عصابات تهريب السلاح بين سوريا وتركيا تكتشف طرقا جديدة

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 29 نوفمبر 2015 - 6:19 مساءً
عصابات تهريب السلاح بين سوريا وتركيا تكتشف طرقا جديدة

لا تقتصر التجارة غير الشرعية في المناطق الحدودية من سوريا وتركيا بعد المعارك الدائرة في الجانب السوري بين مختلف الفصائل المقاتلة هناك على الأرض، على السجائر المهرّبة والوقود بمختلف مواده كالديزل والبنزين وبعض أدواته مثل مّولدات الكهرباء والماء، بل أنّها تتعدى ذلك لتشمل الأسلحة في ظاهرة ليست بجديدة من نوعها في المناطق الحدودية من البلدين، لكن بشكل أوسع هذه المرة. فقد أصبح من السهل الحصول على مختلف أنواع الأسلحة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية المسلّحة وكذلك في مناطق الإدارة الذاتية المدنية شمالي سوريا دون وجود رقيب فعلي لتجارتها على طول الحدود بين سوريا وتركيا.
تشكل هذه التجارة غير الشرعية مصدر دخل رئيسي للشباب السوريين العاطلين عن العمل في تلك المناطق، فتجّار الأسلحة يعتمدون عليهم بنقل أسلحتهم بين سوريا وتركيا مقابل نحوّ 100 دولار أمريكي لقطعة السلاح الواحدة، إلا أنّ أولئك الشبّان يعملون على مرور كمية كبيرة من السلاح على دفعة واحدة، ليحصلوا بذلك على أجرٍ أكبر بعد تمكنهم من المرور إلى الطرف الآخر من الحدود.
تمتّد شبكات التهريب من المالكية شرقاً إلى ريف اللاذقية غرباً. ويستغل تجّار الأسلحة الوضع الأمني الّذي تمر فيه سوريا، لمواصلة تجارتهم هذه، فهم يتمكنون من الحصول على كميات كبيرة من الأسلحة من «مهرّبين» معروفين بتجاره الأسلحة في المناطق الحدودية السورية حتى أثناء سيطرة النظام السوري عليها، بحيث أصبحت الفرصة مناسبة الآن لعملهم هذا، لاسيما وأنهم يستفيدون من فارق العملة التركية والدولار مقابل الليرة السورية، ويعملون في الوقت ذاته على إيجاد طرق جديدة لشبكات التهريب في القرى الحدودية الممتدة من بلدة ديريك «المالكية» شرقاً في ريف الحسكة وصولاً إلى أطراف مدينة اللاذقية غرباً، حيث نقاط العبور الرسمية والمخالفة بين البلدين، لتشكّل في مجملها ممراً آمناً لعمليات التجارة غير الشرعية «التهرّيب» من تلك المناطق، فيما لو تعرضوا إلى ضغوطات من قبل حرس الحدود التركي، إضافة للحدود السورية الأردنية جنوبي البلاد، فوضع شبكات التهريب فيها لا يختلف عن الشبكات الأخرى داخل البلاد.
«القدس العربي» توجّهت إلى بلدّة «سروج» ذات الغالبية الكردية في جنوبي تركيا، وألتقت بـ (س.س) وهو مواطن سوري يبلغ من العمر (50 عاماً) فضّلَ عدم الكشف عن اسمه، يعمل في تجارة الأسلحة منذ أكثر من 15 عاماً ويعيش في تلك البلدة الصغيرة منذ نزوحه من مدينة كوباني (عين العرب) السورية في أيلول/سبتمبر 2014 نتيجة هجمات تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة خلال تلك الفترة، وتمكنا من الوصول إليه عن طريق أحد أقربائه الأكراد المقيمين في تلك المنطقة.
مكان وزمان اللقاء
«عندما أتصلُ بك، سأخبرك أين نلتقي في سْروُج» كانت هذه إجابة (ٍس.س) أثناء مكالمة هاتفية معه قبل أن تمرّ ساعات قليلة، ليعاود الاتصال به من جديد ويحدد مكان وزمان اللقاء مع «القدس العربي» بالقرب من كراج الانطلاق في سْروج عند التاسعة ليلاً، دون أن يتردد ذاك المراسل بزيارته، فأغلب تجّار الأسلحة عادة، يستخدمون أسماء مستعارة، كي لا يتم كشف هويتهم الحقيقية من قبل السلطات التركية خشية من الاعتقال، ومقابلة هؤلاء الأشخاص يتعد بمثابة مغامرة، لاسيما وأنّ بيوتهم معرّضة للمداهمة من قبل قوات الأمن التركي في أي لحظة، إلا أن المراسل الصحافي كان على علاقة وطيدة بأحد أقاربه، وبادر إلى هذا اللقاء دون خوف بعدما استأذن منه عن طريق أحد أقاربه بإجراء تحقيق صحافي حول تجارة الأسلحة وكيفية إدخالها إلى تركيا وبيعها هناك.
