ما تقوله اعتداءات باريس عن استراتيجية داعش

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 29 نوفمبر 2015 - 3:52 مساءً
ما تقوله اعتداءات باريس عن استراتيجية داعش

في مساء باريس الذي شهد مقتل 130 شخصا بهجمات دموية ، حدث أمر غريب لم ينتبه اليه المحققون إلا لاحقا، فان ثلاثة ارهبيين كانوا يعتزمون ارتكاب مجزرة أخرى في النهاية العليا من بوليفار فولتير باطلاق النار على المارة وفي النهاية الأخرى خرج من محطة المترو عبد الحميد ابا عود العقل المدبر لاعتداءات باريس.

واللافت ان ابا عود كان اول الجهاديين المعروفين في بلجيكا ولكنه مع ذلك تمكن من السفر والعودة بين اوروبا وسوريا دون ان يثير اهتمام احد من الأجهزة الأمنية. وفي النهاية تمكن من تخطيط وتنفيذ اعتداءات باريس مع مجموعة كاملة من الجهاديين الآخرين.

وبذلك يكون ارهاب الجهاديين بلغ مستوى جديدا في اوروبا. فهذه اول مرة تشهد فيها مدينة اوروبية كبرى هجوما بمثل هذا التخطيط والتعقيد على ايدي تنظيم الدولة الاسلامية “داعش”. ولكن خبراء ومحللين حذروا متوقعين ان يتكرر ما حدث ويصبح مشهدا مألوفا في شوارع اوروبا خلال العقود المقبلة. وقال بيتر نيومان استاذ الدراسات الأمنية في كلية كنغ في لندن “ان اوروبا تقف على حافة موجة جديدة من الارهاب ستبقى تشغلنا خلال جيل قادم”.

ونقلت مجلة شبيغل عن الخبير الفرنسي بالجماعات الجهادية ديفيد تومسون قوله “ان هجمات مثل هذه لن تعود استثنائية تماما وأستطيع القول ان شيئا كهذا سيحدث كل ستة اشهر أو كل سنة”.

ويقول تومسون انه توصل من خلال ابحاثه الى ان وحدة داعشية بقيادة فرنسي تحضر الآن لتنفيذ هجمات في اوروبا.

وحذر اخطار حكومي داخلي في المانيا بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر قائلا “ان علينا ان نفترض ان هذا هو الهجوم الأول من سلسلة هجمات منسقة. فان داعش يعمل في اوروبا وان العمل المركز والوسائل المستخدمة في الجريمة تشير الى مرتكبين مدربين تدريبا حسنا ومستعدين لعمل أي شيء”.

وكان الخبراء الاوروبيون يخشون منذ سنوات ان يعود ذات يوم نحو 4000 شاب وشابة سافروا الى سوريا والعراق من اوروبا الغربية للقتال مع داعش ، لتنفيذ هجمات في بلدانهم.

وقال الخبير بالجماعات الجهادية وسيم نصر الذي يعمل في قناة فرانس 24 التلفزيونية الدولية “ان مهاجمة اوروبا موجودة في الحمض النووي للعديد من الذين سافروا من اوروبا الى سوريا”. ولكنه استبعد ان يكون جهاديون افراد مثل ابا عود اتخذوا القرار بتنفيذ الهجمات الأخيرة بمفردهم. ونقلت مجلة شبيغل عنه “ان قضية بهذه الأهمية الاستراتيجية كانت بتوجيه من أعلى المستويات في داعش”. ويبدو ان القرار اتُخذ قبل أشهر على التنفيذ.

وليس من المستغرب ان تُستهدف فرنسا التي سافر منها نحو 1200 شخص هم مقاتلون حاليون أو سابقون. وبذلك يكون أكبر عدد من جهاديي داعش الاوروبيين الغربيين جاءوا من فرنسا.

وكان الاوروبيون يضطلعون عادة بأدوار ثانوية نسبيا في القتال ولكن لديهم وظيفة مهمة في مجال التجنيد. وفي اطار استراتيجية داعش الجديدة فانهم مكلفون ايضا بنقل الحرب الى اوروبا. فالارهابيون الذين ضربوا في باريس ربما امضوا بعض الوقت في سوريا ولكنهم نتاج المجتمع الاوروبي.

