السوريون بين أموال المانحين وآمال السلام … سامر إلياس

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 4 فبراير 2016 - 5:10 مساءً
السوريون بين أموال المانحين وآمال السلام … سامر إلياس

على عكس الخيبة لتعثر التسوية السياسية في “جنيف-3″، تكشف التصريحات قبيل مؤتمر المانحين لسوريا في لندن عن استعداد دولي لجمع مبالغ قياسية لحل الأزمة الإنسانية للسوريين.

فقد تعهد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بتقديم نحو مليار و750 مليون دولار حتى عام 2020. وأوضح أن الهدف يكمن في بث “الشعور بالأمل المطلوب لثني الناس عن التفكير في أنهم ليس لديهم خيار سوى المخاطرة بأرواحهم في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا”.

وقدمت النرويج تعهدات هي الأكبر في تاريخنا لحل أي أزمة عالمية، وأكدت رئيسة الوزراء النرويجية إرنا سولبرغ، في بيان لها أن بلادها ستقدم 1.17 مليار دولار في غضون السنوات الأربع المقبلة.

وحذرت سولبرغ المجتمع الدولي من أنه “إذا فشلنا في التحرك في شكل حاسم الآن، فإن وضع المدنيين والدول المجاورة لسوريا سيتدهور، وسيؤثر ذلك على المجتمع الدولي بأكمله”.
وتعتزم ألمانيا تقديم نصف مليار يورو إلى المفوضية العليا للاجئين لدعم السوريين في بلدان الجوار.

في حين تطالب الأمم المتحدة بجمع نحو 9 مليارات دولار، منها: 7 مليارات وسبعمئة مليون وثلاثمئة ألف دولار للتغلب على الكارثة هذا العام، إضافة إلى مليار ومئتي مليون دولار لتمويل خطط قومية لاستيعاب اللاجئين في دول الجوار السوري.

ويكشف ازدياد “سخاء” المانحين عن جانبين مهمين، وهما: تعمق الأزمة الإنسانية للسوريين بعد نحو خمس سنوات صعبة، وارتفاع المخاوف من انعكاسات الأزمة السورية على الأوضاع الاقليمية والدولية.

وحسب إحصاءات الأمم المتحدة، فإنه تم جمع مليار وخمسمئة مليون دولار، ومليارين وأربعمئة مليون دولار، وثلاثة مليارات وثماني مئة مليون دولار في ثلاثة مؤتمرات استضافتها الكويت في الأعوام: 2013 و2014 و2015 على التوالي.

لكن مبالغ المانحين تبقى قاصرة عن إنهاء معاناة اللاجئين السوريين في بلدان الجوار، كما أنها لا تلبي حاجة هذه البلدان، للتخفيف من آثار سيل اللاجئين، المتدفق منذ أكثر من أربع سنوات، مع عدم وجود مؤشرات بتوقفه في المستقبل القريب.
وحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فان أعداد اللاجئين المسجلين لدى الحكومة التركية بلغ مليوني سوري، فيما بلغ إجمالي عدد اللاجئين في مصر والأردن ولبنان والعراق مليونين و25 ألف لاجئ.

وفيما تتكفل تركيا باللاجئين السورين، وتنفق قرابة أربعة مليارات دولار لإيوائهم، فإن البلدان الأخرى تعجز عن تلبية احتياجات اللاجئين بنفسها، وتشكو من قلة الدعم الدولي.

وتقول الحكومة الأردنية إنها تستضيف نحو 1.4 مليون لاجئ سوري على أراضيها؛ ومنذ أيام، أعرب الملك عبد الله الثاني عن قلقه حيال تزايد معاناة الأردنيين جراء قلة فرص العمل وزيادة الضغط الهائل على البنية التحتية وهو ما أدى، حسب قوله، إلى زيادة حنق الأردنيين إلى “درجة الغليان” جراء موجات اللجوء السوري.

وطالب الملك عبد الله بتقديم نحو 8 مليارات دولار لدعم الأردن في تلبية احتياجاته واحتياجات اللاجئين، ملوحا بتغيير طريقة التعاطي مع اللاجئين السوريين، ومحذرا في الوقت نفسه من أن يؤثر أمنيا عدم تلبية المطالب هذه على الدول المانحة والدول المتضررة من موجات اللجوء السوري.

أما في لبنان، فيشكل اللاجئون السوريون أكثر من ثلث سكانه حاليا، حيث تجاوز عدد اللاجئين، المسجلين رسميا حتى بداية العام الحالي، مليون لاجئ.
وحتى العراق، الذي يعاني موجات لجوء ونزوح داخلية، فإنه يستضيف نحو 244 ألف لاجئ سوري.

ولا يمكن مقارنة المساعدات الدولية السابقة والتعهدات الحالية على أهميتها بالتكاليف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، التي تتحملها بلدان الجوار، التي تعاني اقتصاداتها مشكلات جمة، ولا تستطيع البنى التحتية الطبية والتعليمية وسوق العمل في هذه البلدان استيعاب ملايين اللاجئين.

ولا بد من لفت النظر إلى أن أخبار اللاجئين تتصدر يوميا نشرات الأخبار في بلدان أوروبية، وتلجأ حكوماتها إلى تشديد الخناق على اللاجئين للحد من تدفقهم، رغم أن بعضها لم يستقبل سوى بضعة ألوف من اللاجئين السوريين منذ بداية الأزمة، وهي التي تملك اقتصادات قوية وبنى تحتية متطورة.

كما أن هذه التعهدات لن تكون كافية، بالطبع، لإنهاء معاناة السوريين الإنسانية في ضوء تقارير دولية مؤكدة تتحدث عن 6.5 مليون نازح في داخل سوريا، وأكثر من أربعة ملايين في بلدان الجوار.

ووفقا لأرقام الأمم المتحدة، فإن 13.5 مليون شخص في داخل سوريا في حاجة إلى المساعدات الإنسانية، يضاف إليهم 6.5 ملايين نزحوا من مناطقهم داخل البلاد.

ومن المؤكد، أن وقف القتال هو الضمانة الأهم لوصول المساعدات إلى هؤلاء، ولا سيما أن الأمم المتحدة قدرت عدد الأطفال، الذين يحتاجون إلى المساعدة العاجلة بنحو ثمانية ملايين طفل سوري، منهم مليونان يعيشون في المخيمات.

ومن الواضح أن التحرك الدولي يأتي في إطار التصدي لأكبر أزمة لجوء تشهدها القارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية مع وصول أكثر من مليون لاجئ في العام الماضي، وتوقعات بوصول العدد إلى أكثر من 1.5 مليون لاجئ في العام الحالي.

ويسعى القادة الأوروبيون بخاصة إلى الحد من سيل اللاجئين، والتخفيف من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي تتعرض بلادهم لها.

وأخيرا، فإن الحل الأمثل للكارثة الانسانية السورية يكمن في الإسراع بفرض حل سياسي ينهي الحرب، ويمهد لإعادة إعمار سوريا وعودة اللاجئين والنازحين إلى أوطانهم وبيوتهم.

ولعل السوريين في أمس الحاجة إلى الأموال لمساعدتهم على العيش، لكن الحاجة أكبر بكثير إلى رسالة سلام دولية قوية تبشر بقرب انتهاء الحرب، وبلوغ الحل السياسي، الذي يضمن للسوريين العيش بسلام في وطنهم.

سامر إلياس
(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

رابط مختصر