العراق يفكر بما هو أصعب من المعركة المتلكئة في الرمادي

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 29 نوفمبر 2015 - 3:29 مساءً
العراق يفكر بما هو أصعب من المعركة المتلكئة في الرمادي

بغداد – بعد مرور شهرين على بدء عملية تحرير مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار بمشاركة الآلاف من القوات الأمنية العراقية وطيران التحالف الدولي، يشعر سكانها بخيبة أمل بسبب طول المعركة، فهناك حسابات سياسية تؤخر تحرير مدينتهم.

خلف احد السواتر الترابية في منطقة الحميرة جنوب الرمادي يجلس قاسم العيثاوي وهو احد مقاتلي عشائر الانبار مع عدد من زملائه وهو يؤشر إلى السماء بإصبعه ويقول “الطائرات الأميركية هي التي تستطيع حسم المعركة كما فعلت في سنجار، ولا نفهم لماذا تتأخر في تحرير مدينتنا”.

يشعر مقاتلو العشائر الذين أعطى لهم الجيش مهام قتالية محدودة، بخيبة أمل بعدما تلقوا خبر تحرير قضاء سنجار غرب الموصل خلال يومين فقط، بينما ما زالت مدينتهم تحت سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية على الرغم من مرور شهرين على انطلاق معركة تحرير الرمادي.

ونقل موقع نقاش الاخباري عن العيثاوي قوله ان “الطائرات الاميركية حسمت المعركة في سنجار وقامت بقصف كثيف على عناصر داعش (الاسم الشائع لتنظيم الدولة الاسلامية) وهو ما مهد الطريق لقوات البيشمركة الدخول إلى المدينة في اليوم التالي بكل سهولة، ومن الممكن أن يتم تحرير الرمادي خلال يومين أيضاً لو ان الطائرات الاميركية قامت بقصف كثيف بنفس ما قامت به في سنجار”.

ويسيطر “داعش” على حوالي 90 بالمئة من مساحة الأنبار ويحتل ست مدن كبيرة هي القائم وراوة وعانة وهيت والفلوجة والرطبة و12 مدينة صغيرة (العبور، العبيدي، الوليد، النخيب، الحقلانية، بروانة، الكرمة، كبيسة، الفرات، الوفاء، الصقلاوية، وجبة)، أما الحكومة فتسيطر فقط على مدينة كبيرة وهي “حديثة” وثلاث مدن صغيرة (عامرية الفلوجة، البغدادي، الحبانية).

ولكن المهم للحكومة والمسؤولين المحليين والعشائر اليوم هو تحرير مدينة الرمادي لأنها مركز الانبار. وطرد “داعش” منها يسهل تحرير باقي المدن، ولهذا نجحت القوات الأمنية المؤلفة من الجيش وقوات مكافحة الارهاب وعدد محدود من قوات العشائر من محاصرة المدينة بشكل كامل.

نائب رئيس مجلس محافظة الانبار فالح العيساوي يقول إنها “مسألة أيام معدودة حتى يتم تحرير الرمادي، الجيش وصل الى مركز المدينة ولكن العبوات الناسفة والسيارات المفخخة تؤخر تقدم الجيش، كما ان هناك عائلات ما زالت موجودة داخل المدينة ويستخدمها داعش دروعا بشرية”.

لا استعدادات لمرحلة ما بعد داعش

من الاسباب التي أخرت تحرير الرمادي هو الخوف من غياب القانون. من سيحكم المدينة ومن سيدير الامن فيها ومن سيضمن بان لا تحدث فيها عمليات انتقامية وفوضى كما حصل في عدد من المدن التي تحررت من “داعش” مثل تكريت وبيجي وشمال بابل وديالى؟

اكثر الجهات التي تخشى من حصول فوضى في الرمادي بعد تحريرها هي الولايات المتحدة التي وضعت كل ثقلها وقوتها في الأنبار، وأوضح دليل على ذلك ان المئات من مستشاريها وجنودها ينتشرون في قواعد عسكرية في الأنبار في “الحبانية” جنوب الرمادي و”عين الاسد” غربها.

مستشار عسكري اميركي يعمل في السفارة الأميركية رفض اجراء مقابلة حول الحرب في الانبار، لكنه أجاب على سؤال عبر البريد الالكتروني: هل لدى الولايات المتحدة مخاوف من مستقبل الانبار؟ ورد بشرط عدم نشر اسمه لأنه غير مخول له بالتصريح “نعم لدينا بعض المخاوف لأن عشائرها منقسمة والسياسيون هناك يتبادلون الاتهامات”.

ويضيف “الشرطة المحلية في الرمادي تفككت بعد سقوط المدينة وعلى الحكومة بناء قوات شرطة جديدة لحمايتها ونحن نساعد على ذلك، وهناك قوات شرطة جديدة يتم تدريبها وتسليحها والجيش يحقق انتصارات في الرمادي، ولكن هناك فصائل شيعية قريبة والسكان يخافون من دخولها الى مدينتهم بعد تحريرها”.