ما الذي يستدرج شبانا نشأوا في فرنسا وبلجيكا والمانيا الى الحرب؟ ولماذا يريدون ارتكاب اعتداءات في بلدانهم؟

يتفق الخبراء على انه ليست هناك اجابة بسيطة لا سيما وان الجهاديين لا ينتمون بالضرورة الى طبقة اجتماعية واحدة وان العديد منهم مهاجرون أو ابناء مهاجرين ليس لديهم معرفة سابقة بالدين قبل الانضمام الى داعش. ويبدو ان غالبيتهم ليسوا معجبين بالاسلام بل بالجهاد وحب المغامرة.

20 الف مقاتل اجنبي

يضم داعش في صفوفه مقاتلين من أكثر من 90 بلدا. ويقدر الخبير البريطاني بالجماعات الجهادية بيتر نيومان ان هذا الرقم يشمل أكثر من 20 الف مقاتل سافروا الى سوريا والعراق. ولكن نسبة ضئيلة منهم تُعد في تقييم الخبراء قادرة على تنفيذ هجمات. ويقدر نيومان ان هناك نحو 300 عائد “خطير” في اوروبا وانهم ” مرتبطون فيما بينهم وتعلموا المهنة على يد أشد ما وُجد من جماعات ارهابية وحشية”.

وكان عبد الحميد ابا عود من مواليد 1987 في منطقة اندرليخت في بروكسل ، والده مغربي هاجر في السبعينات للعمل في منجم ، وارسله الى واحدة من أفضل المدارس في واحد من ارقى احياء بروكسل. ولكن ابا عود قطع الدراسة بعد عام مفضلا الحياة في الحي القديم الذي نشأ فيه.

ولفت ابا عود انتباه السلطات اليه منذ عام 2006 بسبب السكر والعربدة والتورط في معرك عنيفة بالأيدي ، سجن بسببها عدة مرات. وحاول ذات مرة سرقة ورشة لتصليح السيارات حين كان تحت تأثير المخدرات مع صلاح عبد السلام المطلوب الأول حاليا في اوروبا.

وحين أُفرج عن ابا عود من السجن في ايلول/سبتمبر 2012 بعد ان قضى هذه المرة فترة اطول من المرات السابقة ، خرج متغيرا. واطلق الشاب الذي يسكن منطقة مولنبيك الشعبية في بروكسل لحيته وبدأ يبحث عن عمل وينتقد العالم الغربي. وكانت هذه بداية مسيرته نحو الارهاب ، وبعدها بفترة قصيرة سافر الى سوريا.

تدمير الكفار

توجد هذه التفاصيل عن سيرة ابا عود في ملف لدى القضاء الالماني يقع في 245 صفحة اطلعت عليه مجلة شبيغل. وتشير وثائق الملف الى ان الحركة الجهادية البلجيكية نتاج تفاعل بين اشخاص مسؤولين عن التثقيف أو بالأحرى غسل الأدمغة ولوجستيين ومقاتلين يريدون تدمير “الكفار”.

وخلال السنوات التي اعقبت سفر ابا عود الى سوريا اقام علاقة مع اشخاص قريبين من خالد زركاني ، وهو من اسوأ الوجوه صيتا في الوسط الاسلامي البلجيكي. وتعتقد السلطات ان زركاني ذا الأصل المغربي مسؤول عن غسل الأدمغة في منطقة مولنبيك وارسال الشباب الى سوريا دون ان يكون هو نفسه زارها.

وفي تموز/يوليو 2015 أدانت محكمة ابا عود غيابيا وحكمت عليه بالسجن 20 عاما بعد اتهامه بقيادة جماعة ارهابية.

وتبين الوثائق ان الجهاديين ما ان يدخلوا الأراضي التركية يستقبلهم مهربون وينقلونهم عبر الحدود الى سوريا حيث يخضعهم داعش الى تدقيق أمني صارم للكشف عن اي جواسيس بينهم.

