أسرار خطيرة لقدرات إيرانية وراء احتجاز البحارة الأميركيين

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 23 يناير 2016 - 10:21 مساءً
أسرار خطيرة لقدرات إيرانية وراء احتجاز البحارة الأميركيين

ارتبكت الرواية الرسمية الأميركية مراراً لإبلاغ و”تبرير” حادث اعتقال البحّارة الأميركيين في المياه الإقليمية لايران ، 12 كانون الثاني/ يناير الجاري، ولم ترسو على سردية قابلة للتصديق للحظة.
تسيّر طواقم سلاح البحرية الأميركية دوريات منتظمة بين الكويت والبحرين، خط سير الزورقين، ولديها معرفة وثيقة بحركة الملاحة وقوانينها الناظمة؛ فضلا عن تطبيق نظام صارم بتجنب الاقتراب من المياه الاقليمية لايران.
الثابت الوحيد جاء في رواية “القيادة المركزية” للقوات الأميركية التي تشرف على القوات الأميركية في عموم الشرق الاوسط، 18 الشهر الجاري، بالقول “كافة الاسلحة والذخيرة ومعدات الاتصال على متن الزورقين لم تتعرض للأذى، باستثناء شريحتين الكترونيتين يبدو انتزعتا من جهاز هاتف يعمل بالاقمار الاصطناعية”.

الزوارق العسكرية هجومية سريعة الحركة من طراز CB90 سويدية المنشأ، تسير برعة 40 عقدة، باستطاعتها حمل فصيلة من القوات البحرية قوامها 18 فردا بكامل اسلحتهم اضافة إلى عتادها من أسلحة رشاشة وذخيرتها، تستخدم في اعمال حراسة المرافىء، انزال القوات او استعادتها، القيام بعمليات مضادة لحرب العصابات في مياه الأنهر، وتوفير الإسناد لعمليات القصف والغارات الجوية، ودعم عمليات الانزال البرمائية، وكذلك اسناد عمليات طائرات الدرونز. وعادة ما تستخدم في دعم عمليات القوات الخاصة، بيد ان الحالة الماثلة لا تنطبق عليها تلك الميزة.

استعادة السردية الرسمية بكافة تفاصيلها، على أهميتها البالغة للمراقبين والمحللين والسياسيين على السواء، لن تعيننا على سبر اغوار الحادثة/ المغامرة، سوى في شحن الذاكرة بغطرسة المؤسسة الحاكمة، ونزوعها لكيل الاتهامات وجهوزيتها للتحرك العسكري قبل ان تنجلي الحقائق – استراتيجية ثابتة في عقيدتها العسكريةانهمرت سيول الاتهامات على الطرف الآخر، وما قام به يعدّ “عملا عدائيا من ايران ..” بشرت شبكة (سي ان ان) للتلفزة مشاهديها بعملية “مدروسة من قبل ايران لاهانة الولايات المتحدة و(الرئيس) اوباما خلال خطابه السنوي عن حال الأمة”.

نائب الرئيس الاميركي جو بايدن صرح لشبكة (سي بي اس) للتلفزة إن “احد الزورقين أصابه عطل ميكانيكي، انحرف مساره نحو المياه الايرانية.” ابرز اقطاب حزب الحرب، السيناتور جون ماكين، استعاد مقولته السابقة بضرورة قصف ايران قائلا ان “الزورقين لا يفقدا موقعهما من المناعة السيادية عند تعرضهما لضائقة اضطرارية.
غاب عن المشهد نص الاتفاقية الدولية للبحار والمادة 25 منها بعنوان حقوق الحماية للدول الساحلية التي تفيد بأن “الدولة الساحلية قد تتخذ خطوات ضرورية في مياهها الاقليمية لمنع المرور غير البريء،” اي دون الاخطار او الحصول على إذن مسبق.

وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر “انقذ” تهور وتضارب التصريحات باعلانه ان البحارة “ارتكبوا خطأً ملاحيا مما قادهم الدخول في المياه الاقليمية الايرانية.”

صحيفة “لوس انجيلس تايمز” التقطت العذر الجديد وسارعت بتفسيره ان “احد البحارة قد يكون ادخل بيانات واحداثيات خاطئة في جهاز المراقبة عبر الاقمار الاصطناعية”.

منذئذ لم يشر أي من البحارة المطلق سراحهم بأي معلومات تفيد بارتكاب خطأ عملياتي اودى بهم بالقرب من قاعدة بحرية لفيلق حرس الثورة الايراني، او اصدار نداء استغاثة، او ما شابه، باجهزة الراديو المتطورة.
يؤكد الخبراء والاخصائيون بسلاح البحرية الاميركية قواعد ثابتة متبعة قبل الابحار تبدأ بتفقد صلاحية الزوارق وما على متنها من معدات واسلحة، وتزويدها بكمية اضافية من الوقود تحسبا لأي طاريء، فضلا عن تجهيز الزورق بمحركين ايضا تحسبا للطواريء. ابحار زورقين بمهمة “اعتيادية” يشير الى الاعداد المسبق لنجاح المهمة في حال تعطل احدهما.

