صحيفة لندنية تنشر وللمرة الأولى ذكريات”علي القيسي” الضحية رقم واحد في سجن أبو غريب

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 26 نوفمبر 2015 - 9:10 مساءً
صحيفة لندنية تنشر وللمرة الأولى ذكريات”علي القيسي” الضحية رقم واحد في سجن أبو غريب

حاوره: عثمان المختار
بغداد – عراق برس – 26 تشرين الثاني / نوفمبر : ماتزال الذاكرة العراقية فضلا عن العالمية تحتفظ بتلك الصورة الكئيبة لعراقي اسير لدى الأميركان داخل سجن ابو غريب او” باستيل” العراق كما يحلو لبعض الناشطين تسميته ، والتي يظهر فيها واقفا على صفيحة معدنية والأسلاك الكهربائية تحيط به من كل مكان ، فيما كان رأسه مغطى بقبعة تشبه تلك التي يرتديها عناصر ” كوكلاكس كلاين ، ولبيان الحقيقة نشرت صحيفة / العربي الجديد / وهي صحيفة تصدر في العاصمة البريطانية لندن حوارا مع الضحية الأشهر في العالم والتي لايعرف عنها العراقيون شيئا .
مع مرور إثني عشر عاماً على فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب في العراق، يدلي الضحية رقم واحد كما يطلق عليه، صاحب الصورة الأشهر عالمياً، ببعض من أسراره التي يكشف عنها لأول مرة عبر صحيفة “العربي الجديد”، بالتزامن مع إجرائه العملية الجراحية السادسة له لعلاج آثار التعذيب الأميركي الذي تعرض له داخل السجن.

علي القيسي الراكض بعكازتين بين مؤسسات حقوق الإنسان الأوروبية ومكاتب المحامين في لندن لتوثيق جرائم التعذيب تارة والمطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب الأميركية تارة أخرى، يلقي أشياءه خلف أسلاك الكهرباء التي ما زال أزيزها يجرح ذاكرته كل مساء. “العربي الجديد” التقت القيسي في حوار ذاكرة للتعريف بنفسه وقضيته.
* الكثير لا يعرف من صاحب الصورة إلا الصفيحة المعدنية والأسلاك المتدلية منه، فمن هو علي القيسي؟
– أنا عراقي وهذا يكفي. لم أكن قائداً بالجيش أو مسؤولاً حكومياً أسكن بغداد وفيها نشأت، وكأي عراقي رافض للاحتلال لم أسكت عن جرائمهم، لكن ما حدث معي وسبب اعتقالي مختلف عن الضحايا الآخرين الذين اعتقلوهم. كان لدينا قبل الاحتلال ساحة للعب كرة القدم للأطفال بالحي في منطقة العامرية، وبعد العمليات العسكرية التي نتج عنها احتلال بغداد، قام الأميركيون باستخدام الساحة لتجميع أشلاء بشرية ومخلفات حربية كمخلفات معارك المطار ومناطق جنوب بغداد التي سبقت الاحتلال ونفايات أخرى، ما تسبب بعد أيام من ظهور أمراض جلدية وتنفسية على سكان المنطقة. عقب ذلك قمت بالتصريح لوسائل الإعلام وفضح الموضوع، وظهرت صورتي وأنا أشكو ما فعل الأميركيون بالمنطقة والملعب تحديداً، فما كان منهم إلا مداهمة منزلي واعتقالي.

لم يجر التحقيق معي في معتقل منطقة العامرية حيث أخذوني، والتقيت هناك بضابط أميركي اسمه فيليبس، قال لي “إن هناك جهة أخرى طلبتك وتريد التحقيق معك، ويبدو أن أهلك يعلمون باعتقالك في معتقل العامرية، وهناك مئات الأشخاص ينتظرون نتيجة تحقيقك، ولكن نحن لا نعرف عنك شيئاً، وسوف نحوّلك إلى سجن أبو غريب”.

عندما نقلوني وضعوا كيساً في رأسي وطرحوني في السيارة ووضع الجنود أحذيتهم فوق رأسي. عندما وصلت إلى “أبو غريب” وجدت كثيراً من وجهاء بغداد وشيوخها وشخصيات اجتماعية مهمة كانوا معنا في السجن كلهم، لم يرتكبوا أي ذنب إلا أنهم كانوا ضحية عملية الحصان الحديدي التي أطلقها الجيش الأميركي .
* كيف كانت ليلتك الأولى بالسجن؟
– دعني أشرح لك كل الليالي بشيء من الاختصار. بعد أن أخذوا لنا بصمات الأصابع واللعاب والقرنية وغيرها، بدأ التحقيق واستمر معي حوالي ساعة ونصف الساعة تقريباً، وكنّا نجلس في مرافق صحية شرقية طافحة بالمياه والمخلفات.

