأميركية عينها خلال فترة الحرب الباردة، وأضحت تشكل “تهديداً قوياً” لمخططات حلف الناتو. الفضل يعود إلى الأداء البارز والمميز لروسيا في سوريا، أو بعضه على الأقل، منذ شهور أربعة.
انشغلت المؤسسات الأميركية، الرسمية والنخبوية والاعلامية، في تسليط الأضواء على “خطر الإرهاب” ورفعه إلى صدارة قائمة الأولويات الاستراتيجية. تعريف الإرهاب لم يتم حسمه للحظة، ليس لناحية قصور استيعاب العقل البشري، بل لما يترتب عليه من مخططات وتخصيص إمكانيات وموارد، ونسج تحالفات إقليمية ودولية.
ووقع الاختيار مرحلياً على “خطر داعش” بكل ما يمثله من “تهديد للقيم الغربية” خاصة بعد بروزه الدموي على الساحة الأوروبية. وتم حشد القوى والإمكانيات الإقليمية تحت يافطة فضفاضة وجهتها الحقيقية تقويض الدول المستقلة والكيانات القومية، واستحضار مخططات التقسيم والتفتيت بعناوين مموهة.
وسرعان ما استعادت المؤسسة الأميركية الحاكمة “توازنها” واستدارت نحو اعتبار روسيا مصدر الخطر الوجودي لبلادها – بعد سلسلة من تصريحات سابقة مغايرة.
أحدث تلك التعبيرات جاءت على لسان مدير وكالة الأمن القومي، جيمس كلابر، قائلاً دون مواربة إن “روسيا” تشكل العدو الرئيس لأميركا “العدو الشرس والخطر المميت للولايات المتحدة ليس تنظيم الدولة الاسلامية، الذي باستطاعته الحاق الضرر وقتل مواطنينا.” (شبكة سي بي اس المحلية، 4 شباط الجاري).
وأردف كلابر أن “تنظيم الدولة الاسلامية لا يمتلك الإمكانيات المدمرة التي تتوفر لروسيا” منوهاً إلى الترسانة النووية الروسية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والقاذفات الاستراتيجية. واستدرك كلابر لطمأنة الجمهور الأميركي قائلاً “إن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية تستبعد توفر النية لدى روسيا استخدام ترسانتها النووية لإلحاق الضرر بالأراضي الأميركية.”
غرور يصطدم بمرارة الواقع
أطلق لواء الجيش المتقاعد، بوب سكيلز، تصريحات قاسية العام الماضي يصف فيها القوات العسكرية الروسية بأنها “ضعيفة جداً خارج نطاق الترسانة النووية، بينما تمتلك الولايات المتحدة قوة عسكرية قوية ذات بأس”. اللواء يعمل كمستشار ومحلل عسكري في قناة “فوكس نيوز” بالطبع لم يكن ينطق اللواء سكيلز عن هواه الشخصي بقدر ما كان يعكس نظرة متأصلة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.
سرعان ما اضطرت المؤسسة العسكرية الأميركية “تعديل” تقييمها للقوات الروسية التي كانت بمثابة مقياس للقوات الأميركية عينها خلال فترة الحرب الباردة، وأضحت تشكل “تهديداً قوياً” لمخططات حلف الناتو. الفضل يعود إلى الأداء البارز والمميز لروسيا في سوريا، أو بعضه على الأقل، منذ شهور أربعة.
أجرى معهد راند، وثيق الصلة بالمؤسسة العسكرية الأميركية، دراسة مقارنة بين قوات حلف الناتو والقوات الروسية، بين عامي 2014-2015، خلص فيه إلى القول بأن قوات الحلف “أضحت غير فعالة أمام القوات الروسية .. بل إن جهداً مشتركاً للقوات الأميركية ودول البلطيق يدعمه سلاح الطيران الأميركي سيجد نفسه عديم الفعالية لوقف أي تقدم روسي.”
ومضى راند في استفزاز المؤسسة العسكرية الاميركية قائلاً إنه باستطاعة القوات الروسية “اكتساح مشارف عواصم دول البلطيق في غضون 36 الى 60 ساعة واحتلال قواتها المدرعة عاصمتي ايستونيا ولاتفيا .. خاصة وان قوات حلف الناتو البرية لا تشكل ندا للقوات المدرعة الروسية.”