في الشق الافتراضي، من الجائز أن يتعرض جهاز اتصال أحد القوارب بالأقمار الاصطناعية إلى عطل، ولو نادراً. اما تعطل نظامين مختلفين على متن زورقين يبحران معا في ذات الفترة الزمنية “ضرب من المستحيل”.
يرجّح الخبراء والتقنيون بأجهزة الاتصالات أن “فقدان الاتصال بالاجهزة المتطورة على متن القاربين يقود الى استنتاج احادي – تعرضهما لقرصنة الكترونية.” ويضيف احدهم ان ما نستطيع التوصل اليه من استنتاجات يدفعنا الى الاقرار بأن القدرات الهائلة المتطورة لدى القوات العسكرية الاميركية اثبتت وجود ثغرات استطاعت ايران استغلالها افضل استغلال.

دروس من قرصنة ايرانية
تعود الاشتباكات “الالكترونية” بين ايران والقوات العسكرية الاميركية الى عام 2009 في حادث سيطرة ايران الكترونيا على احدث ما انتجته الترسانة الاميركية من طائرات الدرونز، من طراز RQ-170 سنتينل، بعد مغادرتها قاعدة انطلاقها في قندهار بافغانستان حلقت في الاجواء الايرانية وهبطت في احدى المواقع الايرانية باضرار خفيفة، 4 كانون الاول / ديسمبر 2011.

آنذاك روّجت الشركة المصنعة، لوكهيد مارتن، لأحدث منتجاتها بأنها عصيّة على الاختراق وشبيهة بطائرات الشبح. يشار إلى أن طائرة “الدرونز” تلك استخدمتها القوات الأميركية في رصد ورسم مخطط بياني لموقع تحصن اسامه بن لادن؛ واوكلت اليها مهمة رصد دقيق لبرنامج ومنشآت ايران النووية.
توغلت طائرة الدرونز لمسافة بلغت نحو 140 ميلا داخل الاراضي والاجواء الايرانية قبل التحكم بهبوطها هناك. الغطرسة الاميركية المعهودة استبعدت فرضية امتلاك ايران اجهزة الكترونية متطورة ونجاحها باسقاط الطائرة، وارجعت سقوطها لعطل فني ما. احد المسؤولين العسكريين الاميركيين بالغ في الاستهتار من ايران بقوله ان فرضية نجاح ايران تشبه “اسقاط (سيارة) فيراري على تكنولوجية عربة تجرها الثيران،” كما ورد في نشرة “ديفينس نيوز” المختصة بالشؤون العسكرية.

سرعان ما فنّدت نشرة “ديلي تك” الالكترونية، 15 كانون الأول / ديسمبر 2011، بلاهة الإدعاء الرسمي وأوردت تفاصيل السيطرة الالكترونية للقوات الايرانية على احدث انتاجات الصناعات الأميركية. وذكّرت المسؤولين الأميركيين، من سياسيين وعسكريين على السواء، بتصريحات ايران في شهر ايلول/ سبتمبر من ذات العام، بأنها استطاعت تطوير قدراتها “للتحكم والسيطرة” على اسلحة اميركية مسيّرة او معدات تجسسية.
وأردفت “ديلي تك” ان الاخصائيين الايرانيين انشأوا “كمينا الكترونيا” للطائرة عبر التشويش على موجات الاتصالات التي تستخدمها الدرونز، مما فرض عليها التحليق الآلي وفق خط سير البرمجة المعدة، مما افقد الطائرة قدرتها على التحكم والاستجابة لاشارات المركز.

وعليه، هبطت الطائرة وفق الخطة المعدة لكن “بدل الهبوط في افغانستان نزلت في الأراضي الايرانية”، وتسبب فارق الارتفاعات الجغرافية بين الموقعين، بنسبة بضعة امتار، بتعرض مقدمتها لاضرار خفيفة عند الهبوط “حجبتها القيادة الايرانية بتغطيتها عند عرضها امام كاميرات التلفزيون”.

وعملاً بمقولة “الهزيمة مرة،” طالبت نشرة “آفييشنست،” المختصة بشؤون الطيران المرموقة، المسؤولين الاميركيين ضرورة “اعادة النظر بتقنية الدرونز المستخدمة، وما يرافقها من معدات تشويش واتصالات بالأقمار الإصطناعية،” التي كلفت الخزينة الأميركية عدة مليارات من الدولارات، فضلاً عن “مراجعة جدية وتقييم حقيقي لقدرات ايران الالكترونية”.

وأضافت النشرة حديثاً أن الاستهتار الأميركي بالعسكرية الايرانية هو ما أدى لحادث السيطرة على الزوارق الحربية الاميركية مؤخرا في مياه الخليج العربي.

