لا أمل لاوروبا من دون ميركل

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 7 نوفمبر 2015 - 3:29 صباحًا
لا أمل لاوروبا من دون ميركل

إعداد ميسون أبو الحب: تواجه انجيلا ميركل اصعب تحدٍ سياسي، حيث ان اوروبا تحتاجها اكثر من اي وقت آخر، فلو نظرنا الى القارة برمتها للاحظنا أن هناك قائدًا واحدًا فيها يحتل موقعًا أعلى من الآخرين، وهذا القائد هو انجيلا ميركل.

في فرنسا، مثلًا، تخلى الرئيس فرانسوا هولاند عن القول إن بلاده تقود القارة الاوروبية، فيما يحوّل رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بريطانيا العظمى الى انكلترا صغيرة، وينشغل ماتيو رينزي بمشكلة الاقتصاد الايطالي.

الأقدر

أما ميركل فبدت وكأن كل مشكلة جديدة واجهتها خلال فترة حكمها منذ عشر سنوات جعلتها تكبر اكثر، فعند ظهور ازمة الديون، مثلًا، بدت مترددة في البداية، غير انها حافظت في النهاية على تماسك منطقة اليورو.

في قضية الهجرة، دافعت عن القيم الاوروبية بكل قوة، وكانت الوحيدة التي اصرت على الترحيب باللاجئين. وأيضًا في مسألة اوكرانيا، فقد نجحت في تحشيد الاوروبيين لفرض عقوبات على روسيا، ما دفع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى الإعتقاد بأنها القائد الاوروبي الوحيد الذي يستحق التحدث معه.

كثيرون انتقدوا مواقفها، وعبروا عن تخوفات من نتائجها المستقبلية، بل ورأوا فيها خطرًا على مستقبل اوروبا، وعلى مستقبل ميركل السياسي نفسه، لكن مجلة “الايكونومست” ترى ان كل هذا الكلام غير منصف بحق ميركل، لان كل التجارب والتحديات التي مر بها الاتحاد الاوروبي أظهرت انه لا يمكن الاستغناء عنها.

وترى الصحيفة ان هيمنة ميركل على المسرح الاوربي تعكس، الى حد ما، أهمية المانيا الاقتصادية والتجارية والمالية، سيّما وان ميركل امضت حتى الآن اطول فترة حكم في اوروبا.

حرباء وعقرب

أهم ما تتميز به ميركل هو تمكّنها من الدفاع عن مصالح المانيا دون التفريط بمصالح اوروبا، فتخلت عن العملة الألمانية لتنقذ اليورو، كما تمكنت من تحييد المشككين من الالمان، وهي حازت، ايضًا، على احترام قادة اوروبا الآخرين، رغم المعارك الطاحنة التي خاضتها ضدهم.

والاهم من هذا كله، هو انها الوحيدة بين قادة وسط اليمين الاوروبيين التي تمكنت من تحقيق كل هذه الانجازات دون تقديم تنازلات للمناوئين للكتلة الاوروبية والمناوئين للمهاجرين، وتعاملت مع اوروبا باعتبارها دعامة سلام وازدهار.

مع ذلك، لا يُمكننا القول إن ميركل كاملة، فهي لا تتمكن تمامًا من فن الخطابة، كما أنها لا تملك رؤى عظيمة، غير ان ما يُميزها يتلخص بقدرتها على ان تكون حرباء سياسية، تتبنى سياسات يسارية لتحتل مكانًا في الوسط، كما تستطيع ان تكون عقربًا يُصفّي منافسيه بكل هدوء.

هي الأقوى

رفض ميركل وضع سقف لعدد اللاجئين الذين يمكن لالمانيا استيعابهم، ادى الى إثارة مخاوف في الداخل، والى انتقادات في الخارج، مع احتجاجات بلديات المانية عديدة، واعتراض من جانب حلفاء سياسيين، واتهامات وجهتها لها دول اوروبا الشرقية، بأنها تفرض ما وصفته “بالامبريالية المعنوية”، فيما بدأ البعض يتحدث عن احتمال فقد ميركل منصبها.

