معلومات بريطانيا وتصرفاتها في كارثة الطائرة الروسية.. مجرد تسييس أم أكثر من ذلك؟

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 9 نوفمبر 2015 - 9:28 مساءً
معلومات بريطانيا وتصرفاتها في كارثة الطائرة الروسية.. مجرد تسييس أم أكثر من ذلك؟

بفارق ساعات قليلة أعلنت موسكو ولندن عن حصول الأولى على “معلومات معينة” من الثانية حول ملابسات سقوط طائرة الركاب المملوكة لإحدى الشركات الروسية الخاصة.
الكرملين أكد أن الجانب البريطاني سلم روسيا “بيانات معينة” حول الكارثة، معربا عن أمله في التعاون مع جميع الدول القادرة على المساعدة في التحقيق. ومن الطبيعي، والبديهي أن لا يعلن أي من الجانبين عن تفاصيل هذه المعلومات أو توجهاتها أو حتى طبيعتها، لأن الأمر ببساطة يتعلق بتحديات واسعة النطاق، بصرف النظر عن النتائج النهائية للتحقيق الدولي الذي تشارك فيه 5 دول هي روسيا وفرنسا وألمانيا وإيرلندا ومصر.

وسائل الإعلام تسعى إلى معرفة تفاصيل جانبية لتوسيع مساحة تسييس الكارثة، والربط بين المكالمة الهاتفية التي جرت بين رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبين قرار روسيا بتعليق رحلاتها الجوية إلى مصر، والتي أشار فيها بوتين، تعليقا على تصريحات كاميرون ووزير خارجيته فيليب هاموند بشأن ترجيح فرضية الإرهاب، إلى أنه كان من الواجب انتظار نتائج التحقيق. غير أن تصريحات كبار المسؤولين البريطانيين التي استبقوا بها نتائج التحقيق، جاءت عبر وسائل الإعلام، ما أثار الكثير من اللغط والتساؤلات حول موقف بريطانيا وتصرفها. وذهب البعض إلى أن هناك قنوات بين موسكو ولندن في مجال تبادل المعلومات، فلماذا لم تستخدم بريطانيا هذه القنوات وفضلت استخدام وسائل الإعلام.

الأمر الثاني والذي تدور حوله التساؤلات أيضا، هو محاولات وسائل الإعلام الربط بين المعلومات البريطانية التي تم تقديمها، وبين القرار الروسي، في إشارات وتلميحات واضحة لاعتماد فرضية محددة.

لا تزال التساؤلات تتزايد بشأن تصرف بريطانيا، سواء في ما يتعلق بتصريحات مسؤوليها لوسائل الإعلام التي استبقت فيها نتائج التحقيقات، أو بشأن طبيعة هذه المعلومات، ولماذا تأخرت لندن في تقديمها متعمدة إثارة ضجة إعلامية حولها.

وعلى الرغم من محاولات تسييس “الكارثة”، ودفع تداعياتها في اتجاهات معينة، إلا أن تصريحات لجنة التحقيق، ومن قبلها تصريحات موسكو والقاهرة، لا تزال ترى ضرورة انتظار نتائج التحقيقات، من ضمنها تفادي خلط الأوراق، وعدم تسييس الحادث.

هذه الصورة العامة تعكس عدم تقدير الموقف والأوضاع والظروف. فالحادث ضخم وخطير بصرف النظر عن نتائج التحقيقات. وهذا الحادث بالذات يفتح الطريق لوضع مصر على قائمة الدول التي يستفحل فيها الإرهاب، ويضر بمصالح الدول الأخرى، وحياة مواطنيها، سواء كانوا سياحا أو دبلوماسيين، أو مواطنين مقيمين ويملكون عقارات في مصر. هذه الرسالة لها مخاطر اقتصادية وأمنية وسياسية، وتبعات وتداعيات ليس فقط على مصر، بل وعلى الدول التي تملك معها علاقات واسعة مثل روسيا.

بصرف النظر عن نتائج التحقيقات، فغالبا، لا تخرج لجان التحقيق بنتائج واضحة ومحددة وقاطعة، ولا يمكن لأي لجنة تحقيق في العالم أن تصل إلى الأسباب الحقيقية والواضحة والمحددة، ومَن وراء الحادث لأسباب كثيرة، على رأسها أن مصر تواجه الإرهاب فعلا، وأنها موجودة في منطقة تعاني من الإرهاب، وأن الكثير من عناصر استخبارات دول كثيرة يعمل في كل دول المنطقة، ومن ضمنها مصر، وأن هناك أيضا عناصر من القوات الخاصة للعديد من الدول الغربية تحديدا تعمل في دول المنطقة. هذا إضافة إلى ارتباط مثل هذه الأحداث بالتحولات السياسية والجيوسياسية والسيناريوهات التي يتم تجريبها في دول المنطقة، وعلى رأسها مصر.