ويقول الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الدفاعية الاميركية مايكل فلين ان داعش يوثق كل شيء وانه في عملية التجنيد والتدقيق يسأل الجهادي الجديد “ما هي اصولك؟ هل تجيد العمل الاعلامي؟ مشيرا الى ان هذه القدرة اسهمت في تطور داعش الى قوة غير تقليدية بالمرة.

وبالنسبة للجهاديين الألمان تشمل العملية اسئلة يطرحها مقاتل يتكلم الالمانية عن الدافع وراء مجيء المجند الجديد واصوله ومعارفه. ويقول الجهادي الالماني السابق ايوب بي ان الوحدات المسؤولة عن ذلك اشبه بجهاز الاستخبارات الداخلية في داعش.

موالون ، ممتثلون

ينتمي المجندون الغربيون الى النخبة في هيكل داعش التنظيمي. وهم يلقون معاملة ممتازة وتُخصَّص لهم منازل ونساء ورواتب اعلى. وعسكريا يكونون في الغالب عديمي الفائدة في البداية ولكنهم نافعون دعائيا لأنهم يقدمون دليلا واضحا على ان داعش يتمتع بتأييد بين اعدائه في اميركا وبريطانيا وفرنسا وبلدان اخرى غيرها.

وقال رئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية الاميركية السابق فلين “نحن نعرف من عمليات الاستجواب ان داعش في الحقيقة قسم الرقة الى مناطق دولية بسبب الحواجز اللغوية. فالاستراليون وحدهم هناك زهاء 200 منهم وهناك حتى قاطع استرالي في الرقة ويرتبطون بالناطقين بالانكليزية الآخرين… وهذا يتطلب تنظيما هيكليا اشبه بالتنظيم العسكري بقيادة اشبه بالقيادة العسكرية”.

وبسبب بُعد الأجانب عن اهلهم واوطانهم فانهم يكونون الأشد ولاء وامتثالا ويُستخدمون لأغراض دعائية أو طعاما للمدافع أو أدوات لارتكاب فظائع. وبحسب احد التقديرات فان 70 في المئة من هجمات داعش الانتحارية نفذها مقاتلون اجانب. ويقول الخبير البريطاني بالجماعات الارهابية بيتر نيومان “انهم مقاتلون لا غنى عنهم عند داعش بما يمثلونه من قوة وتصميم ايديولوجي”. ويمكن استخدامهم لتنفيذ هجمات في الغرب.

وقال مسؤول استخباراتي في داعش انشق وهرب الى تركيا خلال مقابلة مع الصحافي الاميركي مايكل فايس ان داعش “يحاول بناء خلايا نائمة في سائر انحاء العالم وان القيادة طلبت من الجهاديين ان يبقوا في بلدانهم ويقاتلوا هناك باستهداف المواطنين وتفجير المباني ، وعمل كل ما بوسعكم عمله. ولا يتعين عليكم المجئ”.

وكان كل مرتكبي اعتداءات باريس امضوا فترة في سوريا ولكنهم جميعا مواطنو بلدان اوروبية. وتطرفوا في المجتمعات التي نشأوا فيها. وفي احيان كثيرة حاول آباؤهم منعهم من السير في هذا الطريق ، الأمر الذي يبين ان الجهادية الحديثة صراع أجيال ايضا.

وكتب الخبير الفرنسي بالجماعات المتطرفة اوليفييه روي في صحيفة لوموند ان جميع المتطرفين الفرنسيين تقريبا ينتمون الى واحدة من فئتين ، فهم إما من الجيل الثاني من المهاجرين أو من معتنقي الاسلام ، وما يشترك به افراد الفئتين انفصالهم عن الأهل أو بتعبير أدق عما يمثله آباؤهم حين يتعلق الأمر بالثقافة والدين.

وفي مواجهة مثل هذه العوامل المتشابكة لا أحد يعرف ما إذا كان عبد الحميد ابا عود القادم اقام في اوروبا منذ زمن طويل ويخطط للهجوم التالي.

ايلاف

رابط مختصر