لكن كل هذه الشكوك والمخاوف مُبالغ فيها، فميركل لا تزال شخصية نافذة داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي، وقد أظهر استطلاع رأي حديث، ان 82% من اعضاء الحزب يساندون تزعمها الحزب، و81% يؤيدون حصولها على ولاية رابعة في انتخابات عام 2017، علمًا ان التوقعات تشير الى ان الحزب نفسه سيتولى تشكيل حكومة جديدة بعد تلك الانتخابات، وبالتالي فمن المرجح الّا تغادر ميركل منصبها، إلا اذا ارادت هي ذلك.

لا بدائل

الرافضون يخطئون في الاعتقاد ان ميركل فقدت توازنها في قضية المهاجرين، بل العكس تمامًا، إذ وجدت فيها المستشارة مصدر قوة سياسية ومعنوية، فيما يقول البعض إن تصريحات ميركل زادت من دفق اللاجئين، ولكن هذا غير صحيح، لأن المهاجرين يأتون في جميع الاحوال، وما فعلته هو انها حاولت تجنب الكارثة الانسانية.

من جانب آخر لا يمكن للحواجز على الحدود أن توقف هذا المد، ولا تستطيع ميركل إنهاء الحروب التي تدفع الناس الى مغادرة منازلهم، كما لا يمكنها وضع سياسات البلدان التي يمر بها هؤلاء اللاجئون.

والملاحظ ان معارضيها لا يطرحون اي بدائل، إذ لا مجال لتغيير القوانين الدولية والاوروبية، ولا يمكن في الوقت نفسه الاكتفاء بالتفرج على اللاجئين وهم يغرقون او يموتون بسبب البرد والامطار، ما يعني انه سيكون على الدول الاوروبية تسلم طلبات اللاجئين، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل سيتم ذلك بطريقة منظمة ام فوضوية؟

اربع مراحل

تحت رعاية ميركل هناك سياسة بدأت تتجلى معالمها تقوم على اربع مراحل، وهي احتواء اللاجئين، وتقاسم الحمل مع بقية اوروبا، وحتى خارج اوروبا، ثم تعزيز عمليات التفتيش واستقبال اللاجئين في المناطق الحدودية، والتفاوض مع دول الترانزيت.

وتعتمد هذه السياسة على مبادئ اساسية، رغم ان الامر قد ترافقه نكسات ومخاطر، فمثلًا بالنسبة لتركيا، سيكون هناك غض نظر عن انتهاكات الحريات المدنية فيها بالإضافة إلى تنازلات اخرى، مقابل ان تؤدي انقرة دور حارس بوابة اوروبا.

أمل أوروبا

لا احد ينكر ان تدفق اللاجئين يزيد الاوضاع سوءًا في اوروبا ويعمق مشاكلها ويوتّر العلاقات بين المانيا والدول الشرقية، في وقت تحتاج فيه اوروبا الى التضامن لاحتواء الخطر الروسي، ولا احد ينكر، أيضًا، ان أزمة اللاجئين تأتي لتضاف الى مشكلة اليونان التي دمرها التقشف، والتي قد تغادر اوروبا في اي لحظة.

الازمة تدفع دولًا اخرى أيضًا، مثل بريطانيا، الى التفكير في استفتاء على عضوية اوروبا، كما تثير احتجاجات شعبية في غير مكان، وبالتالي فإن احدًا لا ينكر أن هذه اكبر ازمة تواجهها اوروبا منذ عقود، ولكن هناك سؤالًا مهمًا جدًا: كيف نوقف تمزّق اوروبا؟

لم تكن ميركل وراء خلق هذه الازمة ولكنها افضل أمل للتعامل معها، ومن مصلحة اوروبا مساعدة المستشارة، بدلًا من تركها تواجه الازمة وحدها. فعادة ما يتقاعد السياسيون او يغادرون مناصبهم عنوة، لكن اوروبا دون ميركل ستجد صعوبة في مواجهة كل هذه الازمات المدمرة.

ايلاف

رابط مختصر