ونقلت عن مصادر عسكرية مسؤولة ان “نظرية تقنية عربة الثيران خضعت لاعادة نظر جذرية” منذئذ. ما يقلق المؤسسة العسكرية، بعد التيقن من اختراق ايران لثغرات الكترونية في الاجهزة الاميركية، هو قدرتها على اختراق نظم الصواريخ الموجهة التي تعتمد ايضا على نظم اتصالات بالاقمار الاصطناعية.
تجدر الاشارة إلى ما أوردته عدد من المواقع الالكترونية “الأـميركية” عن توفر معدات تشويش على الاتصالات بالاقمار الاصطناعية بالسوق العام بكلفة ضئيلة لا تتعدى 50-100 دولار.

البحرية الأميركية تعيد النظر

يعدّ نظام الإبحار بالإستناد للأجرام السماوية من أقدم النظريات التي استندت إليها الحضارات العالمية السابقة، لبسط سيطرتها وتوسعاتها خارج حدودها الاقليمية. دخول التقنية الحديثة عصر الاتصالات بالاقمار الاصطناعية دفع بالنظام التقليدي الى الخلف، خاصة بعد تعرض مركبة ابوللو-12 الفضائية لعاصفة رعدية، خلال رحلتها للهبوط على سطح القمر في 14 تشرين الثاني / نوفمبر 1969، احدثت اضرارا بمعداتها.
أقلعت العقيدة العسكرية الاميركية المعتمدة في الاكاديمية البحرية عن نظرية الابحار بالاجرام السماوية عام 1998 عقب التطورات التقنية وتقدم الاتصالات بالاقمار الاصطناعية، وانتقل مركز الثقل في العقيدة العسكرية من الاهتداء بالاجرام السماوية الى التقنية البشرية، وتوقفت البرامج التقليدية عن اعداد البحارة والطيارين عام 2006.
جهاز تحديد اتجاه السفن التقليدي، الآلة السدسية، يعتمد على اليقظة الذهنية والتحلي بمهارات علم الرياضيات والفلك، وما يرافقه من تعقيدات ومعادلات مركبة تصل الى 20 منزلة لتحديد موقع كل نجمة، زمانيا وبعدا مسافيا وزوايا هندسية. وتنفس الجيل المتدرب الصعداء عند اعلان سلاح البحرية الغاء العمل بالآلة السدسية لصالح الاقمار الاصطناعية والحسابات الآلية. سلاح الجو الاميركي يسيّر 31 قمرا اصطناعيا للاعمال العسكرية المختلفة للاسلحة الاخرى.

وسرعان ما اعاد سلاح البحرية العمل بالآلة السدسية مرة اخرى، تدريجيا مع نهاية عام 2011، في اعقاب اختراقات متعددة تعرضت لها الاقمار الاصطناعية والسيطرة على توجيهاتها آليا، فضلا عن ما قد تلحقة عواصف رعدية تصيب السفن من تعطل اجهزة الاتصال الحديثة. حسابات الآلة السدسية تفتقد للدقة المطلوبة في العصور الحديثة، وافضل ما تستطيع توفيره من حساب للمسافات تبلغ نحو 1.5 ميلا عن النقطة الصحيحة.

تدريب الطواقم العسكرية على اجهزة الابحار التقليدية، الآلة السدسية، لا تزال قائمة في عدد من الدول منها روسيا، كاسلوب بديل في حالات الطواريء، بل لم يتم التوقف عن دخولها الخدمة. القوات العسكرية الاميركية تستعد لتخريج الدفعة الاولى من الطواقم المدربة على الآلة السدسية مطلع العام الجاري.

بالعودة للثغرات الالكترونية في التقنية الاميركية، تأخذ المؤسسة العسكرية الأمر على قدر كبير من الجدية والاهتمام، ليس في البعد الايراني بحادث الزورقين فحسب، بل لسقوط او تساقط عدد من طائرات الدرونز العام الماضي في المنطقة، لا سيما من طراز ريبر.

“تحييد” سلاح طائرات الدرونز يستدعي ادخال تعديلات حقيقية على العقيدة العسكرية الاميركي، التي تضخمت بافراط اعتمادها على الثقة بالنفس، تتضمن التعويض سريعا عبر تورط مزيد من القوات العسكرية، قوات خاصة او تقليدية، كما اشار اليها وزير الدفاع آشتون كارتر، لانجاز المهام السياسية المطلوبة خاصة في سوريا والعراق، وقريبا في ليبيا.
يتزايد القلق من “تصرفات” ايران حيال البحارة والمعدات الاميركية التي اضحت بحوزة ايران، والتي ستسخرها عاجلا، كما يعتقد، في تطوير قدراتها الالكترونية والتشويش على الاتصالات بالاقمار الاصطناعية؛ ومن المرجح أيضاً أن تجد تلك المعدات والأسرار طريقها إلى حلفاء إران من حزب الله وسوريا إلى روسيا والصين وربما كوريا الشمالية.
المصدر: مكتب الميادين في واشنطن

رابط مختصر