رسائل إلى بغداد وإهمال سلطة «البعث» إنذاراً جدّياً بقصف المفاعل النووي (1 من2)

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 22 نوفمبر 2015 - 5:53 مساءً
رسائل إلى بغداد وإهمال سلطة «البعث» إنذاراً جدّياً بقصف المفاعل النووي (1 من2)

فايز قزّي – يصدر قريباً في بيروت كتاب جديد لفايز قزي عنوانه «مواطن سابق لوطن مستحيل» (منشورات سائر المشرق). وفيه ذكريات عربية ولبنانية للمؤلف تحيل على بعض جذور أزماتنا الراهنة. هنا حلقة أولى من الكتاب.
كتبتُ عن حرب 1975 والتجارب التي عشتها ومرّت بها المنطقة الساحليّة جنوب بيروت، وتهجير أهالي الجية والدامور، وحرب الجبل والشوف وإقليم الخروب، وأعود لأختصر أنّ هذه الأحداث أوصلتني إلى سجن نظام الأسد في سورية، لكنّ اهتمام الإمام موسى الصدر والأباتي شربل قسيس أنقذني في الوقت المناسب.
خرجت من محطّة السجن السوريّ في آذار (مارس) 1977 وعدت إلى منزلي لأستقبل المهنّئين. جاء بعضهم يعبّر عن صداقته لي وآخرون يشهرون كرههم لسورية. أمّا أنا فقد شعرت أنّني بلغت منعطفاً ما، بدأت تتكوّن ملامحه برغبة جامحة في متابعة السفر إلى محطّة جديدة بعيدة من الوطن وسجنه الكبير. زارني كمال جنبلاط في العاشر من آذار 1977 مهنّئاً بسلامة العودة، وتابع إلى سبلين فالمختارة، في حركة تقليديّة، لم يكن يعلم أنّها ستكون رحلة الوداع، فاصطاده القتلة المأجورون بأمر قيادتهم على منعطف قرية دير دوريت الشوفيّة مع سائقه ومرافقه في 16 آذار 1977 ، فكانت جنازته في المختارة ومواراته ترابها التي أحبّ، بمثابة دفن وانقضاء لمرحلة طويلة من سفري السياسيّ الذي انكسر ولن يُجبّر.
ذهبتُ إلى «أبو عمار» بعد تشييع جنبلاط مباشرة لأبلغه عن رغبتي بالسفر، فكان جوابه: لو لم تعبِّر لي عن ذلك لطَلبْتُ أنا منك وبإلحاح جمع حقائبك والسفر. وعندما أخبرته عن ضعف إمكانيّاتي المادّيّة تبرّع بتغطية بطاقة السفر والإقامة لمدّة شهر. وهكذا كان، فسافرت بسرعة إلى باريس كمحطّة سريعة أولى استضافني فيها الصديق طلال شرارة، ثمّ غادرتها متنقّلاً بين القاهرة والدوحة إلى أن استقرّيت ونمت في محطّة بغداد.
وبدأت للمرّة الأوّلى أدقّق في هويّتي السياسيّة الحزبيّة لأكتشف زيف تطابقها مع الواقع الذي يعيشه نظام البعث في العراق والذي حظي بتأييد ودعم القيادة القوميّة للحزب التي حرم منها البعث السوريّ.

التجارة والمقاولات بديلاً
لـ «البعث العراقيّ»
أسستُ شركة «الفرات للتجارة والمقاولات» بالاشتراك مع المهندس قيس القيسي وفيصل المميِّز في منطقة الكرّادة الشرقيّة في بغداد، مستعيناً بمجموعة من الأصدقاء والمعاونين في حقل المحاماة والمحاسبة والخبرة ومؤسّسات الدولة التي اكتسبتها خلال زياراتي السابقة لبغداد لمتابعة ملف شركة الطيران الأميركيّة PAN AM.
في محطّة بغداد اختبرت ثقافتي السياسيّة النظريّة التي تربّيت عليها في حزب البعث وتركتها سنة 1962. ورحت أراقب تنفيذها من الرفاق السابقين على أرض الواقع. فبعد خمس عشرة سنة على تسلّم السلطة، بدأ صدام حسين يتهيّأ لإزاحة أحمد حسن البكر، الذي كان بمثابة الأب الروحيّ له وللحزب. وكان الحزبيّون قسمين: قسم يتنافس تقليديّاً وبانتهازية على دعم ومساندة صدام بنصرته ظالماً أو مظلوماً، وقسم آخر يعترض فيصبح «في خبر ماكو» على يد الرفاق في العقيدة البعثيّة والسلاح الانقلابيّ – الثوريّ. أمّا المجتمع، فطبقاته محيَّرة ضائعة بين مستغِلين لا طبقة بورجوازيّة لهم، ومستغَلين كادحين لا طبقة عمّاليّة أو فلاّحيّة محدّدة تجمعهم.