صراعات عشائرية

تشكل العشائر الغالبية العظمى من سكان الأنبار وتضم العشرات من القبائل والعشائر وجميعها سنية ولكن الصراعات التي تشهدها المدينة اليوم قسمتها الى فريقين، الاول مع الحكومة وابرزها عشائر البو ريشة والفهد والذياب والعلوان والعبيد والعيسى والبوعلي والبوبالي والنمر، وهي العشائر ذاتها التي شكلت “مجلس عشائر الأنبار المتصدية للإرهاب”.

الفريق الثاني من العشائر قرر التزام الحياد بين الحكومة وداعش خوفا من التنظيم المتشدد الذي سيطر على مناطقها منذ وقت طويل وابرزها عشائر من العساف والجابر والمرعي والجميلي والعيساوي وعشائر القائم، وهناك عدد قيل من العشائر الاخرى أعلنت تأييدها لداعش بشكل سري.

المعارك الطاحنة التي تشهدها الانبار منذ 23 شهرا أدت الى مقتل المئات من أبناء العشائر على يد بعضهم البعض، وتصاعدت الخلافات بين هذه العشائر، وبدأت الحرب بينهم منذ الآن بشكل خفي عبر اغتيالات سرية لا تعلم بها الدولة بسبب غياب دور المحاكم في المدينة.

هناك خوف من قيام العشائر المتحالفة مع الحكومة بعمليات انتقامية كبيرة ضد العشائر الأخرى، كما حصل في صلاح الدين عندما قامت العشائر المتحالفة مع الفصائل الشيعية بقتل وحرق منازل من عشائر اخرى بحجة أنهم عناصر في “داعش”.

غياب الشرطة وخوف من الفصائل الشيعية

تفككت الشرطة المحلية في الأنبار بشكل كامل بعد سقوط المدينة بيد “داعش” في أيار/مايو الماضي، ورفضت الحكومة إعادة عناصر الشرطة السابقين للخدمة لأن بعضهم تعاون مع “داعش” وساعدها على احتلال المدينة.

ولهذا قررت وزارة الداخلية اعادة تشكيل قوات الشرطة من متطوعين جدد من ابناء العشائر، وعناصر من الشرطة السابقين بعد التأكد من عدم ارتباطهم مع “داعش”، وقبل ثلاثة ايام أكمل الف عنصر من الشرطة تدريبهم وتم تسليحهم بأسلحة أميركية وبإشراف الحكومة العراقية.

ولكن الف عنصر من الشرطة غير قادر على ادارة الملف الامني في الأنبار، وهي بحاجة إلى عشرين ألف عنصر من الشرطة كما يقول نائب رئيس مجلس الانبار فالح العيساوي، وهو العدد ذاته قبل دخول داعش إلى المدينة.

على بعد 70 كلم من الرمادي تنتشر قوات كبيرة من الفصائل الشيعية في منطقة الكرمة غرب الرمادي، يقاتلون من اجل تحرير مدينة الفلوجة جنوب الرمادي، ونجحت القوات الاميركية في إبعادهم عن معركة الرمادي، لأنها ترفض التعاون معهم في القتال.

تخشى الولايات المتحدة والسكان المحليون من دخول الفصائل الشيعية الى الرمادي بعد تحريرها مستغلة الفراغ الأمني كما حصل في تكريت وبيجي في صلاح الدين، وفي ديالى ايضا، حيث تسيطر الفصائل الشيعية على الملف الامني بسبب ضعف الشرطة المحلية.

منذ ايام يجري مسؤولون في السفارة الاميركية اجتماعات متواصلة مع أعضاء مجلس محافظة الانبار في مقر السفارة الاميركية في المنطقة الخضراء في بغداد، والموضوع الأساسي دعم مقاتلي العشائر والتحضير لمرحلة ما بعد “داعش”، اخر الاجتماعات جرى في الحادي عشر من الشهر الجاري وفقا لبيان رسمي صادر من محافظ الأنبار صهيب الراوي.

وعلى الحكومة العراقية والولايات المتحدة التفاهم مع فصائل مسلحة سنية في الانبار معارضة للحكومة قبل تحرير الأنبار، لان بقاء هذه الفصائل معارضة للعملية السياسية في العراق سيبقي الازمة في الانبار لسنوات اخرى.

وابرز هذه الفصائل هي “المجلس العسكري للثوار”، و”الجيش الاسلامي”، و”جيش المجاهدين”، و”كتائب ثورة العشرين”، وهذه الفصائل تلتزم الحياد بين القوات الامنية وبين “داعش”، إذ رفضت مبايعة التنظيم المتشدد وتعرض عناصرها للقتل بسبب رفضهم مبايعة ابو بكر البغدادي، ومن الممكن ان تقوم الحكومة بالتحالف معهم.

مفاوضات سرية ما زالت تجري بين مندوبين من الحكومة ومندوبين من هذه الفصائل بوساطة اميركية وعربية منذ شهور، وحتى الآن لم تتوصل الى نتائج ايجابية في آخر اجتماع لهما جرى في دولة تنزانيا في إفريقيا بوساطة أوروبية.

