“جناح الجيش الأحمر” ينهض من الرماد

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 30 يناير 2016 - 4:19 مساءً
“جناح الجيش الأحمر” ينهض من الرماد

نفذ ثلاثة مقنعين محاولة سطو فاشلة على ناقلة نقود مدرّعة قرب مدينة ديبهولز الألمانية، وتركوا السيارة التي استخدموها في العملية في غابة قريبة. وفي هذه السيارة عثرت الشرطة على الحمض النووي لثلاثة “إرهابيين” من منظمة “جناح الجيش الأحمر”.

وسبق أن أعلنت منظمة “جناح الجيش الأحمر” (وريث بادر- ماينوهوف) رسميًا عن حل المنظمة السرية في العام 1998، بعد ثلاثين سنة تقريبًا من نشاطهم العنيف، الذي أنهك الشرطة الألمانية. تقاعد الكثيرون منهم، وقضى آخرون محكوميات مختلفة في السجون، ومازال بعض مشاهيرهم في السجن، أما ثلاثة منهم فاختفوا وكأن الأرض انشقت وابتلعتهم.

الآن، وبعد 27 سنة، يعلن “المتقاعدون” الثلاثة عن أنفسهم بالأسلحة نفسها والأسلوب نفسه الذي استخدموه في السبعينات، عدا عن أن عمليتهم الأخيرة لم تخطط لها العقول الشابة نفسها، وباءت بالفشل. الثلاثة هم “إرنست – فولكر شتاوب (61 سنة اليوم)، وبوركهاردت غارويغ (47 سنة) ودانيلا كليته (57 سنة). ووزعت الشرطة الألمانية صور الثلاثة عندما كانوا شبابًا مع تقديرات تصور أشكالهم المحتملة وهم في عمر اليوم.

يتساءل خبراء “الإرهاب” في الشرطة الألمانية ما إذا كانت المنظمة قد نهضت من الرماد مثل طائر العنقاء. وإذا كان الحمض النووي يعود إليهم فعلًا، ولم يتركه مجرمون عاديون عن عمد، فلماذا اختاروا هذا الوقت تحديدًا؟. وأظهرت الشرطة اهتمامًا كبيرًا بالأمر، على أمل أن تقود خيوط العملية الفاشلة إلى القبض على الثلاثة، ومن ثم الكشف عن 6 جرائم اغتيال، نفذتها المنظمة في السبعينات والثمانينات، ولا يزال مرتكبوها مجهولين.

معروف أن أعضاء جناح الجيش الأحمر، رغم انهيار المنظمة واعتقال معظم رموزها، مازالوا متمسكين بالحلف الذي أقسموا على أن لا يعترف أحدهم على الآخر. ويتعلق الآن إطلاق سراح بعضهم من السجن، بعد انتهاء حكم المؤبد، باعترافاتهم، لكنهم لا يخونون بعضهم البعض.

تغيير محتمل في الأهداف
لا يمكن نكران أن توقيت عودة المنظمة يتزامن مع صعود النشاط النازي واليميني المتطرف، ألدّ أعداء “جناح الجيش الأحمر” اليساري النزعة. وهذا يعني أن المنظمة قد لا توجّه نيرانها إلى رموز الدولة الرأسمالية، كما هي الحال في السابق، وإنما إلى النازيين. وهذا مقلق بالنسبة إلى السلطات لما ينطوي من تصعيد في العنف اليساري المتطرف والعنف النازي المضاد.

يميل البعض، مثل بوتز بيتر، الخبير في “إرهاب” منظمة جناح “الجيش الأحمر”، إلى تفسير عودة نشاط الثلاثة إلى”إفلاسهم المادي” لا غير. وذكر الخبير أن “أيديولوجيا” المنظمة القائمة على تحشيد الشعب ضد الحكم عن طريق العمليات المسلحة أثبتت فشلها بالنسبة إلى أعضاء المنظمة. ووصف بيتر العملية الأخيرة بأنها جريمة عادية غير مؤدلجة هدفها “توفير” المال اللازم لحياة التقاعد السرية التي يعيشونها منذ ربع قرن.

وإذ تطلق السلطات الأمنية على الأشباح الثلاثة اسم “الجيل الثالث” من منظمة جناح الجيش الأحمر، لا يميل بيتر إلى تسمية العملية الفاشلة التي نفذها الثلاثة اسم “الجيل الرابع”، أو محاولة من الثلاثة لبناء تنظيم الجيل الرابع من المنظمة. وأعاد بيتر إلى الأذهان آخر عملية سطو مماثلة في مدينة دويسبورغ عام 1999، نفذها أيضًا ثلاثة مقنعين، يعتقد أنهم الأشخاص أنفسهم، وكانت حصيلتها نحو مليون مارك غربي. ويرى خبير “الإرهاب” أن هذا المبلغ قد نفد، وأن الحياة السرية التي يعيشونها مكلفة، وأن هذا هو مبرر العملية الأخيرة.

عملية فاشلة
بالقرب من ميكنشتيدت، وغير بعيد عن مدينة بريمن، قطع ثلاثة مسلحين الطريق أمام ناقلة مال. وجّه أحد المقنعين مدفعًا مضادًا للدروع إلى الواجهة الزجاجية الألمانية، وأمر السائق أن يفتح الباب، في حين وجّه الآخران بندقيتي كلاشنكوف إلى السيارة المصفحة، وأطلقا الرصاص على العجلات وعلى الأبواب.