وقد حُشِرَت كلّ وسائل الإنتاج من دون استثناء بيد الدولة الاشتراكيّة التي كانت كثيرة الموارد والثروة، لتدار بالطريقة العشائريّة المتجهة نحو ديكتاتوريّة القائد الملهم الذي يرشو قيادته القطريّة والقوميّة بإغراقها بالمناصب والمال، ومن يتعفّف يهاجر أو يستقيل أو يُعتقل، ولا يخلى سبيله غالباً إلاّ ليقضي في حادث ملتبس. الجرم القانونيّ للتآمر على الحزب والنظام والدولة والشعب هو الاسم الفعليّ لمعارضة «السيد النائب» الذي يستطيع أن يتحوّل سريعاً إلى قائد يتقمَّص شخصيّة صلاح الدين، وينتصر على غزوة الثورة الإسلاميّة في إيران، ويحقّق فتح الكويت بجيش كبير وقادر تدرّب سنوات طويلة بالذخيرة الحيّة على جسد أكراده في الشمال.
تسير في شوارع بغداد القديمة فترى فقر حوانيتها وفراغ واجهاتها وكأنّك في دول الغبار الصحراويّة، أو «مدن الملح» أو الأدغال الأفريقيّة المجهولة. فلا تعلم متى تجد بيض الدجاج على رغم وفرة مزارعه متوفراً، ولا حتّى متى تعود البندورة إلى الظهور العلنيّ في عربات الخضار، ولا كيف تختفي الحاجات الأوّليّة للعيش اليوميّ الكريم. وإذا اشتكيت من شحّ المواد لمسؤول فاعل نهرك وكَذَّبك بإغداقك فوراً بكلّ ما تشتهي وتطلب بسخاء فاحش يزيد كثيراً عن حاجتك، وبكمّيّات قد تصاب بالتلف وتنتهي مفاعيلها لديك، لا همّ، فهي متوافرة وفائضة عند المسؤولين في مستودعات الدولة، ولكنّها تبقى عصيّة على العامّة الصالحين الصابرين من أبناء البلد.
إنّه التطبيق البعثيّ العراقيّ الصدّاميّ لنظرية الاشتراكيّة البعثيّة الأمثل لقتل الأقطار لا انبعاثها.
إنّها الصيغة الأوضح لاشتراكيّة البعث ونظامه الاقتصاديّ للدولة الغنيّة والسلطة الفاحشة والشعب الفقير والجماهير الجائعة.
أمّا المعارضون السياسيّون فهم كثر ويكادون لا يظهرون ولا يعبِّرون في العلن. باستثناء علي صالح السعدي الذي كان خارج الحزب والسلطة معارضاً معلناً ناطقاً جريئاً يحظى بتساهل السلطة فلا تقبض عليه بل تكتفي بمراقبة عدم تطوير معارضته الصوتيّة المعلنة إلى تنظيم سياسيّ أو حركة. إذ لا تساهل ولا قبول للتنظيمات السياسيّة. حتّى مصير الرفاق الحزبيّين في القيادة معروف ومحتوم في ما لو أعلنوا أو حتّى عبّروا بإشارة أو ابتسامة عن عدم الموافقة أو الرضى على سلوك الرئيس القائد، لأنّ عقوبة السجن المؤبّد أو النفي غالباً تكون عقوبتهم المخفّضة. أمّا الذين يضمرون معارضة القائد فإنّهم غالباً ما يقبض عليهم متلبّسين بجريمة المؤامرة التي تستوجب الإعدام أو التصفية من دون رحمة. إنّها أيضاً صيغة لتفسير شعار الحرّيّة في عراق البعث.
