الغارديان: مستبدو الخليج يملون على بريطانيا سياستها الخارجية

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 25 نوفمبر 2015 - 5:07 مساءً
الغارديان: مستبدو الخليج يملون على بريطانيا سياستها الخارجية

انتقد المحامي والرئيس السابق لدائرة الادعاء العام في المملكة المتحدة، كين مكدونالد، خضوع الساسة البريطانيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، لابتزاز دول الخليج الغنية بالنفط في إملاء السياسة الخارجية البريطانية التي يتوجب الالتزام بها خاصة ضد جماعة الإخوان المسلمين التي كان يخشاها أمراء وقادة الخليج إبان فترة الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة عربية.

واستعرض مكدونالد في تقرير مطول لصحيفة “الغارديان”، وترجمته “عربي21″، التسلسل الزمني للأحداث منذ وصول الإخوان المسلمين عبر صناديق الاقتراع لقيادة مصر، ورسم خطوط المؤامرة الواضحة التي تورط فيها الغرب وعلى رأسهم أمريكا وبريطانيا لوأد الديمقراطية والربيع العربي في الشرق الأوسط، محذرا من تداعيات هذه المؤامرة التي أطاحت بلاعب قوي في الشرق الأوسط وهو الإخوان المسلمين الذين لم يكونوا أبدا ليهددوا الغرب في يوم ما كما تفعل “داعش” اليوم.

وأبدى الكاتب خشيته من أن المسايرة والمراضاة لدول الخليج الغنية في النفط ستلقن بريطانيا والغرب درسا قاسيا حينما يثبت فشلها بعد الأحداث المتتابعة التي حلت بالشرق الأوسط وجعلته خاويا على عروشه، فيما اهتزت صورة بريطانيا بشكل واضح بعد أن استقبلت قائد الانقلاب الذي تورط هو وجنرالاته في دماء المصريين.

وقال الكاتب: “من بين كل الأشياء التي قد تتمنى الحكومة تشجيعها حول العالم، وأكثر من أي وقت مضى، ينبغي أن تكون الديمقراطية وما يرافقها من احترام للكرامة وحقوق الإنسان على رأس القائمة. ولذلك، فاض الثناء من مكتب رئيس الوزراء في داونينغ ستريت قبل أربعة أعوام، في أجواء احتفالية نجمت عن الإقبال المدهش على المشاركة في الربيع العربي الذي جلبت نسائمه أول انتخابات حرة ونزيهة إلى مصر. إلا أن ما حدث وقتها يبدو اليوم وكأنه صرخة في واد أخذا بالاعتبار الفظائع التي ترتكبها الدولة الإسلامية والعنف الذي تمارسه عبر الحدود: ليس لدينا أدنى شك بأن صناديق الاقتراع لم تشكل أبدا أي تهديد لشوارع المدن الغربية”.

وأضاف مكدونالد في تقريره، أن “الحكومة المنبثقة من قبل الإخوان المسلمين، والتي جاءت على إثر الاحتفالية الانتخابية التي شهدتها مصر، كشفت عن قلة خبرتها وعن قصورها في توسيع دائرة الدعم الذي تحظى به، وخاصة في أوساط الليبراليين. ومع ذلك، فقد تمكنت بسهولة من تجنب الانتهاكات الإجرامية وسوء استخدام السلطة والعنف الذي اتسمت به الدكتاتورية العسكرية في مصر منذ عهد جمال عبد الناصر – ناهيك عن أنها استحقت جدارة عظيمة لكونها حكومة منتخبة في منطقة يعتبر ذلك ميزة مقدرة وتستحق الإعجاب. ولذلك لم يكن مستغربا أن يستقبل عدد من كبار المسؤولين في حزب الحرية والعدالة باحترام وتقدير في لندن، بل وحتى أن يحلوا ضيوفا على ديفيد كاميرون في مقر إقامته الريفي في تشيكرز ويتناولوا الطعام على مائدته”.