إن غالبية الكوارث من هذا النوع، تبقى مرتبطة بالفرضيات والاحتمالات والروايات المختلفة. وقد تظهر بعض الأسباب الأقرب إلى الواقع، ولكنها تظل في أروقة بنايات أجهزة الاستخبارات، وفي خزائن بعض الساسة والقيادات الأمنية والعسكرية، سواء للدولة التي وقعت فيها الكارثة أو الدول المحيطة أو الدول التي تمتلك الإمكانيات التقنية والعلمية للحصول على المعلومات. وبالتالي، يكون الجزء الأكبر من المسؤولية ملقى على عاتق الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لممارسة مهامها، سواء في تحديد الأسباب والتعامل مع التداعيات، أو الوقوف على الملابسات واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستباق هذه الكوارث أو للرد عليها في ما بعد. هذا الحادث يدخل ضمن قائمة الأحداث الكبرى والألغاز الكبرى التي تستدعي المهنية والاستعداد والصرامة والحسم، والالتزام بالقانون وتأمين الداخل، ليس عن طريق الإجراءات الأمنية العشوائية والقمع والاضطهاد وتصفية الحسابات، بل عن طريق الإجراءات الأمنية المهنية والقانونية، والإجراءات الاقتصادية والمعيشية.

وعلى الرغم من الضجة والحملات الإعلامية التي تثيرها وسائل الإعلام المصرية والروسية حول موضوع السياحة في مصر، فإن هذا القطاع قد يتأثر لفترة، ولكنه لن ينهار. وربما نتذكر أنه عندما ضرب الطيران البرجين في الولايات المتحدة، أوقفت أمريكا نفسها تحليقات الطيران لمدة 5 أيام على أراضيها. وبعد ذلك بدأ الطيران يعمل بشكل طبيعي، وواصل الناس سفرهم إلى أمريكا ومنها.

أما بالنسبة لروسيا، فقد ظلت وسائل الإعلام الغربية تتحدث عن انهيار روسيا وتفككها طوال فترة التسعينيات من القرن العشرين، وإبان الحرب الضروس التي خاضتها روسيا ضد الإرهاب في شمال القوقاز، ووصوله إلى قلب العاصمة موسكو ومع كل ذلك لم تنهار روسيا، ولم تتوقف حركة الطيران فيها، ولم ينهار قطاع السياحة.

وبالتالي، فالمبالغة تهدف إلى تبسيط الأمور، وإيصالها إلى فرعيات، وهما أمران مخلان يساهمان في عملية التضليل والخداع. وربما يكونا جزءا من حملة دفع مصر إلى قائمة الدول التي تتزايد فيها معدلات الإرهاب، ومساواة ما يجري فيها مع ما يجري في دول المنطقة التي تخوض حربا واسعة أيضا ضد الإرهاب.
إن الأولوية الآن لتقرير اللجنة وتحديد الأسباب، والإعلان عنها بصراحة وشفافية وبدون، لكي نستطيع أن نفهم ما حدث، ونكون قادرين على استباقه أو تفاديه في المستقبل، ولكي نتمكن من تقليل الخسائر في حال تكرر الحادث بشكل أو بآخر.

مكافحة الإرهاب (سواء أثبتت نتائج التحقيق فرضية الإرهاب أم لا) ليست مجرد نزهة، وإنما معركة واسعة النطاق في مصر والمنطقة والعالم، وفيها أطراف كثيرة قد لا تكون ظاهرة أو واضحة على الخريطة. وفيها أيضا أطراف مستفيدة، وعوامل داخلية وخارجية، وداعمون، ومستثمرون سياسيون للحدث. كما أن كارثة الطائرة الروسية (أيا كانت نتائج التحقيقات) تُدخل مصر إلى منطقة “الدول التي تشكل خطورة على الأمن الإقليمي والدولي” انطلاقا من أن الإرهاب استفحل فيها وأصبح يشكل خطرا على أمن ومصالح ومواطني الدول الأخرى، وهذا أخطر ما في الموضوع الذي يمكن أن يشكل مخاطر ليس فقط على مصر، بل وعلى الدول الأخرى التي تتعامل معها.

ووفقا للمتابعات، يزداد التفاؤل بحجم المعلومات، وتظهر جهود لجنة التحقيق الدولية. ومن الطبيعي أن تكون الأجهزة الأمنية الخاصة والاستخباراتية، للدول المتضررة في المقام الأول في ذروة انشغالها بالتعامل مع الحادث، باحترافية ومهنية بعيدا عن الفوضى الإعلامية والاتهامات، ومحاولات تسييس الحدث واستخدامه في سيناريوهات إعادة ترتيب المنطقة، وطرح اصطفافات إقليمية ودولية جديدة.

أشرف الصباغ

رابط مختصر