أمّا شعار الوحدة، فلم يتوافق مع رغبة الرئيس الذي حاول طرحه عارضاً على الآخرين الانضمام إلى قيادته التاريخيّة والتي اكتشفها رفاق القيادة القوميّة، ونقلوها إلى شعوب الأمّة عبر الحديث عن ثورة العراق وقيادتها المجيدة والمؤامرات المستمرّة ضدّها، ولما تختزنه من إمكانات ووسائل للصمود والتصدّي والممانعة. يفحمونك أحياناً، فتشكّ في مقدار فهمك وترضخ وتقبل البقاء مكرهاً بفتاتهم على رجاء انبعاث الإصلاح والتغيير بدل اليأس والهجرة إلى محطّة أخرى مجهولة.
هكذا تسقط الرسالة الخالدة، والحزب معاً، تحت ضغط هذه الوقائع. وتكتفي قياداته القطريّة والقوميّة بروتين الاجتماعات واللقاءات التنظيريّة الخارجة عن عالم السياسة الواقعيّة. فيتعطّل الحوار المنتج وكأنّنا في بيزنطيا المتقهقرة الذاهبة بجدلها إلى الزوال. الكلّ يعرف ذلك ويشعر بخطره باستثناء أهل الأمر والنهي فهم عن كلّ ذلك غافلون أو مغفّلون.
سنوات أربع متواصلة ومرهقة قضيتها في بغداد. كنت أغتنم ارتفاع حرارة الطقس وتباطؤ العمل إلى حدّ التوقّف أحياناً، عندما تبلغ الحرارة 50 درجة، وهذا محتمل خلال فصل الصيف، لأغادر للعلاج في مصحّات تشيكوسلوفاكيا (أصبحت اليوم تشيكيا) في ياخيموف JACHYMOV على الحدود الألمانيّة، حيث يوفّر النظام الشيوعيّ مصحّات للعلاج بالمياه المعدنيّة متيسّرة للقادمين من الخارج بسهولة نظراً لعدم ملاءمة أسعارها مع الدخل الفرديّ لمواطنيها العاديّين من غير الشيوعيّين. أمّا المحظوظون من هؤلاء، وبخاصّة من الحكّام أو قيادات الحزب الشيوعيّ، فيرتادونها دائماً وطبعاً بامتياز وغزارة بعيداً عن مراقبي «استغلال السلطة».

خمس رسائل إلى بغداد
الرسالة الأوّلى: الأباتي شربل قسيس
حملتُ إلى بغداد خلال هذه الإقامة خمس رسائل سياسيّة. كانت الأوّلى رسالة الأباتي شربل قسيس الشفهيّة الأوّلى إلى صدام حسين طالباً منه «أن يزوّدنا بنسخة من قانون تقسيم العراق الذي يضعه في درج مكتبه ولا يعلنه، علّ الجبهة اللبنانيّة تستفيد من قراءته وتطبيقه». لكنّ صدام استغرب هذا الطلب مصراً على عدم وجود مشروع لديه، وجاملني وودّعني من دون جواب واضح، تاركاً للوزير طارق عزيز في اليوم التالي الاتصال ليبلغني: «انقل إلى الأباتي شربل قسيس أنّ الرئيس صدام حسين ملتزم بفكر البعث وعقيدته الوحدويّة القوميّة والعابرة للمذاهب والأديان والإثنيّات. وبالتالي ليس عند الحزب ولا عند صدام أيّ مشروع جاهز لتقسيم العراق. لكن إذا تآمر العالم كلّه مع الأكراد لإنشاء كيانهم الذاتيّ أو دولتهم وعجزنا عن منع المؤامرة، فإنّنا لن نبيدهم كأكراد، ولن نسمح لهم بإبادتنا كعرب، فنقول لهم هذه حدودكم وهذه حدودنا».
حملت هذه الرسالة بعد حين إلى الأباتي فابتسم وقال: «توقّعت الجواب وربّما سمعته منك قبل ذلك». ومرّ الزمن وسقط صدام بالضربة المشتركة الأميركيّة – الإيرانيّة ليعيش أكراد اليوم خاصّة والعراقيون عامّة، ما رفضه صدام من تفتيت العراق أقاليم وفيديراليّات متناحرة وبعنف.

الرسالة الثانية : أبو عمار
كلّفني أبو عمار بوساطة بين العراق ومنظّمة التحرير لحلّ مسألة أبو نضال – المجلس العسكريّ المنشقّ عن فتح، والذي وضع يده على مجلّة المنظّمة في بغداد بمساعدة الحكومة العراقيّة. تفاقم الخلاف وأخذ شكل التعدّيات والتصفيات الجسديّة بين الطرفين. وشمل اعتداءات على سفارات عراقيّة في الخارج إلى أن تمّ التوافق بعد سفرات مكّوكيّة بين بيروت وبغداد على: وقف حملة العنف الخطابيّ والسياسيّ والجسديّ بين الطرفين وعلى أن يتعهّد العراق بوقف نشاطات أبو نضال ضدّ منظّمة التحرير داخل العراق وأن يعيد للمنظّمة مكتبها وجريدتها في بغداد.