ظهر، بحسب ما صورته كاميرا قريبة، أن رجال الأمن في السيارة المصفحة لم يستجيبوا للتهديد، وأغلقوا الأبواب بإحكام غير خائفين، وكانت النتيجة أن عدل المقنعون عن عمليتهم، وركبوا سيارة فورد فوكوس (مسروقة) وهربوا. في هذه السيارة التي تركها الجناة قرب غابة قريبة، عثر رجال الشرطة على شعرة يشي الحمض النووي المستمد منها أنها تعود إلى دانييلا كليته.

ويفسر المتخصصون تردد “الإرهابيين”، الذين لم يعرفوا التردد في القرن الماضي، على أساس تقدم العمر أولًا، ولأن الهدف لم يكن سياسيًا، كما هي الحال في السابق، وإنما مادي بحت، يتعلق بحاجة الثلاثة إلى النقود لمواصلة حياتهم السرية.

وقال كلاوس بفليغر، النائب العام الألماني، الذي قاد التحقيقات ضد المنظمة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، إن الثلاثة يعيشون بشخصيات جديدة ووثائق مزورة، ومن الصعب الوصول إليهم. واعترف بفليغر بأن السلطات لا تعرف الكثير عن أعضاء جناح الجيش الأحمر من الجيل الثالث، وعدا عن اثنين أو ثلاثة أخرين اختفوا، ويعتقد أن المنظمة أعدمتهم لأسباب مختلفة، فهناك أعضاء آخرون “نائمون”.

أخطاء العمر والحاجة
توقع بفليغر أن ينفذ الثلاثة عمليات جديدة بسبب حاجتهم إلى النقود، وتعتقد الشرطة الآن أن عملية مماثلة فاشلة قرب هامبورغ في كانون الأول/ديسمبر 2015، قد تحتسب على نشاط الثلاثة. إن تقدمهم في العمر، وحاجتهم إلى المال، قد يعني ارتكابهم الأخطاء وتركهم بعض الآثار التي تقود إليهم. والهدف هو الكشف عن منفذي 6 جرائم ارتكبتها المنظمة في عصرها الذهبي، وما زالت ملابساتها غامضة.

الجرائم الست هي: اغتيال إرنست زمرمان رئيس شركة “م ت و” لإنتاج محركات الطائرات عام 1985، تفجير سيارة كارل هاينتز بيكورتس رئيس شركة سيمنز المعروفة 1986، سائق بيكورتس، واسمه اإيكهارد غروبلر، اغتيال غيرولد فون براونمول، رئيس القسم السياسي في وزارة الخارجية 1987، تفجير سيارة رئيس الدويتشة بانك ألفريد هيرهاوزن 1989، اغتيال ديتليف كارستن روهفيدر، أول رئيس للمؤسسة المكلفة ببيع شركات ألمانيا الشرقية بعد سقوط جدار برلين 1991. ولم يتبق الآن من سجناء المنظمة، صعبة المراس، سوى:

برجيت هوغفيلد (59 سنة): ولدت في فيزبادن (ولاية هيسن)، وتعتبر من قيادة الجيل الثالث من جناح الجيش الأحمر الألماني. اعتقلت عام 1993 في بلدة باد كلاينن الشرقية، بعد اشتباك مع القوات الخاصة، قتل فيه رفيقها فولغانغ غرام، وأحد رجال الشرطة. مسؤولة عن قتل جندي أميركي خلال هجوم بالقنابل على القاعدة الجوية الأميركية في مطار فرانكفورت عام 1985. حكمت بالسجن المؤبد عام 1996.

كريستيان كلار (63 سنة): ابن معلمين من فرايبورغ (جنوب)، ويعتبر من قيادة الجيل الثاني من المنظمة. يقضي محكوميته في سجن بروكسال (ولاية بادن فورتمبيرغ). شارك برجيته مونهاوبت في اختطاف وقتل هانز مارتن شلاير رئيس اتحاد أرباب العمل. وكان هدف العملية ابتزاز إطلاق سراح أندرياس بادر ورفاقه في السجن. محكوم بالسجن مدى الحياة 6 مرات، إضافة إلى السجن المؤبد لمدة 15 سنة.

على أية حال لا يدل استنفار الشرطة الألمانية، بعد الكشف عن هويات المقنعين الثلاثة بأن الدافع هو الحصول على النقود، وليس تمويل عمليات “إرهابية” جديدة قد تحتسب على “الجيل الرابع” من المنظمة. إذ شكلت شرطة “مكافحة الإرهاب” لجنة تحقيق خاصة، تتألف من31 خبيرًا، بحسب تصريح لوتس غيبل من النيابة العامة الاتحادية.

وقال غيبل إن اللجنة وضعت تحت تصرفها 836 محققًا وشرطيًا في حالة إنذار، بهدف البحث عن آثار، ربما تركها منفذو العملية. وبعدما ارتفع عدد “الأدلة والمؤشرات” حول العملية إلى 175 بعد يومين من العملية، لم يتبق الآن أي أثر جدّي يقود إليهم، بحسب اعتراف غيبل.

ايلاف

رابط مختصر