في أعقاب إسقاط تركيا القاذفة الروسية سو-24 نهاية العام الماضي، أوضحت المجلة العلمية الرصينة “بوبيولار مكانيكس” 25/11/2015، ان روسيا “تتوق لمعركة” مع حلف الناتو او احد اقطابه؛ موضحة ان التقنية الروسية تتفوق على نظيراتها الاميركية في اربعة مجالات قد تصدم الغربيين: علم الصواريخ، تقنية الدفاعات الجوية، القتال الجوي، وتقنيات بالغة التطور في تطويع الطاقة الذرية.
وأضافت المجلة الاسبوعية ان المؤسسة العسكرية الاميركية دأبت النظر بازدراء للقدرات العسكرية الروسية، ابرز اسبابها ان روسيا تنفق 12% مما تنفقه الولايات المتحدة على الشؤون العسكرية، مما يعزز اعتقاد القادة العسكريين بأن الصناعات الروسية “متخلفة” عن نظيرتها الأميركية، وانها لم تفلح في تخطي مرحلة التطور التقني لعقد السبعينيات من القرن الماضي.
وتدرجت النظرة الأميركية صعوداً لتجد افضل تجلياتها في الساحة السورية. وافردت يومية واشنطن بوست، 3 شباط الجاري، مساحة إقرار متأخر “للرئيس فلاديمير بوتين الذي استطاع تعديل أداء القوات السورية .. والتي أضحت في موقع الهجوم وسجلت (امس الثلاثاء) أهم انتصار لها باستعادة مدينة الشيخ مسكين من القوات المدعومة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.”
بالمقارنة، بدأت تتضح معالم الاستراتيجية الأميركية وحلف الناتو والتحالف الدولي في الزعم بمحاربة داعش وتمدد الدولة الاسلامية التي لم تصمد أمام انجازات التدخل الروسي، بقوات محدودة عدديا، وتطور اداء حلفائه السوريين والقوى الرديفة.
في هذا السياق يستطيع المرء تلمس مصادر قلق الغرب، وحلف الناتو بالتحديد، كما جاء في دراسة معهد راند، التي ذكرت بعدم قدرة قوات الحلف على المواجهة او الصمود امام قرار روسي بالتحرك نحو دول البلطيق، ان تتطلب الأمر، دون ان يلقى مواجهة فعالة.
قلق غربي له ما يبرره
وجاء في دراسة “راند” أن “..الاستنتاجات والدروس أتت دون لبس او ابهام: في ظل الوضع الراهن فإن حلف الناتو لن يقوى على الدفاع عن أراض تتبع اعضاءه المكشوفين (جغرافياً).
من بين الثغرات التي حددتها دراسة “راند” نقص العربات والقوة النارية المطلوبتين لمواجهة العسكرية الروسية “التي أبقت على ترسانتها من العربات المدرعة والدبابات .. (أما) قوات الناتو البرية فتعاني ايضاً من نقص في معدات المدفعية المضادة للطائرات في مسرح دول البلطيق”.
كما لفت “راند” الانظار إلى أن مسألة المعدات ليس هي الوحيدة التي يعاني منها حلف الناتو، بل أيضا في طبيعة القوات المرابطة على تخوم الحدود الروسية التي لا تكفي للقيام بمهام قتالية طويلة، خاصة في مواجهة “جيوش روسية مؤللة.”
في هذا الشأن، يمضي الجدل في المؤسسة العسكرية الأميركية حول أفضل السبل لتنشيط المؤسسة وإمدادها بأفضل المعدات. واتسم عهد الرئيس اوباما ونظرته للمؤسسة العسكرية بالاقلاع بعض الشيء عن الاستثمار في المعدات الميكانيكية التقليدية واستبدالها بوحدات قتالية اصغر حجما تتمتع بقدرة اوفر على الحركة ورفدها بوحدات من القوات الخاصة.
