اللاقانون في العراق يمنع تحديث المحكمة الاتحادية

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 12 ديسمبر 2015 - 3:28 مساءً
اللاقانون في العراق يمنع تحديث المحكمة الاتحادية

بغداد ـ ما زالت القوى السياسية العراقية غير قادرة على إقرار قانون جديد للمحكمة الاتحادية، والأسباب عديدة لكن أبرزها تلك المتعلقة بمنح رجال دين سلطة واسعة على هذه المحكمة، وهو ما يثير الخوف من سطوة الدين على القانون.

وتعدّ المحكمة الاتحادية أعلى سلطة قضائية في العراق، وقراراتها غير قابلة للطعن والاستئناف وتختص بمراقبة القوانين الجديدة وعدم خرقها للدستور، وتفسير نصوص الدستور، والفصل في المنازعات بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات والأقاليم والبرلمان، وهذا ما يفسر أهمية المحكمة وأسباب تأخر إقرار قانونها الجديد.

وتعمل المحكمة الاتحادية حاليا على أساس قانون تم سنّه منذ عام 2005 في زمن حكم اياد علاوي ولكنه يتعارض مع الدستور. فالمحكمة الاتحادية وفقا للمادة 92 من الدستور، يجب أن تكون مستقلة إداريا وماليا، ولكنها الآن مرتبطة بمجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية الحالية هو نفسه رئيس مجلس القضاء الأعلى.

كما أن القانون الحالي للمحكمة لم تقرّه سلطة تشريعية بل صدر عن حكومة إياد علاوي المؤقتة، وهو ايضا يتعارض مع الدستور الذي يطالب بضرورة ان يوافق البرلمان على قانون المحكمة الاتحادية بأغلبية الثلثين أي 216 نائبا من أصل 325 هو العدد الكلي لنواب البرلمان الحالي.

وتعتبر الاتهامات التي وجهتها أحزاب كثيرة وقوى سياسية للمحكمة الحالية باتخاذ قرارات ذات طابع سياسي لصالح الحكومة في زمن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، السبب الأبرز الذي دعا الكتل السياسية إلى تشكيل محكمة اتحادية جديدة.

كما أن التظاهرات المستمرة في بغداد وعدد من المدن جنوب العراق منذ اربعة اشهر، تطالب بإصلاح القضاء وإجراء تغييرات كبيرة فيه، وهو نفس المطلب الذي عبر عنه المرجع الشيعي الاعلى علي السيستاني.

ووافقت الحكومة العراقية في شباط/فبراير على مشروع قانون المحكمة الاتحادية ولكن هذا القانون يحتاج الى موافقات أخرى معقدة، ويجب ان يوافق البرلمان عليه بأغلبية نواب البرلمان وهي مهمة صعبة في ظل الخلافات بين الكتل السياسية، التي تمنع إقرار قوانين تحتاج الى أغلبية بسيطة.

الفيتو الديني

من ابرز الخلافات بشأن قانون المحكمة الاتحادية الجديد هي قضية مشاركة رجال الدين في هذه المحكمة، ما يعني ان القانون سيسمح لرجال الدين بالتصويت والمناقشة في الدعاوى القضائية وفقا للشريعة الاسلامية وليس فقط وفقا للقانون وهو مايثير الخوف من إضعاف الحكم المدني في العراق لصالح السلطة الدينية.

وتنص مسودة مشروع القانون الذي ما زال في البرلمان على جعل اعضاء المحكمة الاتحادية 13 عضوا: 7 قضاة و4 فقهاء في الشريعة الاسلامية و2 فقهاء في القانون، وما تزال الخلافات مستمرة بشأن هذه التشكيلة.