وقد تولّى مساعدتي في هذا من الجانب العراقيّ الأصدقاء الوزير سعدون شاكر ونزار حمدون رئيس مكتب فلسطين وسورية في القيادة القوميّة.
وأذكر أنّ أبو عمار سألني في جلسة إبلاغي له موافقة العراق على الاتفاق: «لماذا صنع صدام كلّ هذا»؟ قلت: «أعتقد أنّ هناك في العراق ولدى صدام شخصيّاً عتباً على سلوكك في المفاوضات مع إسرائيل، خاصّة لجهة مبدأ مبادلة الأرض بالسلام. فأنت متّهم منهم بأنّك تخلّيت عن قسم كبير من أرض فلسطين لترفع علم دولتك ولو على باخرة». فكان تعليق أبو عمار ساخراً ومعبّراً: «هو الأخ صدام جبلنا عكا وحيفا وإحنا قلنا لأ». وتابع: «نعم أنا قرّرت عن قناعة بأن أواجه تحدّي العالم بقيام دولة فلسطين ولو على مساحة أقل من الأرض المحرّرة».
بالأمس استشهد أبو عمار بالسم واليوم لا تزال فلسطين وشعبها يرزحان تحت وطأة مزاودات أسوأ من وطأة الاحتلال الإسرائيلي. آخر المزاودين اليوم أصوليّون إسلاميّون سنّة، وأنصار ولاية الفقيه الإيرانيّ الصفويّ المتشيّع.

الرسالة الثالثة: الإمام موسى الصدر
كان الإمام موسى الصدر قلقاً لتطوّر الموقف المعادي للإمامين محمد باقر الحكيم ومحمد باقر الصدر في النجف، إذ كانت السلطات تضطهدهما وتسجنهما. فتوجّه لي الإمام برسالة خطّية طالباً تدخّلي لإيقاف أو تخفيف الملاحقات بحقّهما. حاولت ولم أنجح. ولكنّني نجحت بكسب ثقة الإمام الصدر الذي بادلني بإنقاذ حياتي وتحريري في آذار سنة 1977 من السجن والمصير السيّء الذي عرفه الرفاق السابقون في حزب البعث خلال تلك المرحلة، فكان مصيرهم الموت أو السجن الطويل مع التعذيب في دهاليز فرع فلسطين في دمشق.

الرسالة الرابعة: صادق قطب زاده
كان صدام حسين قد طرد الإمام الخميني من بغداد إلى باريس بعد ضغوط شاه إيران على النظام العراقيّ لإخراجه من النجف سنة 1975 . وفي سنة 1978 التقيت ممثّل الإمام الخميني في مكتبي في بيروت مع الزميل جبران مجدلاني، وعقدنا لقاءات كثيرة وطويلة خلال عام أدّت إلى نقل رسائل إلى بغداد والمسؤولين العراقيّين: «إنّ نظام الشاه سيسقط قريباً جدّاً بثورة شعبيّة تقودها جماعة الخميني. وهم مستعدّون للتفاوض منذ الآن مع السلطة العراقيّة القائمة للتعاون والتفاهم على كلّ القضايا الخلافيّة في المرحلة القادمة. ولكنّهم يطلبون من العراق كمبادرة حسن نيّة، التوقّف فوراً عن ملاحقة أنصار الخميني واضطهادهم وقتلهم. «وليتأكّد أصدقاؤك في العراق أنّنا أقوياء وجادّون، فنحن نكشف لهم منذ الآن أنّ الدعم الأميركيّ للشاه قد سقط، وسوف يتأكّدون من ذلك قريباً، وإليك دليل أوّليّ على تخلّي الأميركان عن الشاه وتبنّيهم وتأييدهم الثورة ضدّه». وعندها سحب صادق قطب زاده من جيبه جواز سفره الأميركيّ الذي بات أيضاً بحوزة مجموعة من رفاقه في حركة الخميني منذ شهور، هدية من الاستخبارات الأميركية للثورة الإيرانية الإسلامية.
