حكاية الـ 999 يوماً في مطار “كويرس”

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 7 ديسمبر 2015 - 5:31 مساءً
حكاية الـ 999 يوماً في مطار “كويرس”

خلال السنوات الخمس الماضية، تعرض الجيش السوري لامتحان قاس وشرس، ليخوض التجارب القتالية التي قل نظيرها في تاريخ الحروب، فمن معارك الأنفاق إلى مواجهة الحصار من قطعان المسلحين القادمين عبر الحدود، ما دفع بالقادة والأفراد العسكريين للتخطيط والتكتيك في التحدي والمواجهة، والتي وصلت إلى الاشتباك بالأيدي، والاستبسال في سبيل عدم خسارة أية قطعة عسكرية.

انطلاق الحملة

ما شهده مطار “كويرس” بشمال سوريا، والذي يعتبر من أكبر القواعد الجوية العسكرية، من حصار وهجوم، هو أكبر دليل على جسارة العمليات التي يخوضها الجيش، ولو كلفت السير على الأقدام لفك الحصار عن المطار وتحرير الحامية “أسطورة الصمود”، فقواعد الاشتباك لم تكن ثابتة، ولا حدود لصبر المقاتلين الذين لم ينفذ صبرهم أبداً في مواجهة الجماعات التكفيرية قرب المطار.

وأوضحت مصادر عسكرية، لـ”سبوتنيك”، أن الرتل العسكري تحرك وعلى عاتقه يقع الهجوم والدفاع والمحافظة والتثبيت في المكان الذي يتقدم فيه، فجميع محاولات “داعش” للتشويش وقطع طريق “أثريا-خناصر”، باءت بالفشل.

والتقدم تم خلال 15 يوماً وسط صعوبة وقساوة الطريق إلى “كويرس”، لاسيما أنه يزخر بالتضاريس الجغرافية الوعرة، ما تطلب تنفيذ جميع الأساليب العسكرية التي تناسب تلك الطبيعة، ليستطيع الجيش التقدم وبأعداد قليلة من كاسحات الألغام المطورة محلياً لمواجهة العدو، ما ساهم في حصاد الآلاف من العبوات والمفخخات المزروعة، من قبل “داعش”، لإعاقة الرتل فالجسور المائية كانت سريعة التنفيذ والتركيب على ضفاف الأنهار.

الرمق الأخير

وتضيف المصادر أن نخبة المشاة المتكيفة مع التغيرات تقدمت وهي تضاعف جهودها، مع ازدياد ساعات المواجهة، في حين كانت أوكار التنظيم تسقط بسهولة، وخصوصاً بوجود الإسناد الجوي السوري والروسي، وعبر الطيران المسيّر عن بعد ذو الدقة العالية في الإصابة لتفتك الصواريخ بحصون “داعش”.

إضافة إلى المهمة الأخرى التي كانت تقع على عاتق الحملة، وتتمثل بحماية أطراف الطريق الطويل والمناطق المستردة وصد الهجمات اليومية، حتى لا تحاصر الحملة وتحمي مؤخرتها من الهجمات، لاسيما أن المنطقة خالية من أماكن التحصين، ما دفع الجميع لصنع السواتر الصناعية السريعة البناء، لتواكب سرعة سير الحملة.

وتابع، إن معارك الرمق الأخير كانت في قرية الشيخ أحمد، المعقل الأخير للتنظيم، قبل الوصول إلى المطار المحاصر، ما دفع بحامية المطار للخروج لملاقاة الرتل العسكري، إلا أنهم واجهوا عقبات كثيرة تحتاج لجهد ووقت، استدعت زرع الألغام حول سور المطار وبوابته الرئيسية، الأمر الذي شكل مانعا للقاء القوات في منتصف الطريق أو آخره، فنزع هذه الألغام يحتاج لوقت وعمل متأن، غير متأثر بالضغوط.