أمام باب مرآب الانطلاق عند التاسعة ليلاً من ليل تشرين الثاني/نوفمبر المعتّم، نعاود الاتصال به، يحدد لنا (س.س) مكانه في الطرف الآخر من الشارع الفرعي بصحبة سيارة خصوصية تحمل لوحةٍ سورية، نلقي السلام عليه ونصعد معه إلى تلك السيارة، حيث نتابع المشوار معاً.
في الطريق إلى المكان الذي يقودنا إليه (س.س) لم تتحرك عيناه عن مرآة السيارة خلال أكثر من نصف ساعة، كان يخشى أن يكون مراقباً من قبل أحدهم، يمرّ في شوارع مظلمة كثيرة وطرق غير رئيسية، حتى يصل أخيراً إلى بناءٍ قديم تعيش فيه عائلة كرديّة سورية مكوّنة من 5 أفراد على الحدود التركية السورية.
ويقول بعد وصولنا إلى ذاك البيت الواقع في قرية حدودية مع سوريا على ضواحي بلدة سْروج «هذا هو منزل شقيقتي الصغيرة، وأنّا أخبئ هنا كلّ أسلحتي التي تأتي من سوريا، فالسلطات التركية ستقوم بتفتيش منزلي فيما لو كان هناك إدعاء من أحدهم، لهذا السبب أخبئ أسلحتي في منازل أخوتي وبعض معارفي الآخرين، تجنباً لمثل هذه العقبات التي قد تطالني في عملي هذا» .
ويتابع (ٍس.س) «المواطنون الأتراك لا يشترون الأسلحة الثقيلة، فهم يستخدمون المُسدّس غالباً، وهو سلاح ناري يُشَغَّل بيد واحدة، يحمله أفراد الشرطة في أغلب البلدان، إلا أن الأتراك يستخدمونه في الأعراس وبعض المناسبات الأخرى، تعبيراً عن فرحهم، ومثل هذه الأسلحة متوافرة لدى شريحة كبيرة من سكان المناطق الحدودية سواءً في سوريا أو في تركيا، خاصة وإنّ كانت لدى بعض العائلات ثارات قديمة، فيحتاجونه للدفاع عن النفس أمام خصومهم لاسيما وأن طبيعة السكان هنا عشائريّة، كما أن ذخيرته رخيصة، يتراوح سعر الطلقة الواحدة منها من دولار أمريكي واحد إلى دولارٍ ونصف، وهي متوافرة بكميات كبيرة داخل سوريا نتيجة الحرب الدائرة هناك، لذا نجد فرصتنا في تجارة هذه المواد مناسبة الآن».
أنوّاع الأسلّحة
ويستمر (س.س) في الحديث عن أنواع الأسلحة التي يتاجر فيها، فيوضح «إنّ للمُسّدسات أنواع كثيرة، معظمها أوروبية المنشّأ، صُنعت في بلجيكا واسبانيا ويوغسلافيا وايطاليا، وكذلك أمريكية وأرجنتينية، وهي عبارة عن صنفين مما أتاجر فيهم، الأول، هي المُسّدسات التي كانت تستخدمها قوى الأمن الداخلي (الشرطة السورية) قبل تحرير مناطق سورية عدّة ووقوعها في يد كتائب من الجيش السوري الحرّ فيما بعد، أما الثاني فهو الأسلحة المصادرة من مواطنين سوريين أثناء جرائم القتل والسلب والنهبّ، ويتاجر في هذين النوعين المهرّبون السوريون والأتراك في الوقت ذاته، وتتراوح أسعارها من 1500 دولار أمريكي إلى نحو 3000 دولار».