واستدرك بالقول: “لكن، لم يكن ذلك ليدوم. إن الصمت الذي ميز رد فعل لندن وواشنطن على إقدام العسكر على وأد ديمقراطية مصر في مهدها في عام 2013 كانت الرائحة التي اندفعت منه أقرب إلى التواطؤ منها إلى الامتعاض، والأسوأ من ذلك هو ما صدر عن العاصمتين بعد ذلك من مواقف. لم يقتصر الأمر على امتناع رئيس الوزراء عن الانتصار ولو بالكلام لضيوف مائدته السابقين في وقت حاجتهم إلى من ينتصر لهم، لكنه كان يتأهب بنفسه للانقضاض عليهم هو الآخر”.

وشدد على أن “أي تحقيق في مسالك الحكومة البلطجية الجديدة في مصر يمكن أن ينتظر (حسب كاميرون). فالإعدامات وإطلاق النار الجماعي والمحاكمات الصورية كلها وضعت جانبا بينما أصدر كاميرون أوامره بإعداد مراجعة “غير ودية” لموقف الحكومة البريطانية من نشاطات جماعة الإخوان المسلمين داخل المملكة المتحدة، وذلك بعد شهور قليلة من إقدام الدبابات على الإطاحة بحكومة الإخوان المنتخبة في مصر. أصبح بالإمكان أن يُستقبل جنرالات مصر، الذين لم تحمهم من الملاحقة القضائية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية سوى الحصانة الخاصة التي منحتها لهم الدولة، ضيوفا معززين مكرمين في لندن بينما لا يحظى بذلك وزراء الحكومة الديمقراطية التي أطاح بها هؤلاء الجنرالات”.

ونوه مكدونالد إلى أنه يبدو أن صناع السياسة البريطانيين لم يرق لهم التعامل مع هؤلاء الديمقراطيين الذين تنقصهم الخبرة، بل وحتى الكفاءة، ولعلنا نتيقن أن لاعبين آخرين في المنطقة، ممن هم أقل عطفا، لاحظوا ذلك.

ولكن سرعان ما تبددت، وبشكل لا ريب فيه، تلك الحيرة المتوانية بشأن سلوك رئيس الوزراء عندما أعلنت صحيفة “الغارديان” مؤخرا عن وجود وثائق تكشف عن بطاقة السعر التي وضعت على أي سياسة بريطانية بديلة والتي كانت بريطانيا ستتكبدها لو أنها انتصرت للديمقراطية أو وقفت موقفا يرفض شيطنة ضحايا العنف العسكري الذي دمر هذه الديمقراطية، وفقا للكاتب.

وأوضح أن هذه الوثائق تظهر بجلاء لا لبس فيه أن الآراء التي صدرت عمن انتقدوا المراجعة في نشاطات الإخوان المسلمين باعتبار هذه المراجعة مجرد وسيلة تهكمية يتملق من خلالها مكتب رئيس الوزراء حلفاءه الذين ينتابهم القلق في الخليج لم تكن مجرد حالة من البارانويا (الذعر الشديد)، كما ادعت الحكومة مرارا وتكرارا، بل ثبت في الواقع أن الحقيقة هي أغلظ من ذلك: لقد أكد شيوخ الخليج للحكومة بكل وضوح أن الالتزام بالمبادئ سيكلفها الكثير من المال.

وذكّر بأن “كبار المسؤولين في دولة الإمارات العربية المتحدة هددوا بكل صراحة أنه ما لم يتخذ البريطانيون موقفا صارما ضد جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة وجودها في الحكم، فإن صفقات سلاح تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات سوف تتبخر. وكما صرح (اللورد من حزب الديموقراطيين الأحرار) بادي آشداون بالأمس للبي بي سي، فإنه “لم يحتج الأمر أكثر من مكالمة هاتفية من السعوديين لإقناع رئيس الوزراء بالبدء بالمراجعة “دون أن يرجع لأحد أو يشاور في الأمر”.

