فورين بوليسي: لماذا أراد أباعود الموت؟

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 - 7:16 مساءً
فورين بوليسي: لماذا أراد أباعود الموت؟

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا لإيان بوروما، قال فيه إن عدد شباط/ فبراير من مجلة “دابق” الشهرية، التي تصدر عن تنظيم الدولة حمل صورة لعبد الحميد أباعود، المعروف أيضا بأبي عمر البلجيكي، لابسا لباس الحرب، ويحتضن بندقية إلى صدره، وبدا أباعود فخورا بنفسه.

ويشير التقرير إلى أنه للاشتباه بكون أباعود منظم الهجمات في باريس، فقد تم قتله يوم الأربعاء 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، في مداهمة ليلية قامت بها قوات الأمن الفرنسية.

ويقول بوروما: “ذكرني الاختيال الذي ظهر به بقاتل ثوري آخر يعيش في سجن فرنسي، هو إليخ راميريز سانتشيز، والمعروف أيضا بـ (كارلوس ذي جاكل)، إرضاء النفس ذاته، والسعادة بالعنف ذاتها، والابتهاج في قضية مميتة ذاته. وكان راميريز مسؤولا عن عدة عمليات اختطاف وقتل في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وكلها باسم الشعب الفلسطيني والثورة العالمية”.

ويضيف الكاتب: “يتحدث أباعود بلغة ثورة جديدة، خلافة إسلامية خيالية. ولأننا نعيش في عصر الإنترنت، يستطيع هذا الصنف من العنف الثوري أن ينتشر أسرع بكثير من أيام راميريز. ولكن مما نعرفه عن راميريز وما نتوقعه حول أبا عود، فإن الرجلين كانا مقتنعين بقضية ثورية كبيرة، إلى درجة تمجيد القتل والفخر به”.

وتلفت المجلة إلى أنه لطالما جذبت القضايا الكبرى الشباب، فهي تشعرهم بإحساس بالقوة والمعنى بشعور مجتمعي وطريقة للهروب من مشكلات الحياة. مشيرة إلى أن جاذبية الحرب المقدس لتنظيم الدولة، التي يتم تسويقها على مواقع عنكبوتية مختلفة وعلى مواقع التواصل، سهلة الفهم، فكثير من الشباب المعجبين بكارلوس كانوا يعتقدون بأنهم يحاربون الغرب والإمبريالية والفاشية لأهداف أسمى.

ويستدرك التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، بأن “راميريز لم يكن ممثلا لحضارة أو دين معين، ولا حتى فلسفة سياسية متسقة. وحتى أباعود لم يكن كذلك في رأيي. وهو مثل راميريز لم ينشأ فقيرا، بل ذهب إلى مدرسة راقية، حيث كان المعروف عنه أنه شاب سعيد، قبل أن ينحرف الى الجرائم ثم إلى الجهادية”.

ويرى بوروما أنه “بغض النظر عمن حوله إلى العنف الثوري، فإن صيغته من الإسلام السياسي صيغة متطرفة من التعصب الديني. ولكن لا يمكن التعرف عليها بشكل أكبر بدراسة القرآن والسنة، أكثر من محاولة فهم حب الدم لدى راميريز عن طريقة دراسة رأس المال لكارل ماركس. وغالبا ما يكون الثوريون القتلة، سواء كانت القضية التي يدافعون عنها دينية أو علمانية، غالبا ما يكونون مفتونين بعبادة الموت (a cult of death)”.

وتجد المجلة أنه “من السخف تسمية أحداث باريس بـ(صدام حضارات)، كما فعل مرشح الرئاسة ماركو روبيو. فذلك يعني أن على الغرب أن يباشر في حرب مقدسة ضد الإسلام أينما وجد، وهذا بالضبط ما سيرحب به مروجو بضاعة تنظيم الدولة. وحتى إعلان الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند الحرب على تنظيم الدولة، مع أنه أكثر دقة وأقل تحريضا من كلام روبيو، إلا أنه غير صحيح. فتستطيع إعلان الحرب على دولة، ولكن لا تستطيع إعلانها على تكتيك (الإرهاب) أو قضية عالمية. فتنظيم الدولة ليس دولة، مع أنه يحتل أراضي، ولكن من الخطأ أن يمنح الشرعية التي يسعى لها”.

ويفيد التقرير بأن ضرب المناطق التي يسيطر عليها التنظيم قد يكون له معنى وقد لا يكون، ولكنه لن يقلل من جاذبية القتل لشباب مثل أباعود، مستدركا بأنه قد يزيد من تلك الجاذبية؛ لأنه يؤكد المفهوم المبالغ به بأن التنظيم يخوض “حربا مع الغرب”.

ويعتقد الكاتب أن “قوة حركة ثورية مثل تنظيم الدولة هي في ميوعتها، حيث يمكنها الظهور في أي مكان، في الدول الفاشلة وفي الحروب الأهلية وفي الشرق الأوسط أو في أي مكان انهارت فيه السلطة السياسية، حيث تقوم العصابات المسلحة الثورية أو الإجرامية أو كلاهما بترويع الناس. فإن قصفتهم في مكان سيظهرون في مكان آخر: اليوم في الرقة وغدا في تشاد”.

وترى المجلة أنه “حتى إن كان القصف يساعد على إضعاف تنظيم الدولة، فإن عبادة الموت لن تختفي ببساطة. فما ينتج هذا العنف الوحشي في مدريد وأمستردام ولندن وبروكسل وباريس هو رابط بين الأيديولوجيات الناتجة من الحروب الأهلية في الشرق الأوسط والشباب الساخط أو المصاب بالملل في الغرب، فما دام الرابط موجودا لن نتخلص من المشكلة”.

وينوه التقرير إلى أن “تصيد المواقع الجهادية وإغلاقها، وإغلاق قنوات اتصالها، لن ينجح تماما، إلا إذا اتبعنا النموذج الصيني، ودسنا على الحرية في الإنترنت، ولكن حتى الصينيين لم يستطيعوا فعل ذلك، والغرب لا يمتلك دولة مركزية تستطيع محاولة ذلك”.

ويوضح بوروما أن “الإجراء الوحيد الذي يمكن أن يكون فاعلا، هو استراتيجية طويلة المدى تمنع الشباب من أبناء وبنات المهاجرين بالذات، من الشعور بالسخط. وهذا يعني، كما قال العالم الفرنسي المتخصص بالإسلام أوليفر روي، بأن على الدول الأوروبية (أوربة) الإسلام في أوروبا، بتعيين أئمة متخرجين محليا، بدلا من استيراد أئمة من تركيا أو من الشرق الأوسط. كما يعني أيضا تعديل القوانين؛ لتسهيل الحصول على وظيفة لمن يكون اسمه أحمد أو فاطمة، ويعني أيضا استيعاب أكثر للأقليات في المدارس”.

وتختم “فورين بوليسي” تقريرها بالإشارة إلى أنه “لن يكون لأي من هذه الإجراءات فعل مباشر، ولكن التدخل العسكري المباشر بشكل أكبر في الشرق الأوسط لا يمكن إلا أن يبطئ من إجراءات يجب اتخاذها في أوروبا. فنحن نعرف أن الشباب تجذبهم أسباب للموت، وما نحتاجه بشكل ماس هو إعطاؤهم أسباب أقوى للحياة”.

رابط مختصر