دخول هذه
الأسلحة إلى تركيا أو العكس
ورداً على سؤال لـ «القدس العربي» حول كيفية دخول هذه الأسلحة إلى تركيا أو العكس، يقول (س.س) «هناك بعض الأتراك والسوريين، عملهم الوحيد هو نقل الأسلحة بين حدود البلدين، فهم يحملون الأسلحة من الطرف السوري ويعبرون بها إلى الطرف التركي، أو العكس بطريقة غير شرعية، مقابل حصولهم على 50 أو 100 دولار على المُسدّس الواحد، ويتمكنون من نقل 4 مُسدّسات دفعة واحدة، بحيث يقبضون قرابة 500 دولار أمريكي عند مرور كمية صغيرة من الأسلحة من طرفٍ لآخر، إلا أنهم لا يتمكنون من العمل دوننا، فنحن من نقوم بتأمين زبائن أتراك لأسلحتنا وهم يعملون بناءً على طلب منّا، بحيث أستلم أسلحتي منه في الجانب التركي، بينما هو يقوم باستلامها من شريكي في الطرف الآخر من الحدود».
تواطؤ حرس
الحدود التركي مع العتّالين
ويضيف (س.س) «إنّنا نطلق على من يقوم بنقل مواد غير شرعية بين حدودين بـ «العتّال»، في حين يقوم العتّال بدفع مبلغ مالي لحرس الحدود التركي، كي يتمكن من تمرير أسلحته ومواده المهرّبة الأخرى، كالسجائر والمخدّرات، فهم يشترون ممراً آمناً مقابل مبلغ مالي لليلة واحدة، حتى يتمكنوا من تمرير أكبر كمية ممكنة من بضاعتهم غير الشرعية».
ووفقاً لكلام (ٍس.س) فإنّ «الشرطة التركية بدورها، تعمل على زرع عملاء سرّيين لها بين المجموعات التي تتاجر بالأسلحة، وتتمكن في أحيان كثيرة من إلقاء القبض على من يتاجر فيها ومحاكمته وفقاً للقانون التركي، أما السوري فإنّ كانت هناك مذكّرة اعتقال غيابية بحقه بعد اعتقال أحد شركائه في تهريب الأسلحة، فيهرب إلى سوريا بطريقة غير شرعية دون العودة إلى هذا البلد مرة أخرى».
ترخيص الأسلحة
وتقوم قوات الآسايش (قوى الأمن الداخلي في المناطق الكردية السورية) بفرض طلب ترخيص لحمل السلاح بين الأهالي، في خطوة الهدف منها تقليل كميات الأسلحة المتداولة بين المدنيين، لاسيما وأن الأسلحة انتشرت بشكل كبير في عموم سوريا بعد انسحاب قوات النظام السوري من مناطق عدة وكذلك وجود بعض الأفراد السوريين في مختلف الكتائب المقاتلة على الأرض السورية، في الوقت الذي تقوم فيه السلطات التركية برقابة شديدة على حدودها مع المدن الكردية السورية، الأمر الذي أدى إلى مقتل عشرات المدنيين الأكراد السوريين أثناء محاولاتهم العبور إلى الجانب الآخر وفقاً لمصادر وشبكات حقوقية كردية مختلفة، وهذا ما يعتبره بعض مسؤولي الإدارة الذاتية المدنية في سوريا عداء تركيا ـ كرديا في الوقت الذي تكون فيه الرقابة على الحدود التركية أقل في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة جبهة النصرة وبعض الفصائل الإسلامية الأخرى من معارضي النظام السوري.
وتشترط قوات «الآسايش» في المناطق الكردية السورية على من يود ترخيص سلاحه بحسب الموقع الرسمي لتلك القوات، الحصول على استمارة ترخيص السلاح من أحد فروعها، وكذلك صورتان شخصيتان وموافقة أمنية من مركز «الآسايش» في مكان إقامته، إضافة لكشفٍ صحي يثبت سلامة العين وشروط اللياقة البدنية لمقدّم الطلب، على العكس تماماً من مناطق ريف حلب وإدلب وفقاً لمصادر أهلية أكّدت أنّ «الحصول على السلاح في تلك المناطق لا يختلف عن الحصول على علب السجائر».
وتجدّر الإشارة إلى أن الأسلحة الخفيفة كالمُسّدسات وبعض الأنواع المتوسطة الأخرى مثل الكلاشنيكوف كانت متوافرة لدى أغلب المدنيين السوريين في عهد النظام السوري في المناطق الحدودية مع دول الجوار، إلى جانب مهرّبين معروفين في هذا المجال في تلك المناطق، إلا أنّ هذه المعادلة تغيّرت بعد الصراع المستمر في سوريا بين مختلف القوى العسكرية هناك، بحيث أصبحت في كل بيت قطعة سلاح للدفاع عن النفس في المناطق الساخنة عسكرياً ولاسيما بعد انتشار عمليات السلب والنهب والسطو على السيارات المدنية من قبل مجموعات مدنية مجهّولة.
جوان سوز

رابط مختصر