وأضاف قائلا: “سيكون من السذاجة إنكار وجود حجة بالغة لصالح صناعة السلاح البريطانية، بكونها ثروة مهمة في قطاع الصادرات، ينبغي أن توفر لها الحماية ويتوجب الحفاظ عليها. وما من شك في أن الأخلاق والكياسة في العلاقات الدولية ليسا دائما في حالة انسجام، وما من شك أيضا أن تحالفاتنا في الخليج لها قيمة استراتيجية فعلية. ولكن من خلال السماح لنفسه بأن يحشر في زاوية قبيحة من هذا النوع قد يكن كاميرون وقع في خطيئة الخلط بين المصلحة القومية الأشمل والنشوة العابرة التي تولدها التحويلات المصرفية. ولعله بذلك تنازل للمستبدين المدمنين على التوحش عن قدر كبير من التحكم بسياستنا تجاه الشرق الأوسط”.

ونوه ماكدونالد إلى أنه من المؤكد أنه في ضوء الفظائع البشعة التي ارتكبت في باريس ستكون بريطانيا قد ارتكبت خطأ استراتيجيا جسيما حينما تخص بالاستنكار والتنديد الحركة السياسية الجماهيرية الوحيدة في العالم العربي (الإخوان المسلمين) التي سعت للحصول على الشرعية من خلال صناديق الاقتراع، بحسب تقرير “الغارديان”.

وخلص إلى أنه بقيامه بذلك، يكون رئيس الوزراء قد تمرد على أجزاء من الدولة البريطانية ربما كانت تتمتع بغرائز أرقى مما هو متوفر لديه. وهذا هو السير جينكينز، السفير البريطاني السابق لدى المملكة العربية السعودية – والذي ترأس فريق المراجعة – لا يأبه لموجات الغضب التي يهدر بها أثرياء النفط في الخليج ولا ينحني لها، ويقال إنه على الأقل رفض استنتاج أن جماعة الإخوان المسلمين تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على المملكة المتحدة – وأثبت أنه ليس من النوع الذي يخضع للضغوط، ترغيبا أو ترهيبا، فيغير من قناعاته.

وقال في نهاية حديثه إلى أنه كان ذلك الاستنتاج غير المرحب به، على الأغلب، هو الذي أدى إلى التأجيل المتكرر لخروج رئيس الوزراء والإعلان عن نتائج المراجعة، والتي أريد منها أن تصبح سيفا مسلطا على الإسلاميين الذين يعيشون ن بين ظهرانينا. إنه الإعلان الذي طالما انتظره بشغف أرباب الأجهزة الأمنية والذين كانوا يعدون أنفسهم لمرحلة ما بعد الإعلان عن المراجعة. بدلا من ذلك، وبعد أن وافق بكل حماقة على إشباع رغبات أصدقاء بريطانيا في الخليج بتشويه سمعة من شاركوا في التجربة الديمقراطية التي أزعجت ممالك النفط الخليجية وقذفت في قلوبهم الرعب، قد يتردد كاميرون الآن في الإعلان عن أي إجراءات ذات قيمة ضد جماعة الإخوان المسلمين خشية أن يستفز محاميهم ويدفعهم إلى التقدم بطلب مراجعة قضائية تجبر رئيس الوزراء على نشر التقرير الخاص بالمراجعة (كاملا) والتي يفضل هو أن تبقى خلاصاتها المنغصة له ولحلفائه طي الكتمان.

وتمنّى الكاتب أن لا يكون من سخريات القدر فعلا أن الإنجاز الوحيد لرئيس الوزراء من خلال هذه التجربة المذلة أن يعطي لمؤسسات الدولة في وايتهول درسا مفاده أن المسايرة والاسترضاء لا ينجم عنهما سوى الفشل والخواء، بحسب تقرير “الغارديان”.

رابط مختصر