تعديل مسار أم استدارة أميركية في سوريا؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 1 نوفمبر 2015 - 12:36 صباحًا
تعديل مسار أم استدارة أميركية في سوريا؟

مكتب الميادين في واشنطن، بالتعاون مع مركز الدراسات الأميركية والعربية، يستعرض بالتحليل آفاق وانعكاسات إنخراط المزيد من القوات العسكرية الأميركية في سوريا، بينما تمضي واشنطن قدماً في جولة جديدة من المفاوضات السياسية لوضع أسس إنهاء القتال هناك، وتوجيهها دعوة مباشرة لإيران للمشاركة في المفاوضات.
تزامناً مع الانفراج السياسي بعقد مؤتمر فيينا حول سوريا، أعلن البيت الابيض عن قرار احادي الجانب بإرساله ثلة من القوات الأميركية الخاصة إلى الأراضي السورية، بعد صمت طويل تلقى فيه إهانات قاسية من خصومه الجمهوريين وبعض أركان حزبه الديموقراطي، واتهامات بقلة الحيلة والتقاعس وفشل سياسته للتدخل في سوريا.
الإعلان في حد ذاته مثير للجدل، خاصة لناحية توقيته، على خلفية سلسلة لقاءات رسمية غير موفقة لشرح نوايا الادارة في الكونغرس، كان آخرها وأبرزها مثول كل من وزير الدفاع، آشتون كارتر، ورئيس هيئة الاركان، جوزيف دنفورد، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ.
ويشار أيضاً إلى اختتام دنفورد لجولة في المنطقة شملت العراق، مناشداً الحكومة العراقية عدم الاستجابة لطلب استدعاء القوات الروسية لشن غارات مماثلة على تنظيم داعش في العراق. تلتها تصريحات قطرية تهدد بالتدخل العسكري المباشر في سوريا، اعتبرها البعض بأنها جاءت بايعاز من الإدارة الأميركية استباقاً لمواجهة مع الكونغرس لشراء الوقت وانضاج قرار التدخل، لا سيما لرصد الوسائل الإعلامية التباين في توجهات الرئيس أوباما من جهة، وقادته العسكريين من جهة أخرى.
وقد كرر الرئيس باراك أوباما موقفه أينما حلّ وسنحت له الفرصة بأن قطع عهداً للشعب الأميركي بعدم “تواجد قوات برية” في سوريا. في المقابل، انتشرت روايات متعددة حول قيام القوات الأميركية بتنفيذ عدد من العمليات العسكرية مباشرة داخل سوريا.
وزير الدفاع كارتر كان متحفظ جداً في شهادته ولم يقل إلا القليل، بيد أن اللافت للنظر تصريحه حول “انشاء منطقة حظر الطيران” في سوريا، بأنها “غير واردة في المدى المنظور من قبل البنتاغون، ومع ذلك تبقى من ضمن الخيارات” المطروحة، وأضاف مؤكداً أن “الرئيس باراك اوباما لم يسحب أو يخرج من التداول خيار إقامة منطقة حظر الطيران في سوريا”.
أحد ابرز خصوم الادارة وسياساتها المرشح عن الحزب الجمهوري ليندسي غراهام وبّخ الثنائي، كارتر ودانفورد، بلهجة قاسية قائلاً إنه “تداعت الاستراتيجية الاميركية بالكامل. روسيا وايران وحزب الله سيمضون في القتال نيابة عن الرئيس الاسد. أما نحن فليس بوسعنا فعل أي شيء من شأنه دعم القوى التي ترغب بتغيير سوريا إلى الافضل عبر الاطاحة بديكتاتور دمشق”.
خلفية ضرورية
توثيق نيّة الإدارة الأميركية التدخل عسكرياً في سوريا، وبشكل مباشر، ليس بالأمر اليسير أو المتوفر. لكن ينبغي الاسترشاد بوثيقة صادرة عن “معهد ستراتفور” الاستخباري عام 2011، ونشرتها “ويكيليكس” توضح فيه “احتمال” تواجد قوات أميركية خاصة على الأراضي السورية منذ عام 2011.
قبل إعلان الاإارة بقليل نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 28 اكتوبر الجاري، نبأً نسبته إلى “مصدر أميركي مسؤول رفيع المستوى يمهد لاحتمال إقدام الإدارة الأميركية على نشر عدد محدود من القوات البرية الأميركية في سوريا ..”، والذي يأتي تصديقاً لتصريحات وزير الخارجية القطري، خالد العطية، بأن بلاده “قد تتدخل عسكرياً في سوريا كرد على الدخول الروسي على خط المشاركة العسكرية.
لم ينقطع سيل التصريحات الأميركية والدول الحليفة لواشنطن عن الإشارة إلى “احتمال” قيام أوباما إرسال قوة عسكرية مؤلفة من 3000 عنصر للقتال المباشر في سوريا، خاصة عقب إعلان الإدارة عن فشل برنامجها لتدريب وتسليح عناصر معارضة جديدة بلغت كلفته 500 مليون دولار.
