جاك صراف: لا أحد يستطيع طعن روسيا… وأردوغان يلحق الضرر باقتصاد بلاده

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 12 ديسمبر 2015 - 3:04 صباحًا
جاك صراف: لا أحد يستطيع طعن روسيا… وأردوغان يلحق الضرر باقتصاد بلاده

اعتبر رئيس مجلس الأعمال اللبناني – الروسي جاك صرّاف أن “أحداً لا يمكنه طعن روسيا في الظهر، لا الولايات المتحدة الأميركية ولا تركيا ولا أوروبا”، مشيراً إلى أن “الإجراءات الأخيرة التي اتخذها الرئيس فلاديمير بوتين ستجعل الاقتصاد التركي في وضع صعب”.

وأشار في حوار مع مراسل وكالة “سبوتنيك”، إلى أن “مجتمع رجال الأعمال في تركيا هو الخاسر الأكبر” من السياسات التركية الحالية، وأن “رجال الأعمال الأتراك يبدون منذ فترة قلقاً كبيراً من تصرفات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان”.
وأكد صرّاف، بصفته قنصل روسيا الفخري في لبنان ورئيس جمعية الصداقة اللبنانية —الروسية، أن العلاقات الروسية — العربية “راسخة وقوية، ولها جذور تاريخية، خصوصاً أنها قائمة على مبدأ الاحترام المتبادل”، متوقعاً “نمو العلاقات الاقتصادية بين الجانبين في خلال المرحلة المقبلة وفق رؤية استراتيجية”.

وإليكم النص الكامل للحوار:

*سبوتنيك: الأوضاع في المنطقة العربية تشهد تصعيداً لافتاً، خصوصاً مع بدء التدخل الروسي في سوريا، وتصاعد التوتر بعد حادثة إسقاط تركيا طائرة الـ”سوخوي” الروسية والتي وصفها الرئيس فلاديمير بوتين بأنها “طعنة في ظهر” روسيا. ما هي آفاق هذا التصعيد في رأيكم؟

صراف: من موقعي كقنصل فخري لروسيا الاتحادية في لبنان، ورئيس لجمعية الصداقة اللبنانية-الروسية، ورئيس لمجلس رجال الأعمال اللبناني- الروسي، وانطلاقاً من انتمائي اللبناني العربي — المشرقي، وما يربطني بروسيا ولبنان على السواء، أستطيع أن أقول أن مَن يعايش الواقع الراهن وينظر إلى التاريخ والجغرافيا، يُدرك أن ما تشهده منطقتنا من أزمات هو نتاج مخططات قوى توافقية أوروبية — أميركية، وأيضاً عربية، في مقابل رؤية روسية تتمثل في التأكيد على أن لا حل للأزمات القائمة إلا من خلال الحوار.
وفي أولى اللقاءات التي أجريتها مع الأصدقاء الروس بعد بدء الأحداث في المنطقة العربية، وتحديداً في العام 2011، تلمّست سياسة روسية واضحة تقوم على أسس ثابتة أبرزها ضرورة حماية الأقليات، أو بعبارة أصحّ، الحفاظ على كل الفرقاء.

ظننت في البداية أن تحقيق هذه المهمة أمر صعب للغاية، خصوصاً أننا في مرحلة تشهد تحوّلات كبيرة، سواء في مصر وسوريا والعراق، أو في إيران، حيث كانت الضغوط الأميركية على أشدّها. لكن القيادة الروسية بدت ثابتة في موقفها الذي كرّسَته على أرض الواقع من خلال التمسك بمقاربتها القائمة على مبدأ أن حل مشكلات المنطقة العربية ينبغي أن يكون بالتوافق وليس بالقوة، وهذا ما ترجمته في الأزمة السورية تحديداً، حيث رعت مؤتمري “جنيف 1” و”جنيف 2″، وانتزعت موافقة أميركية وأوروبية على ذلك، وفتحت أبواب الحوار لكل الأطياف السورية، من دون استثناء أي طرف. في المقابل، كان الأميركيون يحاولون تقويض الجهود الروسية، برغم إظهارهم عكس ذلك.

وأضاف: اسمح لي القول إنني أتحفظ على عبارة “طعنة في الظهر” التي استخدمتها في سؤالك، بالرغم من أنها العبارة ذاتها التي استخدمها الرئيس فلاديمير بوتين، فأرى أن أحداً لا يستطيع طعن روسيا في ظهرها، لا تركيا ولا الولايات المتحدة ولا أوروبا، وذلك عبر فتح معارك جانبية كانت بداياتها في أوكرانيا، والتي لم تؤثر بأي شكل من الأشكال على المقاربة المبدئية لروسيا تجاه مختلف القضايا.