أيضاً في ظل التواجد العسكري “غير المتناسق” في منطقة بحر البلطيق، يسود القلق داخل المؤسسة العسكرية الاميركية لتعزيز روسيا حضورها المسلح في جيب كاليننغراد على بحر البلطيق، المنطقة الواقعة بين بولندا وليتوانيا، كما لنوايا روسيا انشاء قاعدة جوية جديدة في روسيا البيضاء المجاورة، جنوبي حدود الجيب المذكور.
وعزز قلق الدوائر العسكرية بعضا مما جاء في استنتاجات دراسة “راند،” وذكرت في احداها “على العموم، وجدت قوات مشاة حلف الناتو نفسها غير قادرة على اتمام عملية تراجع ناجحة (وافتراضاً) سيجري تدميرها في مرابضها.”
دراسة “راند” استندت الى فرضية توفر سبع كتائب عسكرية في المنطقة، منها ثلاث كتائب للمدرعات الثقيلة، تعززها قوة نارية من سلاح الجو والمدفعية كي تستطيع “منع احتلال سريع لدول البلطيق.” اما القوات الاضافية المطلوبة تصل كلفتها الى نحو 2,7 مليار دولار سنويا.
على ضوء ما تقدم، باستطاعة المرء قراءة تصريحات وزير الدفاع الاميركي آشتون كارتر بمنظار ادق، خاصة لنيته الاستثمار في الاسلحة الثقيلة والعربات المدرعة لاستبدال المخزون الحالي في دول اوروبا الشرقية، بغية التوصل لاعداد مجموعة من لواءين مسلحين بمعدات ثقيلة للحفاظ على الحدود الشرقية لحلف الناتو.
القوات الاميركية الراهنة المتواجدة في اوروبا تشمل كتيبتي مشاة للجيش الاميركي، احداهما في ايطاليا والاخرى في المانيا، لكن رقعة الانتشارهما متباعدة. بند الميزانية المخصص لتلك المهمة، كما اوضح كل من وزير الدفاع والبيت الابيض، مقداره 3,4 مليار دولار، من شأنه اضافة كتيبة اخرى للاعداد الراهنة، قوامها جنود اميركيون يتناوبون كل بضعة اشهر.
تجدر الاشارة الى ان تواجد كتيبة دائمة المناوبة تتقلص فعاليتها بالمقارنة مع كتيبة مماثلة مرابطة بشكل دائم، ولا تشكل الاولى بديلا ثابتا عن الاخرى في مواقع متقدمة؛ فضلا عن ان المعدات الثقيلة الموكلة بالكتيبة المعنية المتوفرة، مثل المدرعات التي سبقتها لساحات القتال، ينبغي ان ترافق القوات المخصصة قبل نشوب ازمة للاستفادة القصوى من امكانياتها المتاحة.
لا يغفل عن العسكريين أن تلك المعدات المخصصة لاراضي اوروبا الشرقية ستكون عرضة لاول ضربة عسكرية روسية قبل ان يتم نشرها، مما يتطلب من الولايات المتحدة زيادة اعتمادها على جسر جوي للامداد العسكري يعوض الخسارة، وبدرجة اقل الاعتماد على ما يمكن توفره في مخازن الناتو الاوروبية.
مهام اختراق أراضي أوروبا الشرقية قد توكل للفرقة 82، التي باستطاعتها إنزال نحو 2،000 عنصر من قوات المظليين، وعربات مدرعة، ومدافع الهاون من طراز 155 ملم، على شريط جغرافي يمتد ثلاثة أميال بهدف السيطرة وتوفير الحماية لمهبط جوي يمهد لاستقبال مزيد من التعزيزات، بما فيها وحدات “سترايكر” المدرعة المحمولة جوا، واتخاذ مواقعها القتالية على الفور.
التعديلات التي طرأت على الاستراتيجية الاميركية وحلف الناتو تدل بوضوح على مدى الاولوية التي يوليها البيت الابيض والبنتاغون لتهديد عسكري مصدره روسيا. اضافة لما تم الاعلان عنه من تحديث القوات المدرعة والثقيلة، اعاد البنتاغون الى الخدمة اسراب الطائرات المقاتلة المخصصة لقتال المدرعات من طراز A-10، والتي ستستمر في الخدمة الفعلية لعام 2022.
