واشنطن علمت بصعود «الدولة» وتجاهلته

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 20 نوفمبر 2015 - 8:44 صباحًا
واشنطن علمت بصعود «الدولة» وتجاهلته

عندما انسحبت الولايات المتحدة من حربها الدموية الطويلة بالعراق عام 2010، اعتقدَتْ أنها قضت على عدوها السابق المفزع وهو تنظيم الدولة، الذي لقب نفسه بأسماء عدة وتجسد في هيئات مختلفة، والذي لم يكن لا مخيفا ولا ذات دولة قبل عام الانسحاب.
وقالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير مطول يرصد صعود تنظيم الدولة: إن الولايات المتحدة والعراق اللذ ين تصديا للتنظيم اعتبرا أن تهديده قد تقلص لدرجة أن الجائزة المرصودة للإدلاء بمعلومات عن أحد زعمائه انخفضت من 5 ملايين دولار إلى 100 ألف.
وأوضح التقرير أنه بعد خمسة أعوام على انسحاب الولايات المتحدة، سلك تنظيم الدول مسارا شديد الاختلاف عما كان عليه، فقد محا أحد الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية قبل قرن، ويعيش تحت قبضته ملايين البشر في العراق وسوريا، بل وتغلب على تنظيم القاعدة، شريكه السابق وغريمه اللاحق، في ميدان القتال وعلى الساحة الجهادية العالمية.
وأضاف التقرير أن أصول تنظيم الدولة تعود إلى معسكرات التدريب الجهادية التابعة لزعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن في أفغانستان، ثم الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وحقق التنظيم انبعاثه الجديد عبر وسيلتين حازمتين: السيطرة على الأرض ووحشية لا توصف، واتخذ من العلم الأسود والرأس المقطوع شعارا له.
ومنذ الربيع الماضي بدأ تنظيم الدولة توسيع عملياته بشكل يتجاوز سيطرته المكانية ليتحول إلى الساحة الدولية، ففي الأسبوعين الماضيين، نفذ التنظيم هذا التوسع بطريقة مذهلة: أولا عبر إعلانه المسؤولية عن إسقاط طائرة روسية فوق سيناء المصرية، وثانيا إرسال فرق من مسلحيه إلى بيروت وباريس لشن هجمات دموية.
ومع اندفاع دول العالم للرد على التنظيم تتراكم الأسئلة حوله: من هو؟ وما غايته؟ وهل تم تجاهل مؤشرات كان يمكنها أن توقف الدولة الإسلامية قبل أن تصبح فتاكة؟
نعم، يجيب التقرير، كانت هناك ملامح عن خطط وإمكانات التنظيم، فقد صدر تقرير عن وكالة استخبارات الدفاع في الولايات المتحدة عام 2012 قال صراحة: «إن الفوضى المتزايدة للحرب الأهلية السورية تفسح المجال أمام جماعات مسلحة إسلامية في سوريا والعراق لبسط لنفوذها، وأن تنظيم الدولة يمكن أن يعلن قيام دولة إسلامية من خلال الاندماج مع منظمات إرهابية أخرى في العراق وسوريا».
عن هذا التقرير أكد الجنرال مايكل فلين مدير وكالة استخبارات الدفاع آنذاك أن «هذا التقرير بشكل خاص، لم يرد أحد أن يلقي نظرة عليه» فقد تجاهله البيت الأبيض، وتجاهلته جهات استخباراتية أميركية بوصفه غير متواتر.
ظهور تنظيم الدولة تسبب بخلق حالة من اللوم المتبادل الذي صار جزءا من النقاش السياسي في الولايات المتحدة وخارجها: فقد تسبب قرار جورج بوش الابن بحل الجيش العراقي بانضمام بعض ضباطه لتنظيم الدولة، فيما ألقي لوم على الرئيس الحالي أوباما لعدم فعله ما فيه الكفاية للتصدي لصعود تنظيم الدولة.
وأضاف التقرير أن تنظيم الدولة، ومع إعلانه الخلافة الإسلامية، جعل من سوريا والعراق ساحة مركزية لصراع عالمي.