في هذه الأثناء ينهي الرتل العسكري مسيرة الـ 40 يوماً من المعارك، قاطعاً 30 كيلومتراً من “السفيرة”، ليدخل المطار بجهود عسكرية وإرادة وتصميم على تحقيق النصر، أتقن الجيش فيها التنفيذ والقتال، في ظل الهجمات الشرسة من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة “الحر ، النصرة، وداعش”، حيث مرت أيام على جنود الحامية لم يعرفوا فيها النوم والراحة، جراء الهجمات الشرسة.

فضلاً عن ذلك، كان الضغط النفسي والشوق للقاء ذويهم، كما أثرت الأحوال الجوية كثيراً، حيث سقطت حاجياتهم ومؤنهم الغذائية في مناطق المسلحين، جراء الرياح القوية، فالمروحيات لم تستطيع التحليق سوى على ارتفاع 4000 متر، بعد أن استهدفت إحدى الطائرات التي كانت تقل الطعام والذخائر والوقود، واستطاع قائدها أن ينجو ويسقط بمظلته ضمن حرم المطار.

أسطورة الصمود

يروي النقيب المحرر أيهم شاهين، لـ”سبوتنيك”، الحياة التي عاشها أفراد الجيش، البالغ عددهم أكثر من ألف عسكرياً، ما بين ضابط وجندي توزعوا للقتال على مساحة 5 كم2، فالتنظيم الإرهابي لم يترك أي وسيلة إلا واستخدمها للدخول إلى المطار. فخرب مصادر المياه وأرسل العربات المفخخة وقام بتنفيذ الاقتحامات والاشتباكات، التي وصلت حد الاشتباك القريب والعراك بالأيدي بين عناصر المطار والمسلحين على السواتر الترابية ومخافر الحماية، إضافة إلى عمليات البطولة التي قام بها أفراد الحامية في مواجة المدرعات المحصنة بجهود شخصية، والتقدم نحو برج الدبابة ورمى قنبلة يدوية بداخلها ليصيب ويأسر من فيها.

وأضاف شاهين، “إن عناصر الحامية قاموا بزراعة البقوليات والخضراوات وتربية بعض الطيور، وقاموا بتدوير القذائف التي سقطت عليهم وانفجرت، لتصنع على شكل عبوات ومفخخات تنشر في محيط المطار، فلم تتعرض الحامية لنقص الذخيرة والوقود، فالطائرات كانت ترمي المواد بشكل يومي تقريباً، كما أن الكهرباء مؤمنة من خلال المولدات، إلا أن طيران الاستطلاع التركي كان يعطي المسلحين المعلومات عن انتشار عناصر المطار”.

دفن الضحايا

وتقول المعطيات الأخرى التي تلقتها الوكالة، أن التحصينات البدائية بالأكياس الرملية ومعظم العتاد التدريبي والمروحي المقاتل، أصيب جراء الهجمات والاستهداف، في حين أن القسم الآخر من العتاد تم نقله إلى “هنكارات” الحماية، بعيداً عن خطوط النار، فمعظم المقاتلين المدافعين عن المطار هم طيارون وفنيون جويون، أتقنوا فن القتال على الأرض وحنكة الطيران في الجو وخرقوا كل القواعد العسكرية العالمية المحددة لعدد ساعات الطيران والقياسية بشكل عام لعدد الطلعات اليومية.

وكان يقوم أحد الضباط بالتحدث ومواساة الجنود، بعد أن ارتقى زملاؤهم لتعويض الغياب، والبعض يرتب مراقد أقرانهم داخل المطار ويكتب على ألواح خشبية بطرق بدائية تفاصيل من ارتقوا.

استخدموا أبسط التفاصيل للحفاظ على ذكراهم الخالدة، وكانوا يزورون القبور يومياً ويحدثوا الشهداء عن بطولات من تركوهم يقاتلون على أسوار المطار، ليستمدوا منهم القوة والإصرار في التصدي للهجمات التكفيرية.

لقد استطاع الجيش السوري وحلفاؤه طي الصفحة على 999 يوماً من الحصار الخانق، وفتح الطريق إلى أبرز القواعد الجوية في الشمال السوري، والذي زعزع الانتشار المسلح القريب من الحدود التركية، ويسجل للجيش السوري بصمة أخرى في تاريخ انتصاراته الساحقة.

رابط مختصر