في هذه الاثناء “تسربت” أنباء مصدرها وزارة الدفاع الأميركية، تفيد بأن “قوات أجنبية شاركت مباشرة بعمليات مشتركة مع المسلحين منذ بدء الأزمة السورية في شهر آذار 2011”.
وقبيل مثول الثنائي كارتر ودنفورد أمام لجنة في مجلس الشيوخ، هللت وسائل الإعلام الأميركية لشريط فيديو منسوب للبنتاغون بشنّ وحدة من “قوات دلتا” الخاصة عملية مباغتة على معتقل تديره داعش في العراق، أسفر عن “تحرير” 70 معتقلاً من الاكراد، وتكبدت القوة الأميركية مقتل أحد عناصرها. وتم بث الشريط مراراً وتكراراً على كافة الوسائل المرئية والإلكترونية.
وتضاربت الرواية حول صحّة ودقّة ما جرى، وبثت شبكة “ان بي سي” للتلفزة ما اعتبرته توضيحاً للعملية، نسبته لمصادرها، أسهم في تنامي الشكوك مفاده بأن “العملية نفذت بناء على طلب من الحكومة العراقية واولئك الذين أُنقذوا هم من المقاتلين الاكراد ..” بالمقابل، أوردت وكالة “رويترز” للأنباء خبراً على لسان “مسؤول أميركي رفيع”، يؤكد أن الرهائن وعددهم 69 كلهم من العرب، من ضمنهم 20 عنصراً لقوات الأمن العراقية وعناصر في تنظيم داعش اعتقلوا لشبهة التجسس”.
عند هذا المفصل، يرجح أن الغرض من إشهار الفيديو، بصرف النظر عن دقة الرواية الرسمية، كان لخدمة شهادة وزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان المقررة سلفاً، وتأكيد آشتون كارتر بأن بلاده “على أتمّ الاستعداد للانخراط المباشر على الأرض في العراق وسوريا”. وسبق نشر الفيديو اختتام جوزيف دنفورد زيارته العاجلة لبغداد لحثها على عدم التوجه شرقاً بطلب معونة عسكرية من روسيا.
الغرض الآخر لشريط الفيديو هو إرسال الإدارة رسالة قوية لحلفائها العرب مغزاها أن “الولايات المتحدة لا تزال شريك يمكن الاعتماد عليه في الحرب ضد الارهاب”، وتهيئة الرأي العام الأميركي لقيام قواتها المسلحة بالقتال المباشر أيضاً.
واتضحت معالم السياسة الأميركية كثمرة لجهود “المراجعة” التي أعلنت عنها الإدارة الأميركية، ولم يعد خافياً انخراط قواتها العسكرية مباشرة في القتال، في سوريا تحديداً، وتكرار تجربتها العراقية بتخفيف الضغط الميداني على قوات داعش، تحت غطاء الدعم ورفد “مستشارين عسكريين”.
لا أحد من المعنيين لديه استعداد للإقرار بحقيقة إطلاق صفة “العدوان” على سوريا، عند الأخذ بعين الاعتبار أن قرار واشنطن أحادي الجانب، يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي وفاقداً للشرعية، كونه لم ينتج عن قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي، أو نتيجة طلب من الحكومة السورية التي لا زالت شرعية ومعترف بها في الامم المتحدة.
ومن أبرز ردود الفعل أميركياً كان تصريح المرشح الرئاسي السابق رون بول، والد المرشح الحالي راند بول، معلناً “لا أستطيع الإدانة بما يكفي من الشدة. التصعيد العسكري الأميركي غير الحكيم في الشرق الأوسط. أيّاً يكن من استنتج استحسان فكرة إرسال قوات عسكرية أميركية إلى منطقة تشهد غارات من قبل القوات العسكرية الروسية، ينبغي أن يعفى من واجباته”.
عضو الكونغرس السابق رون بول استمر في توجيه نقده اللاذع للسياسة الأميركية مضيفاً أن “هذه الحرب لا تعنينا. نزعة التدخل الأميركية حصدت دماراً بما فيه الكفاية في العراق وسوريا، ناهيك عن ليبيا. آن الاوان للعودة إلى الوطن”.
تعديل الاستراتيجية أم الخطاب؟
ثمة تطور مثير جرى قبل محادثات فيينا في سياق تصريح المسؤولين الروس عن ضرورة مشاركة جميع الاطراف في الحدث، لم يحظ بالاهتمام المطلوب. ألا وهو إعلان روسيا إبرام اتفاق مع الأردن لإنشاء غرفة عمليات مشتركة لمكافحة الارهاب مقرها عمّان. موسكو لم تغفل سياسة الأردن كحليف ثابت وقوي للثلاثي “أميركا وإسرائيل والسعودية”. القراءة الأولية تشير إلى استشعار السلطات الاردنية خطر تمدد داعش، وهو المرابط على حدودها المشتركة مع العراق وسوريا، مما حفزها على اتخاذ خطوة “براغماتية” لدرء الخطر الداهم.