هذا الصراع ينخرط فيه الأميركيون بطائراتهم وجنودهم إلى جانب حلفاء لهم، ودخلت روسيا على خط الأزمة وأرسلت طائراتها وصواريخها في تحدٍّ لحالة التراخي واللامبالاة الغربية، وأيضا تدور في تلك الساحة صراعات بين الشيعة والسُّنة، إضافة إلى ذلك تسببت الحرب والفقر في سوريا والعراق بخلق أزمة هجرة هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
ويقول خبير شؤون تنظيم الدولة وليام ماكنتس: ساد انطباع قوي لدى الغرب أن حركات التمرد الوحشية ستفشل، وعليه إذا تركت الدولة الإسلامية لشأنها، فإنها ستدمر نفسها.
ينقل التقرير عن جون برينين مدير المخابرات المركزية الأميركية قوله: إن الولايات المتحدة غادرت العراق 2010 وقضت على معظم مقاتلي تنظيم الدولة بحيث لم يتبق منه سوى 700 مقاتل، لكن عقب الانسحاب الأميركي بدأت التوترات بين السُّنة والحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعية تحت زعامة نوري المالكي، الذي همَّش السُّنة، بحيث صار الانضمام لحركات التمرد ومنها تنظيم الدولة أمرا جذابا مرة أخرى.
يشير التقرير إلى ظهور الحرب السورية كأحد عوامل توسع الدولة الإسلامية، التي سيطرت على بعض مناطق سوريا، وكان أحد أهم ما يميز التنظيم عن باقي الحركات الجهادية والعلمانية أنه كان مشغولا ببناء هياكل ومظاهر دولة والتي أعطاها أولية على قتال النظام السوري، وهو ما أوحى بأن هناك اتفاقا سريا بين تنظيم الدولة ونظام الأسد، هذا الاعتقاد تعزز مؤخرا عندما أسقطت التنظيم من قائمة أهدافها في سوريا.
ويشير التقرير إلى أن خصوم تنظيم الدولة حقروا من شأنها وقوتها في البداية فقط ليفاجؤوا بهجماتها المميتة فيما بعد، ومن هؤلاء باراك أوباما الذي شبه التنظيم بفريق ناشئ.
ويؤكد تقرير نيويورك تايمز أن تنظيم الدولة نجح في الواقع في إقامة مظاهر دولة، إذ قدم الخدمات وفرض الأحكام، وعمل على تمويل نفسه عبر النفط والتجارة.
ويضيف التقرير أن ذروة صعود تنظيم الدولة أتت في يونيو 2014، عندما طرد الشرطة والجيش العراقي من مدنية الموصل ثاني أكبر مدن العراق، ومحا الحدود بين العراق وسوريا.
النصر الثاني، كما يشير التقرير، كان يخطط له خلف الكواليس عندما رفض أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة مطالب زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بأن يخضع لحكم القاعدة، وقال البغدادي: إن الدولة الإسلامية كانت الأبرز وكانت منفصلة عن التنظيم.
ويشير التقرير إلى انقسام المحللين بشأن نشاط تنظيم الدولة، فهناك من يرى أن الولايات المتحدة لا تحدث تقدم في الحملة الجوية ضد التنظيم والمستمرة منذ 14 شهرا، ومنهم السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد الذي يعتقد أن الحملة الجوية تعطي أثرا محدودا، وأنها لن تحدث نجاحا على المدى الطويل.
يعتقد فورد أن الحل الوحيد هو العمل على تسوية سياسية تدمج سنة العراق في شؤون الحكم.
ولفت التقرير إلى أن محللين أميركيين، قالوا قبل هجمات باريس: إن تنظيم الدولة يركز على تعزيز سلطته في أرض «الخلافة» مستبعدين قيامه بهجمات واسعة النطاق حول العالم، على اعتبار أن هذه الاستراتيجية تخص تنظيم القاعدة.
لكن محللين آخرين كانوا متشككين، وجادلوا بأنها فقط مسألة وقت قبل أن يتجه تنظيم الدولة لضرب أوربا والولايات المتحدة بشكل يحتل صدارة الصحف ويزرع الخوف في العواصم الغربية.

رابط مختصر