* سبوتنيك: ما تقييمكم للعلاقات الروسية — العربية في الوقت الراهن؟

صراف: إلى جانب العلاقات التاريخية التي تجمع بين روسيا والدول العربية المشرقية، فعلاقات روسيا بالدول العربية تطوّرت في خلال الفترة الماضية، وباتت تشمل دولاً خليجية عدة، أبرزها المملكة العربية السعودية والإمارات.
في عهد الرئيس بوتين، يمكن القول إن العلاقات بين روسيا والدول العربية هي الأوطد والأقوى، خصوصاً أن روسيا لا تتحرك بمنطق “أنا أو لا أحد”، كما يفعل الآخرون. هذا الانفتاح يأتي على مستويين، سياسي واقتصادي، ومن ثماره تأسيس مجلس رجال الأعمال الروسي — العربي في العام 2004، والذي يستهدف تعزيز العلاقات بين روسيا والشعوب العربية، وليس المشرقية فحسب، بدءاً بالجزائر وليبيا ومصر، وصولاً إلى دول الخليج العربي.

لهذا السبب، نرى أن الآخرين يحاولون ضرب العلاقات الروسية- العربية، ويسعون إلى وضع روسيا أمام الباب المسدود في هذه المنطقة. ولذلك أكرر أن ما يجري ليس تصعيداً روسياً، إنما استعادة حقوق تاريخية، وفق مبدأ راسخ في السياسة الروسية، وهو التوافق والحوار والاحترام المتبادل.

كما نرى أن التواجد الروسي في المنطقة العربية حقيقة ثابتة، سواء على المستوى التاريخي والجغرافي والسياسي، أو على المستوى الاقتصادي. في خلال الفترة الماضية، حاول كثيرون ضرب هذه العلاقة، بدءاً بالأميركيين مروراً بالأتراك، ووصولاً إلى بعض العرب، لكنهم فشلوا. ربما كانوا يستطيعون القيام بذلك في العام 1993، غير أن الأمر مستحيل منذ العام 2002، فبوتين هو قيصر، وبالتالي لا سلطان يعلو على القيصر. هم حاولوا بكل الوسائل ضرب العلاقات الروسية — العربية، وكانت أدواتهم كثيرة أبرزها خلق “داعش” وإثارة الاضطرابات الداخلية تنفيذاً لمخططات تقسيمية معروفة منذ حرب لبنان في العام 1975، وتحقيقاً لهدف دائم هو ضرب استقرار هذه المنطقة، وجعلها دائماً تحت يد طويلة لبعض القرارات الدولية.

ولفت صرّاف إلى أن “روسيا لا تستهدف أحداً، لكن كل من يحاول أن يستهدفها سيجد رداً مناسباً”.

*سبوتنيك: شهدت العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا تطوراً ملحوظاً في خلال السنوات الماضية. ما هي في رأيكم التأثيرات السلبية للإجراءات الروسية الأخيرة على اقتصاد البلدين؟

صراف: في الحديث عن العلاقات الروسية — التركية، لا بد من وضع حدّ فاصل بين رجال الأعمال الأتراك، وبين سياسات “السلطان” رجب طيّب أردوغان. إن الخاسر الأكبر مما يحدث في تركيا هو القطاع الخاص، وذلك بسبب تصرفاته السياسية والعسكرية والأمنية. منذ شهر تقريباً أي قبل الانتخابات التشريعية التركية الأخيرة، قام وفد تركي بزيارة رسمية إلى لبنان. وبحكم العلاقات الاقتصادية مع رجال الأعمال الأتراك، صارحني أحد المشاركين في الوفد، بأنهم خائفون مما يحصل في تركيا، وتحديداً من طموحات التركي رجب طيب أردوغان، وتصاعد قوته في الداخل التركي، لكونها تمثل انحرافاً عن خط أتاتورك المؤسّس. وطلبوا مني في جلسة خاصة وبحكم علاقاتي برجال الأعمال الروس، أن أدعو إلى عقد مؤتمر تركي — روسي في لبنان، أتولى فيه مهمة الارتباط. استغربت كثيراً هذا الطلب، خصوصاً أن العلاقات المتبادلة بين رجال الأعمال الأتراك والروس ليست لمن يسعى إلى توطيدها، لكنهم أكدوا أن هذا الطلب ينطلق من دافع اقتصادي، وهو الرغبة في تحرير العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا من سياسات الرئيس أردوغان المتهوّرة.