وكان على الباب محققان، خلفهما المترجم، وجّها لي أسئلة كثيرة ومرهقة. لكن في النهاية قالا لي إن الأشخاص الذين سبق أن اعتقلناهم أبدوا استعدادهم للتعاون معنا، وانت دليل تعاونك معنا هو إعطاؤنا أسماء أشخاص تعتقد أنهم من الممكن أن يشكلوا خطراً علينا، فقلت: ضمن منطقتي لا أعرف. فردّا قائلين “نحن لا شرط لدينا، أعطنا أية أسماء ونحن نعتبرها بادرة وفاتحة تعاون معنا، وهذا حدث مع الكثيرين من الناس الذين أحضرناهم قبلك، وحتى لو كان هؤلاء الناس ممن تكرههم شخصياً أعطنا أسماءهم فقط، ونحن سنساعدك بأشياء كثيرة”. أنا رفضت طبعاً. فقالا إنهما سيحولانني إلى غوانتنامو وإلى مكان الكلاب تأنف من العيش فيه.

بعدها تم نقلنا، وكنا بين 20 إلى 30 شخصاً، في شاحنة والأكياس في رأسنا ما عدا شخصا واحدا لم يكن الكيس في رأسه.
سأل أحدنا بصوت عال داخل الشاحنة من رأسه مكشوف؟ فلير لنا أين نحن؟ فقال أحدهم أنا رأسي مكشوف، فقلنا له: أخبرنا أين نحن، فقال لا أستطيع لأنني أعمى! وتبين أنهم اعتقلوه من منطقة الدورة جنوبي بغداد.

بعد خمسة عشر يوماً من التعذيب داخل الزنزانة أو في الممر عرف خريطة المسلخ، كان عبارة عن طابقين، وعلى اليمين 25 زنزانة ومثلها على اليسار في الطابق الأرضي، وفي الطابق الأعلى الأمر نفسه
كنا نشعر بتناقص عددنا بالشاحنة، لأن ثمة فراغاً تحس به قد حدث قربك فجأة. وتبين أنهم كانوا ينزلونهم عند كل توقف للشاحنة التي كانت تسير بنا ببطء. بقيت أنا ومعي اثنان، نزلنا ورفعوا الأكياس عن رؤوسنا، فرأينا لافتة كبيرة موجودة أمامنا كُتبت عليها تعليمات بالعربية والإنجليزية، وأجبرونا على قراءة هذه التعليمات وكانت تتضمن: “لا تقترب، لا ترفع وجهك في وجه الأميركي، لا تقترب من السياج”.

تم نقلي بعدما نادوا برقمي وقيدوني إلى الخلف وكيس في رأسي وسلسلة في رجلي، ومشيت مسافة ودفعوني إلى سيارة وصلت إلى مكان أنزلوني فيه، وكان هناك ممر طويل وسمعت أصوات أناس تستغيث ونباح كلاب، رفعوا الكيس من رأسي وفتحوا يدي ورجلي، وكنت ألبس دشداشة وقالوا انزع ملابسك، وكان هناك جنود أميركيون، وأتذكر أن شخصاً كانت صوره منشورة في وقتها ونزعت الدشداشة وبقيت في الملابس الداخلية. ولكنهم قالوا لي: يجب أن تنزع كل ملابسك، وأنا رفضت، فنزعوا ملابسي بالقوة، وقيدوني أيضاً من رجلي ويدي، ومشّوني مسافة حوالي عشرين متراً ورأسي في الكيس. ويبدو أنه كان هناك درج، فحاولت الصعود ولكنني لم أستطع، فأخذوا يضربونني بأخمص البنادق، وكانوا يرددون عبارة بالإنجليزية Lets Go، فوقعت على بداية السلم، وتابعوا ضربي بالأحذية وبالبنادق فاضطررت إلى الزحف في هذا الوضع على ركبتي وذقني على الدرج، وصادف أن الدرج فيه منعطف فاستمرت عملية صعود الدرجة ساعة ونصف الساعة أو ساعتين. ووصلت إلى مكان، وكان الكيس على رأسي، وكانوا في ذلك الوقت يرمون عليّ أوساخاً، حيث كنت أشمّ رائحة الأوساخ والفضلات، هناك سمّاعة يصيحون بها في أذني “إعدام، إعدام”، ويسحبون أقسام بنادقهم ومسدساتهم ويضعونها في رأسي ويصيحون في السماعة تكراراً “إعدام، إعدام”، وكانوا ينطقونها بالعربي أحياناً.
وكانوا يحضرون “الكلبشة” وهي لها صوت، وكانوا يضعونها على السماعة بجانب أُذنيَّ، وكانوا يكتبون بأقلام “ماجيك” على جسمي ولم أكن أعرف ما هي العبارات التي يكتبونها، ومن ثم ربطوا يديَّ إلى الأعلى في باب زنزانة، إلى أن جاءني أحد الأشخاص، وهناك الوقت معدوم لا نعرفه، حيث اقتادوني قبل الغروب، وبقيت على هذه الوضعية تقريباً حتى الفجر، وجاء شخص ورفع الكيس من رأسي وقدم لي نفسه. كان يتكلم بلهجة شامية، وقال: أقدم لك نفسي، أنا محقق مشهور وحققت في كل مكان، غزة وصحراء النقب وغوانتنامو والضفة، وأماكن أخرى ذكرها، والأسئلة التي سبق أن سألناك إياها لن أعيدها عليك، لأنك أنت أكيد تتذكر تلك الأسئلة وأنا معروف كمحقق. وكان هذا التقديم كافيا لمعرفة ما سيجري لي بعدها.