ولكن كيف يمكن لرجال الدين الذين ليس لديهم خبرة ودراسة في القوانين من المشاركة في اتخاذ قرارات حاسمة ومهمة وكبيرة، والمشكلة الاكبر ما هو المذهب الديني الذي سيطبق، هل هو المذهب الشيعي ام المذهب السني؟

ويقول المحامي والخبير القانوني حميد النجار ان “وجود خبراء شريعة في المحكمة يشكل خطرا على النظام القانوني ويهدد حيادية المحكمة.. لأن المحكمة الاتحادية ستطبق قوانين مدنية موجودة في العراق منذ عشرات السنين.. اذن ما وظيفة رجال دين لا يعرفون شيئا في القانون؟”

ويضيف النجار ان “اختيار عضوين من خبراء القانون غير منطقي، لماذا يتم اختيار خبراء قانون بينما هناك قضاة كبار في المحكمة وهم بلا شك يعرفون جيدا بالقانون اكثر من خبراء سيتم اختيارهم من الجامعات وبإشراف من قبل الكتل السياسية”.

وطبقا لمشروع القانون، فإن الشيعة يرشحون اثنين من رجال الدين، والسنة كذلك يرشحون اثنين أيضا، أما فقهاء القانون الباقون فتقوم وزارة التعليم العالي باختيارهم من قبل أساتذة القانون والخبراء في الجامعات.

وتوجد في العراق خمسة مذاهب دينية إسلامية شيعية وسنية وهي المذهب الجعفري شيعي اما باقي المذاهب سنية وهي المالكي، الحنفي، الشافعي، الحنبلي، وهذه المذاهب لديها تفسيرات مختلفة بشأن العديد من القضايا والقوانين.

ويبدو ان المشكلة تخلق مشكلة اكبر بخصوص فقهاء الشريعة، فمن له الحق بترشيح فقهاء الشريعة؟، فالشيعة لديهم العديد من المراجع الدينية، ابرزهم المرجع الاول للشيعة علي السيستاني ايراني الاصل ومعه ثلاثة رجال دين اخرين وهم المرجع محمد سعيد الحكيم عراقي الاصل ، ومحمد اسحاق الفياض باكستاني الاصل ، وبشير النجفي هندي الاصل.

وأيضا هناك مراجع دين شيعة آخرون بينهم كاظم الحائري الذي يعد مرجعا للتيار الصدري بزعامة الشاب مقتدى الصدر، ومحمد اليعقوبي زعيم حزب “الفضيلة”، اضافة الى الاحزاب السياسية الشيعية كحزب الدعوة الاسلامية بزعامة نوري المالكي و”المجلس الأعلى الإسلامي” بزعامة عمار الحكيم.

المسودة الأولية لقانون المحكمة الاتحادية تنص على أن يقوم ديوان الوقف الشيعي وديوان الوقف السني وهما مؤسستان تابعتان للحكومة، بترشيح أسماء فقهاء الشريعة ولكنهم سيواجهون مشكلة في كيفية اختيار المرشحين خصوصا وان هناك صراعات بين المرجعيات الدينية والاحزاب السياسية الشيعية والسنية.

ولكن المشكلة الاكبر الآن، مدى السلطة التي يتمتع بها فقهاء الشريعة في المحكمة الاتحادية؟، بعض الاحزاب الشيعية تريد ان يتمتع فقهاء الشريعة بحق “الفيتو” في حال اعترض على الدعاوى القضائية المتعلقة بالشريعة الاسلامية، وهو ما يثير الخوف من تزايد السلطة الدينية في العراق على السلطة المدنية.

حتى الان ما زالت قضية التصويت داخل المحكمة الاتحادية غير محسومة، وهناك اقتراحات بان يكون التصويت على اتخاذ القرارات بجميع الأعضاء الـ31، او ان يكون بموافقة 9 أعضاء منها.

نهاية عصر الاتفاقات اللاقانونية

تعيش الأحزاب والقوى السياسية الان مرحلة خلافات شديدة بين الحكومة والمحافظات وبين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان وبين البرلمان والحكومة الاتحادية، وبين المحافظات، والقوى السياسية تتردد في اقرار القانون لان مصالحها قد تضرر او تتعرض للظلم.