نقلتُ هذه الرسالة إلى سعدون شاكر وزير الداخليّة ومدير الاستخبارات السابق ورجل صدام القويّ، وإلى نزار حمدون مسؤول المكتب السوريّ في القيادة. ولكنّ الجانب العراقيّ لم يرسل معي أيّ جواب ولا بدرت أيّ استجابة للمطالب. وبعد مرور سنة على هذه الرسائل والإشارات التي لم يعرها الجانب العراقيّ اهتماماً رغم تكرارها، نجحت «ثورة الشعب الإيرانيّ»، وعاد الخميني منتصراً مجلّلاً إلى طهران، ومعه صادق قطب زاده ليتولّى منصب وزير الخارجيّة في حكومة الثورة، كما عيّن رفيقه أبو الحسن في الرئاسة، واستمرّا لشهور معدودة قبل أن تعود الثورة من الداخل وتأكل أبناءها بقرار من ولاية الفقيه، فيعدم صادق قطب زاده ورفاقه ويهرب بني صدر لينجو من المصير المحتوم. وهكذا تخفّف الإمام الخميني من رفاقه وانفرد بثورته ليقود جيشه إلى حدود العراق ويثأر من معاملة النظام «الكافر البعثي الذي يرفض أن يقيم الدولة والحكم الإسلاميّين في عاصمة الرشيد».
بدأت الحرب بتفجير قنبلة في جامعة المستنصريّة في بغداد، زرعها حزب الدعوة الإسلاميّ، المرتبط والتابع للإمرة والهوى الإيرانيّ الخميني، أصابت شظاياها طارق عزيز وزير خارجيّة العراق. فتوعّد صدام حسين إيران بالرد. وبدأت حرب السنوات الثماني لتتحوّل إلى مجزرة حصدت الملايين من الضحايا، ولتجفّف ثروة البلدين ودول الخليج المجاورة في مزاد عسكريّ وبازار مذهبيّ سيؤسّس للشرق الأوسط الكبير والجديد والتي ستتصدّره المجموعات السياسيّة العربيّة المتعدّدة والمتفرّقة، بأرجحيّة منظّمة جماعة الإخوان المسلمين، وليعود الدور التركيّ مستبدلاً الثوب العثمانيّ الإثنيّ بثوب الإسلام السنّيّ المذهبيّ معترضاً التمدّد الإيرانيّ– الشيعيّ، ليقوم مجدّداً انبعاث المثلّث الطامع بإنجاز حصار واغتصاب الأرض العربيّة وصحرائها، الغنيّة بالدول الفاشلة وبالنفط المتدفّق، والفقيرة بالأوطان والغنية بالشعوب النائمة عن نواطيرها.

الرسالة الخامسة:
إسرائيل ستقصف المفاعل لا فرن الصمّون
كتبتُ، بدافع قوميّ، إلى صدام حسين، رسالة حملها إليه المسؤول العراقيّ عن مكتب سورية في القيادة القوميّة ووكيل وزارة الخارجيّة العراقيّة أُعلمهُ: «أنّ صديقاً لبنانيّاً من آل الجميّل تلقّى عرضاً من أحد المهندسين اللبنانيّين من آل خوري يعمل مع الشركة الفرنسيّة التي نفّذت المفاعل النوويّ العراقيّ «تمّوز» يقول: «إنّ الشركة الفرنسيّة سلّمت نسخة عن بعض مستندات هذا المشروع إلى الإسرائيليين، وهذه المستندات تكشف موقع وتفاصيل المفاعل النوويّ. وربّما تسهّل لإسرائيل قصفه قريباً. والمهندس اللبنانيّ- الفرنسيّ يعرض تزويد العراق بنسخة من الوثائق مقابل مبلغ مليون دولار».
عرضت الأمر في رسالة خطّيّة إلى الرئيس صدام نقلها شخصيّاً الصديق نزار حمدون العضو البارز في الحزب ووكيل وزارة الخارجيّة العراقيّة، فطلب صدام حسين منّي الحضور إلى بغداد لمناقشة الموضوع مع أخيه برزان التكريتي الذي كان رئيساً للاستخبارات العامّة. حضرت إلى بغداد مع الصديق الجميّل، فطلب منه برزان أن يُحضِر المهندس اللبنانيّ مع الوثائق لدراستها وتقدير محتواها من الحكومة، فإذا كانت مفيدة فلا خلاف على أتعاب المهندس وتعويضه.