ثم أعاد الكيس إلى رأسي وفتح يديَّ وغير الوضع حيث أصبحت مربوطاً بيد إلى أعلى وأخرى إلى أسفل، ودائماً كانوا يكتبون على جسمي بأقلام تلوين، ويرمونني بالماء البارد (ويدخلون فوهات البنادق وعصي المكانس المكسورة في أماكن حساسة، وكانت تسبب لي جروحا مؤلمة في الجسد وشديدة الأثر في النفس) والطقس في شهر كانون الأول/ديسمبر 2003 وبداية شهر كانون الثاني/يناير 2004 كان بارداً جداً، ويومياً يسألونني الأسئلة نفسها، حول استعدادي لإعطائهم أسماء، ويسألون: إذا كنت مستعداً للتعاون معهم، وأنني تحدثت إلى الصحف، وقالوا لي: أنت تعرف الإنكليزية، لأنك اتصلت بصحيفة أجنبية وتكلمت معها، فكيف عرفت التواصل معها؟
بقيت على هذه الوضعية حوالي ثلاثة أيام دون أكل نهائياً، وكانوا يحرصون دائماً على رميي بالماء وبثّ الأصوات العالية في أذنيَّ، ولقد وصلت إلى مرحلة من الإنهاك والتعب صرت فيها على استعداد حتى أن أنام وأنا واقف، لكن لم يكونوا يسمحون حتى بذلك، ولم يكن مسموحاً لنا بقضاء حاجتنا، وعندها وضعوني بهذه الصورة التي شاهدتموها وشاهدها العالم: الأسلاك والكهرباء المتكررة التي لا يزال أزيزها في رأسي.

* صف لنا المكان وكيف كان وضع باقي الضحايا؟
بعد خمسة عشر يوماً من التعذيب داخل الزنزانة أو في الممر عرفت خريطة المسلخ، كان عبارة عن طابقين، وعلى اليمين 25 زنزانة ومثلها على اليسار في الطابق الأرضي، وفي الطابق الأعلى الأمر نفسه. وفي المقابل، كان قاطع النساء وكان بيني وبينهم، معتقل اسمه أبو زيد، وهو مهندس زراعي كتبوا على جسده (Big Chicken) والغرفة التي حققوا فيها مع النساء هي مقابلنا، وكانت المعاملة نفسها للنساء وكنا نسمع استغاثاتهن. ونحن كنا في زنزانات وعراة فماذا نستطيع أن نفعل سوى أن نردد “الله أكبر”، هذا ما كنا نستطيع فعله.

استمر التعذيب على هذا الحال… وبعد نحو أسبوعين تقريبا أعطوني بطانية واحدة، وقسم من النزلاء هنأوني لأنه أصبح لدي بطانية فالبطانية كانت أمراً مهماً.
* كيف خرجت؟
القيسي: بعد افتضاح الصور التي سربت إلى وسائل الإعلام تخلصوا منا بسهولة، أطلقوا سراحنا بسرعة، لم يريدوا أن يرى العالم وضعنا الحقيقي فالصور لم تتحدث سوى عن 5 بالمائة مما جرى لنا.

رابط مختصر