إن رجل الأعمال التركي براغماتي على غرار رجل الأعمال اللبناني، ولا تعيقه التوجّهات السياسية ولا تأخذه إلى أهداف لا يريدها. ومن المؤكد أن تركيا ستتضرر من الأزمة الحالية، والقرار الذي اتخذه الرئيس بوتين بوقف الرحلات السياحية وإعادة العمل بنظام التأشيرات ووقف استيراد السلع التركية، يزعج أردوغان كثيراً.

سبوتنيك: ثمة رأي اقتصادي آخر يقول إن الإجراءات الأخيرة ستؤثر سلباً على الاقتصاد الروسي، خصوصاً أن مستوى التبادل التجاري بين روسيا وتركيا يتجاوز بكثير حجم العلاقات بين روسيا والدول العربية مجتمعة، وكان مخططاً له أن يرتفع الى مستويات قياسية في خلال السنوات المقبلة.

صراف: لا بد من التذكير أن روسيا في عهد الرئيس بوتين مختلفة عمّا كانت عليه في العهود السابقة، حتى قبل عهد الرئيس بوريس يلتسين. تاريخياً، كان الاقتصاد الروسي قائماً تجارياً على تصدير النفط والخشب والحديد، وكان يواجه صعوبات في ما يتعلق بالإنتاج الزراعي والصناعات الاستهلاكية. ويعتقد كثيرون أن الاقتصاد الروسي سيتضرر بفعل وقف استيراد الفواكه والخضار والسلع الاستهلاكية، لكنهم يتناسون أن وضع روسيا مختلف اليوم. فانطلاقاً من الخطة الاقتصادية، التي اعتمدها الرئيس بوتين منذ

بدء ولايته الرئاسية الثانية، عبر تأمين الإنتاج الزراعي على مدار السنة من خلال اعتماد البيوت البلاستيكية، تم فتح الكثير من المصانع لإنتاج السلع الاستهلاكية، بما في ذلك مصانع السيارات، وسنشهد قريباً تصنيع أولى الطائرات التجارية المدنية الروسية… إلخ.

وأضاف: الأزمات الاقتصادية، التي تثيرها الدول الأخرى ضد روسيا ستساهم في تقوية الاقتصاد الروسي، وليس العكس. وإذا كان الأوروبيون والأميركيون يعتقدون أن الاقتصاد الروسي سيتضرر بسبب هذه الإجراءات، فإن الوقائع تظهر أن الأمر ليس بهذهد السهولة، فروسيا سددت كل المستحقات المالية المتوجبة عليها منذ سنوات. ولروسيا اليوم شركاء اقتصاديون كبار، كالصين التي نجحت في تدويل عملتها. كما أن الشعب الروسي شعب مقاوم في الداخل والخارج، ولديه إيمان قوي بقدرات روسيا الاتحادية، وهذا في حدّ ذاته عامل مهم في تقوية الاقتصاد.

سبوتنيك: أي من الدول العربية يمكن أن تستفيد أكثر من الانفتاح الروسي؟
صراف: الكل يمكن أن يستفيد. ما يريده لبنان من روسيا ليس بالضرورة ما تريده السعودية، وسوق الـ 146 مليون روسي مفتوحة للجميع، سواء على مستوى تصدير السلع الاستهلاكية أو على مستوى الاستثمارات، وهنا دور المجالس المشتركة.

*سبوتنيك: في الفترة الأخيرة، لاحظنا تطوراً في العلاقات الاقتصادية بين روسيا ومصر من جهة، وما يقترب من التكامل الاقتصادي بين روسيا وإيران. إلى أي مدى يمكن لهذا المثلث أن يغيّر المعادلات الاقتصادية في الشرق الأوسط؟
صراف: لا تعارض إطلاقاً في إقامة روسيا علاقات مع مصر وإيران في وقت واحد. إن روسيا وحدها قادرة على إقامة مثل هذا التكامل، بحيث تشجع الصادرات الزراعية من إيران، وفي الوقت ذاته صادرات السلع الاستهلاكية من مصر. نتحدث عن 90 مليون مصري و80 مليون ايراني و146 مليون روسي، وبالتالي هذا التكامل الاقتصادي قادر على إحداث فرق، ويمكن أن يهمّ كل مستوى التواجد الاقتصادي في روسيا، الأمر الذي استفاد منه الأوروبيون طوال الأعوام الماضية. لكن ما ينقصنا هي الرؤية السياسية والاقتصادية.

رابط مختصر