عاد الصديق الجميّل إلى بيروت وبقيتُ في بغداد. لكنّ المهندس اللبنانيّ رفض الذهاب إلى بغداد، وعرض اللقاء في باريس أو لندن لتسليم الوثائق وتسلُّم المبلغ. وبالفعل حضر نزار حمدون من بغداد إلى باريس وعرض أن يتسلّم قسماً من الأوراق لتدقيقها قبل دفع المبلغ، فرفض المهندس عرضه، وتوصّلنا إلى اتفاق جزئيّ على أن يدفع نزار قسماً من المبلغ ويتسلّم بعض الأوراق ليدقّقها، وبعدها يتمّ إيفاء الرصيد وتسلّم كلّ المستندات. فدفع مبلغ 350 ألف دولار أميركيّ نقداً من مكتب السيد سعيد المهدي، التاجر العراقيّ المعروف بعلاقته مع الاستخبارات العراقيّة، في حقيبة نقلتها سكرتيرة سعيد المدعوّة كريستين إلى فندق في لندن متّفق عليه، حيث التقت شخصاً اسمه ع.ع. لبنانيّ، زعم أنّه مكلّف من قبل نسيبه المهندس اللبنانيّ خوري، وقد أحضر قسماً من الوثائق، فتسلّم المال وسلّم الوثائق.
سُلِّمت هذه الأوراق إلى نزار حمدون ليحملها إلى بغداد لدرسها، على أن يعود بالجواب والمبلغ المتبقّي ليتسلّم باقي الملفّ. مرّت أيّام ولم يصل الجواب من بغداد. وأمام إلحاح صديقي والمهندس خوري ونسيبه على طلب الرصيد، ذهبت إلى مكتب سعيد المهدي ليفاجئني بموقف سلبيّ: «إنّ الكشف أثبت أنّ المستندات غير مهمّة وغير مفيدة». وأضاف أنّ العراق لا يملك مفاعلاً نووياً، والمستندات التي سُلّمت إليهم هي لـ «فرن الصمّون» لصناعة الخبز فقط. وبالتالي فإنّ المبلغ الذي دفعه سعيد لن تلتزم به الجهات العراقيّة وسوف يُجري سعيد حسم كامل المبلغ الذي سلّمه إلى نزار حمدون من حسابي لديه.
عندها قررتُ الذهاب إلى بغداد، حيث فاجأني أكثر الجواب الذي نقله لي برزان التكريتي مؤكّداً أنّ المستندات التي أعطيت لنزار غير مهمّة. وزاد أنّ العراق ليس لديه مفاعل نوويّ، وأنّ ما شُبّه بأنّه مفاعل هو مجرّد «أفران صمّون». وأبلغني أنّه لن يعيد دفع المبلغ إلى سعيد المهدي. وهكذا خسرت أنا مبلغ السلفة صاغراً عاجزاً عن استرداده لأنّ المهندس سلّم الوثائق ولأنّ العراق رفض دفع المبلغ إلى سعيد المهدي فاستردّه هذا الأخير من دين لي عليه. وخسرت أيضاً صداقة برزان التكريتي وصداقة وثقة نزار حمدون وحصلت على غضب صدام حسين. وبعد تسعة أشهر من هذا التاريخ، قامت إسرائيل بضرب مفاعل تمّوز النوويّ في العراق ودمّرته، فراح برزان التكريتي يوزّع رسائل «العتب» على فايز قزي الذي لم يكمل عمليّة كشف باقي الوثائق، متناسياً وناكراً أنّه هو الذي رفض تعويض سعيد المهدي عن مبلغ تافه كانت تصرفه الاستخبارات العراقيّة على أيّ مخبر أو عميل، ورفض دفع ثمن الملفّ متذرّعاً بأنّ ذاك البناء النوويّ هو مجرّد مخبز لإطعام الشعب الفقير.
عموماً، هكذا تتصرّف الاستخـــبارات الـــعراقيّة والعــربيّة. تخفي الحقيقة عن أصدقائها وهي تعلم أنّ أعداءها يعرفون كلّ شيء. وعندما تقع في الخطأ، تبحث عن ضحيّة جديدة. وكانت الضحيّة منعي من دخول العراق وإقدام إسرائيل على تهديد المهندس اللبنانيّ وطرده من عمله في فرنسا.

* كاتب وسياسي لبناني

رابط مختصر