موسكو وأنقرة…سجال الاختراقات الجوية … صفوان أبو حلا

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 31 يناير 2016 - 6:03 مساءً
موسكو وأنقرة…سجال الاختراقات الجوية … صفوان أبو حلا

تؤكد تركيا مجددا اختراق طائرة حربية روسية أجواءها وتجاهل طاقمها التحذيرات ما حمل أردوغان على طلب لقاء بوتين واستنفار سلاح جوه وتفويض طياريه بالرد السريع دون الرجوع إلى المركز.
وتفيد الرواية التركية بأن طائرة حربية روسية من نوع “سوخوي-34” متعددة الوظائف دخلت المجال الجوي التركي عنوة بعد تحذيرات متكررة لطاقمها باللغتين الروسية والتركية لم تلق ردا، وأنها استمرت في الاقتراب من الأجواء التركية حتى اخترقتها وانتهكت حرمتها طيلة 20 ثانية.

وزارة الدفاع الروسية، نفت من جهتها وعلى لسان المتحدث الرسمي باسمها إيغور كوناشينكوف صحة “المزاعم” التركية جملة وتفصيلا، مؤكدة أن طائرتها لم تنتهك الأجواء التركية قط، وأن “المزاعم التركية ليست إلا دعاية واهية لا أساس لها من الصحة”.

كما أوضحت أن الخبراء الأتراك يدركون حقيقة أنه ليس بوسع الرادارات سوى تحديد ارتفاع الطائرات وسرعاتها، وأن واقعة خرق الأجواء تؤكدها الطائرات الحربية حصرا، ما يفند ادعاءات أنقرة حول انتهاك الجو التركي.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر عن استيائه حيال الحادث وجدد طلب لقاء نظيره الروسي “السيد فلاديمير بوتين”، معتبرا أن اختراق أجواء تركيا، إنما هو خطوة “لا مسؤولة” وتصعيدية في المنطقة، كما شدد على أن الناتو “يتابع التطورات عن كثب”.

وبالعودة إلى حادث إسقاط تركيا قاذفة روسية أواخر تشرين الثاني الماضي شمال سوريا، تستحضر الذاكرة التخبط التركي والاستنجاد بالناتو. وتستعيد تمسك الكرملين بتقديم أنقرة الاعتذار لموسكو، شرطا أساسيا وخطوة أولى على طريق حل يرضي الروس ويعوض ذوي الطيار الذي قتل في الحادث برصاص مسلحين تركمان تواجدوا في مكان وزمان سقوط الطائرة.

وفي تحليل الحادث الأخير الذي لن يسهم أبدا في الحد من التصعيد بين البلدين، يرى مراقبون أن انتهاك “سوخوي-34” الجو التركي، إنما تم فعلا متعمدا وربما يندرج في إطار ما توعد به الرئيس الروسي حينما أكد أن الأتراك سوف “يندمون ويندمون على فعلتهم حينما أسقطوا قاذفتنا”.

ومما يعزز هذا الطرح، أن القاذفة التي أسقطت، كانت من نوع “سوخوي-24” ومخصصة لقصف الأهداف الأرضية وتحصينات العدو، وتحمل كميات كبيرة من القنابل والذخائر، الأمر الذي سهل استهدافها غدرا، حيث من المفترض لو لم تكن تحلق بمحاذاة أجواء بلد “حليف” في وجه “داعش” أن ترافقها طائرات مقاتلة لحمايتها.

وبالوقوف على سجال التصريحات واختراق روسيا سماء الناتو، يرى فريق آخر من المراقبين أن رواية أنقرة حول انتهاك أجوائها، والاستنفار الذي أعلنته في جميع مطاراتها العسكرية، ليس إلا مناورة إضافية ومدروسة للرئيس التركي.

فأردوغان بذلك، وبعد التفويض الذي منحه للطيارين بالرد دون الرجوع إلى القيادة، يخلق ذريعة تجمعه ببوتين أو تجعله يصغي إليه ولو تحت ضغوط الوسطاء على الأقل، إذ ما انفك الأخير يتمنع عن أي لقاء، ويرفض الرد على أي اتصال من نظيره التركي.

“سوخوي-34” التي تؤكد أنقرة اختراقها الأجواء التركية، هي طائرة متعددة الأغراض، أي قادرة على تدمير الأهداف الجوية والأرضية واعتراض المقاتلات المعادية والتحليق بسرعات وارتفاعات كبيرة.

قدراتها هذه، تجعل استهدافها أمرا غاية في الصعوبة، الأمر الذي يثير التساؤلات، حول ما إذا كان طاقم “سوخوي-34” قد أراد فعلا استفزاز أنقرة. وإذا كانت الطائرة قد دخلت الأجواء التركية عنوة، فما سبب إخفاق الدفاعات الجوية التركية هذه المرة في استهدافها، حيث قضت طيلة 20 ثانية في الأجواء التركية، بينما تواجدت القاذفة في السماء التركية 17 ثانية فقط قبل إسقاطها؟

ومنه، ألا يعزز ذلك موقف موسكو التي تجزم بأن الأتراك ترصدوا وتتبعوا قاذفتها لإسقاطها غدرا، ويدحض جميع التبريرات والمسوغات التركية للحادث، ويؤكد أن موسكو كانت على حق حينما اعتبرت استهداف قاذفتها طعنة في الظهر؟

وبالعودة إلى أردوغان الذي أصر على صواب موقف بلاده ورفض الاعتذار عن إسقاط الطائرة الروسية معتبرا أن الرد كان فرض عين على سلاحه الجوي، فلماذا لم يتمكن من استهداف الطائرة الثانية لروسيا هذه المرة وتلقين موسكو درسا إضافيا يعلمها احترام سيادة الأجواء ويذكرها بأن الجو التركي عصي على أي اختراق، فالناتو بالمرصاد؟

الناتو، وخلافا للسابقة الأولى التي تبرأ فيها من فعلة الأتراك، وقف وقفة الحليف حيث “شهد” البنتاغون على أن “سوخوي-34” انتهكت الأجواء التركية وسماء الناتو، وناشد أنقرة وموسكو التهدئة واتخاذ جميع الإجراءات لتفادي التصعيد.

وعليه، فإن “كشف” أنقرة عن “اختراق طائرة حربية روسية” أجواءها، واستدعاء السفير الروسي في تركيا والاحتجاج لديه على “فعلة” بلاده، وإعلانها في اليوم التالي للـ”حادث” حالة التأهب وإتاحة الرد لطياريها بلا تلكؤ، لا يندرج كما يبدو إلا في خانة التذكير بالذات بغض النظر عما إذا كانت “سوخوي-34” قد هتكت حجاب الجو التركي أم لا.

وإذا صدقت أنقرة في روايتها هذه المرة، وأظهرت هذا القدر من التحلي بضبط النفس وبرودة الأعصاب، فلماذا تسرعت في المرة الأولى واستهدفت طائرة بلد جار وشريك تجاري واقتصادي كبير وحليف في “مكافحة” الإرهاب؟

أم أن الفردوس المفقود في “المنطقة العازلة” شمال سوريا، وانقطاع شريان النفط المنهوب عن القيادة التركية كما تؤكد موسكو، قد أخرج الرئيس التركي عن طوره إلى حد جعله لا يفكر بالعواقب إلا بعد أن يضغط على الزناد؟

صفوان أبو حلا

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب)

رابط مختصر