الاكراد من اكثر القوى السياسية الخائفة من طريقة تشكيل المحكمة الاتحادية، والاحزاب الكردية تخشى من خضوع اعضاء المحكمة لضغوطات سياسية بشان العديد من الخلافات القانونية بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان وابرزها الاتفاق النفطي وترسيم الحدود في المناطق المتنازع عليها، وقضية كركوك.

ويقول النائب عن كتلة “التحالف الكردستاني” زانا سعيد “اننا نطالب بأن تكون قرارات المحكمة على النزاعات بين الحكومة المركزية والاقاليم والمحافظات واقليم كردستان بإجماع أعضاء المحكمة.. لمنع حصول غبن ضد إقليم كردستان”.

وتخشى باقي الكتل السياسية الشيعية والسنية هي الأخرى من المحكمة الاتحادية لانها ستضع حدا للخلافات بين الكتل السياسية والمحافظات، وان قرارات المحكمة الاتحادية نهائية وحاسمة، والكتل السياسية غير مستعدة لخسارة مصالحها.

ومنذ بداية العام 2015، ناقشت المحكمة الاتحادية 60 دعوى قضائية بحسب الموقع الرسمي لمجلس القضاء الاعلى، تضمنت طعونا وتفسيرات دستورية ودعاوى إدارية متعلقة بالمناصب الحكومية، ودعاوى خاصة بعضوية نواب وإلغاء عضوية آخرين.

ومن أكثر هذه القضايا هي الدعوى القضائية التي رفعها احد نواب رئيس الجمهورية المقالين ضد رئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس البرلمان سليم الجبوري بشأن إقالته، وحكمت المحكمة ضد نائب رئيس الجمهورية.

ودعوى قضائية اخرى رفعها احد القضاة ضد رئيس المحكمة الاتحادية نفسه مدحت المحمود، وقررت المحكمة بان الدعوى القضائية ليس من اختصاصها وتم إبطالها.

ومن اهم نتائج اقرار القانون الجديد للمحكمة الاتحادية انه سينهي عصر التوافقات السياسية غير الدستورية وما اكثرها، وغالبا ما تقوم الكتل والأحزاب السياسية بحلّ الخلافات فيما بينها عبر اتفاقات غير قانونية او دستورية، لأن المحكمة الاتحادية الجديد ستعترض على هذه الاتفاقات وتعتبرها مخالفة للدستور.

ومن القضايا غير القانونية حاليا هو وجود قوات “الحشد الشعبي” من فصائل شيعية وقوات عشائر خارج اطار الدولة، لان المادة 9 من الدستور الفقرة ب تحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.

وعلى الرغم من ان الحكومة العراقية قررت تحويل “الحشد الشعبي” الى هيئة مستقلة تابعة اليها، وهو امر مسموح له في المادة 108 من الدستور، ولكن الحكومة خرقت الدستور لان هذه الهيئة ليس لديها قانون ولم يصوت عليها في البرلمان حتى الان.

ومن ابرز الخروقات الدستورية الفادحة حصلت عندما اقر البرلمان أولى جلساته في تموز/يوليو عام 2014، وكان من المفترض أن يتم اختيار رئيس للبرلمان ونائبين على أن يعقبها اختيار رئيس الجمهورية وبعدها رئيس الوزراء، ولكن كلّ ذلك لم يحصل في الوقت المطلوب وحدثت خروقات عدة للمواعيد التي حددها الدستور حول اختيار جميع هذه المناصب.

وفشل البرلمان ثلاث مرات في اقرار قانون المحكمة الاتحادية، وهناك العشرات من الخلافات بين الكتل والأحزاب العراقية التي تمنع اقرار القانون في الوقت الحالي، بينما هناك المئات من الخروقات والقوانين غير الدستورية التي تطبق منذ سنوات، والسؤال الكبير هل تستطيع المحكمة الاتحادية الجديدة لو تشكلت، القيام بعملها؟

ميدل ايست اونلاين

رابط مختصر