محاولات يائسة

اولى الحلول التي طرحتها الولايات المتحدة لمنع الفوضى في المدن السنية بعد طرد “داعش”، تشكيل قوة أمنية جديدة تسمى “الحرس الوطني” ويكون عناصرها من سكان المدن، وعلى الرغم من ان الحكومة العراقية أقرت قانون تشكيل الحرس وأرسلته الى البرلمان، ولكن الكتل البرلمانية الشيعية المتشددة والفصائل الشيعية الموالية لإيران رفضته.

العيساوي يقول ان “الحرس الوطني هو الحل لمرحلة ما بعد داعش، هناك الالاف من ابناء العشائر تطوعوا في معسكرات التدريب في الحبانية وينتظرون المشاركة في المعارك ويجب ان يكونوا ضمن قوة رسمية لضمان رواتبهم وتسليحهم بدل ان يبقوا كقوات عشائرية غير نظامية لا تعترف الحكومة بهم”.

وتوجد خلافات كبيرة حصلت بين الحكومة والاحزاب السنية بسبب عدم تشكيل “الحرس الوطني” الذي وعد رئيس الوزراء حيدر العبادي في خطاب توليه منصبه في اب/اغسطس من العام الماضي باقراره، وهنا بدأت العشائر تفقد ثقتها بالحكومة ولجأت الى الولايات المتحدة.

بدأت السفارة الاميركية في بغداد مع الالاف من مستشاريها الموجودين في العراق بتنظيم لقاءات سرية واخرى علنية مع شيوخ العشائر، تم الاتفاق بعدها على اعادة تشكيل قوات الصحوة العشائرية بنفس سيناريو عام 2006.

احمد الجغيفي وهو احد القادة الميدانيين للمئات من المقاتلين في قضاء “حديثة” غرب الرمادي يقول ان “العشائر التي تقاتل بشكل عشوائي ودون تنسيق فيما بينها في جبهات عديدة في الرمادي والفلوجة وحديثة والبغدادي اتفقت على توحيد صفوفها”.

ويضيف “تم الاتفاق على تشكيل قيادة عشائرية موحدة تضم جميع المقاتلين ومهمتها تنظيمهم وتسليحهم بالتنسيق مع القوات الاميركية، كما تقوم ايضا بالتفاوض مع الحكومة بشأن الاوضاع الامنية في الانبار، انها فكرة ممتازة بدلا من بقاء المقاتلين دون صوت”.

ولكن العبادي لم يكن سعيدا بما يحصل خلف ظهره من تزايد قوة العشائر وقيام واشنطن بتوزيع بعض الاسلحة الاميركية عليهم، ولهذا قرر تسمية قوات العشائر في الانبار باسم “الحشد الشعبي العشائري” وهو شبيه بالاسم الذي يطلق على الفصائل الشيعية التي تقاتل “داعش”.

رشيد فليح وهو قائد عسكري برتبة جنرال في الجيش من أصول شيعية جنوب العراق ومعروف بولائه للحكومات الشيعية بعد 2003 هو من يقود “الحشد الشعبي العشائري” في الأنبار، وهذا الأمر سبب استياء لدى السكان وبعض العشائر، لأنه كان قائد الجيش في الأنبار عندما سقطت الرمادي بيد “داعش”.

السياسة وليس السلاح

الفوضى التي تعيشها الأنبار تثير القلق من انهيار المدينة بعد طرد “داعش”، والمشكلة ليست في القدرات العسكرية لان هناك أكثر من عشرين الف جندي مع مئات الدبابات والمدافع في الرمادي تقاتل منذ شهور وفق بيانات وزارة الدفاع، وهناك طائرات التحالف الدولي تقوم ايضا بالمساعدة لكن المشكلة تكمن في مرحلة ما بعد “داعش”.

اثبتت المعارك التي خاضتها الحكومة العراقية ضد التنظيم المتطرف منذ عام ونصف ان طرده من المدن التي استولى عليها هدف مهم ويحتاج الى جهود كبيرة، ولكن إعادة الحياة الطبيعية والقانون الى هذه المدن مهمة اصعب ولا تمتلك الحكومة قدرة على تحقيق ذلك، كما ان الولايات المتحدة التي بقيت متفرجة على الفوضى التي حصلت في صلاح الدين، لن تسمح بتكرارها في الانبار.

قاسم العيثاوي وزملاؤه الذين يقاتلون منذ شهور لتحرير مدينتهم دون رواتب يقولون بأن حسم المعركة بيد الولايات المتحدة، ويؤكدون ان الطائرات الاميركية تستطيع تدمير المتشددين خلال ايام قليلة كما فعلت في سنجار، ولكن الاميركيين كما يقول العيثاوي “لم يقرروا ذلك بعد”.

ويقول ايضا “اما انا سأبقى اقاتل حتى اخر طلقة في بندقيتي”، وهي بندقية ورثها عن اخيه الذي قتلته “داعش” بتهمة التعاون مع الحكومة لانه كان ضابطاً في الجيش.

ميدل ايست اونلاين

رابط مختصر