الوصفة التقليدية لسد الفجوات بضخ مزيد من الموارد المالية باتت لا تقنع اصحابها. وحذر عدد من الخبراء العسكريين “لسوء الحظ، فان تخصيص مزيد من الاموال لن تكفي لردع (الرئيس) بوتين عن شن عدوان جديد. القوات العسكرية لحلف الناتو في اوروبا لا تكفي. وفي حين ان تخصيص مزيد من الانفاق قد يصلح الاوضاع، الا انه لن يكون حاسما.”
ويسود اعتقاد جازم بين اوسط كبار المؤسسة العسكرية ان “تردد الرئيس اوباما،” في اتخاذ موقفا اكثر تشددا حيال ازمة اوكرانيا والاسلحة الكيميائية السورية شكل عاملا “حافزا لعدوان بوتين .. الذي يدفعه في نهاية الأمر قناعته باستطاعته اعادة احياء موقع القوة العظمى لروسيا – في اوروبا والشرق الاوسط.”
وإمعاناً في طمأنة النفس، اضاف اولئك “في تلك الاوضاع، فان نشر الدبابات، وتخصيص مزيد من الاموال، والزج بمزيد من القوات لن يكون كافيا. يتعين على اوباما تحدي بوتين بقسوة والتوضيح له انه عازم على تصعي التحدي وتعزيزه بنشر مزيد من الكتائب المدرعة في اوروبا الشرقية .. وامداد دول اوروبا الشرقية باسلحة حديثة.” يشار الى ان ايستونيا تلقت معدات وصواريخ مضادة للدروع من طراز “جافلين” لتعزيز قدراتها التصدي لهجوم روسي مدرع.
ويواجه الرئيس اوباما ضغوطا متصاعدة من قادته العسكريين الذين يطالبونه “بممارسة ضغوطه على دول حلف الناتو لزيادة معدلات الانفاق على الشؤون العسكرية – خاصة في مجالات معدات ثقيلة ومؤللة للمشاة.” الاحصائيات المتوفرة تفيد بأن حصة الولايات المتحدة من ميزانية حلف الناتو العسكرية تعادل 72%.
في أوج الحرب الباردة، نشر حلف الناتو نحو 20 فرقة عسكرية مؤللة بمعدات ثقيلة في اوروبا بمواجهة قوات الاتحاد السوفياتي، كان نصيب المانيا منها نحو 2،200 دبابة؛ تم تخفيضها لنحو 250 دبابة بعد نهاية الحرب الباردة. في ذات السياق، تنوي بريطانيا سحب ما تبقى لها من لواء مدرع مخصص لحماية قيادة الحلف من القارة الاوروبية.
القادة العسكريون الأميركيون، والصقور منهم بوجه خاص، يحبذون مراجعة بلادهم لاولويات الانفاقات العسكرية لحلف الناتو، لا سيما بعد انضمام ونية انضمام دول اوروبا الشرقية سابقا الى مظلة الحلف، وتخصيص موارد كافية لاقامة منشآت جديدة داخل حدود تلك البلدان على تخوم الحدود المشتركة مع روسيا، واغلاق بعض المنشآت القائمة في الشطر الغربي من القارة الاوروبية.
ويدعون ايضاً الى ضرورة زيادة الولايات المتحدة من معدلات صادراتها النفطية ومصادر الطاقة الى القارة الاوروبية، من نفط خام والغاز الطبيعي، بغية تقليص اعتماد اقطارها على واردات الطاقة الروسية وتعزيز قدراتها على المواجهة والحسم.
وفق تقديرات تلك المجموعة من القادة العسكريين فان رسم معالم استراتيجية فعالة لمواجهة “عدوانية روسيا” تتطلب رفدها بلواء عسكري اضافي في اوروبا، والاستثمار في معدات عسكرية مدرعة مرتفعة الكلفة ووحدات مؤللة، وتوفير معونات ملموسة لمعظم دول اوروبا الشرقية، ودعم توجهات استقلالية في مجال الطاقة لدول حلف الناتو.
المصدر: مكتب واشنطن بالتعاون مع مركز الدراسات الأميركية والعربية

رابط مختصر