وفي شهادة كارتر المذكورة أكد على أن الإدارة الأميركية “لن تدخر جهداً لتوفير الدعم لشركاء باستطاعتهم شنّ هجمات ضد داعش، أو القيام بتنفيذ تلك المهام مباشرة، سواء عبر الغارات الجوية أو عمل مباشر على الأرض”. الهدف المرئي في خطاب وزير الدفاع أن الأمر يخرج عن نطاق “محاربة” الإرهاب ويرمي لإنقاذ الجماعات المسلحة من هزيمة ماحقة.
في معرض توضيح البيت الأبيض لقراره بإيجاز تدخل القوات الخاصة، والذي اتخذ بالتشاور مسبقاً مع قادة الكونغرس من الحزبين، قال الناطق الرسمي، جوش ايرنست، 30 اكتوبر، أن التدخل في سوريا “يختلف قانونياً” عن التدخل الأميركي في العراق – عندما أرسلت قوة عسكرية إضافية مؤلفة من 3000 عنصر. وأضاف “تهديد الأمن القومي انبثق من سوريا وعانى منه العراق”. واستدرك بالقول إنه “انطلاقاً من حرص الولايات المتحدة وحلفائها في التحالف الدولي على الأمن القومي للعراق أجيز العمل العسكري خاصة، وما يتوفر من قرائن يشير إلى أن الحكومة المركزية في سوريا أما أنها غير قادرة أو غير راغبة القيام بمعالجة الأمر على عاتقها”.
وفي سعيه لطمأنة هواجس الداخل الأميركي من الانخراط مباشرة في حرب طويلة، أوضح البيت الأبيض أن وحدة القوات الخاصة “المتجهة إلى سوريا ليس لديها تفويض بمهمة عسكرية، بل أفقها هو التدريب وتقديم الاستشارة والمساعدة” للقوى الحليفة. وزير الدفاع كارتر ذكر أيضاً أعضاء الكونغرس بأن أوباما “على استعداد لمواصلة توفير مزيد من القدرات ودعم القوة النارية لمساعدة نجاح شركاءنا العراقيين”.
ووجّه البيت الأبيض رسالة إضافية للداخل الأميركي تنفي مسبقاً “أي تغيير على الاستراتيجية الأميركية”، أمام العهد الذي قطعه أوباما لمواطنيه بأنه لن يرسل قواتاً برية تخوض القتال في سوريا. “قلنا بوضوح شديد إنه كانت فعلاً حالات شهدت انخراط قوات عسكرية اميركية على الارض داخل سوريا”. لكن تبريره لم يكن موفقاً مما أضطره للقول إن “ما نقوم به في سوريا هو مواصلة العمل المكثف بعناصر استراتيجيتنا الواعدة والتي حققت بعض التقدم. ذلك بالطبع يعني تغيير. نقوم بتصعيدها”.
“التغيير والتصعيد” في الاستراتيجية الأميركية يشمل مناطق أوسع في سوريا، بعيداً من الحدود الشمالية مع تركيا، تتلخص في “ثلاثية: الغارات والرقة والرمادي”، كما جاء في إقرار وزير الدفاع كارتر أمام أعضاء مجلس الشيوخ. وقال إن الاستراتيجية الأميركية تضع نصب عينيها “مدينة الرقة معقل داعش في الشمال السوري وسنعزز جهود دعمنا للمجموعات التي تقاتل الجهاديين .. التصعيد سيشمل الحملة الجوية، ومن ضمنها انخراط طائرات مقاتلة إضافية أميركية وأخرى تابعة للحلفاء”.
ومما لا شك فيه أن الغارات الجوية الروسية والإنجازات الميدانية التي حققها الجيش السوري، في مدة زمنية قصيرة، شكلت عاملاً ضاغطاً بقوة على القرار السياسي الأميركي بالتصعيد العسكري، وفي الخلفية تمدد الغارات الروسية إلى الأراضي العراقية كما تطالب به بعض القيادات العراقية.
وتجدر الإشارة إلى البعد العملياتي للغارات الجوية الروسية النشطة باستخدام نحو 40 مقاتلة مختلفة، بمعدل 40-80 طلعة جوية مسلحة يومياً، تعادل نصف القدرات الأميركية على شنّ غارات جوية، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار حجم طائرات سلاح الجو المنخرطة وتقلص عدد الغارات الأميركية وانخفاض معدل أهدافها في سوريا.
خيارات تصعيدية أخرى
السؤال الجوهري داخل أروقة صناع القرار الأميركي هو ما المطلوب توفيره وتطبيقه لتعديل سير العمليات الحربية؟ بعيداً عن ديبلوماسية وزير الخارجية جون كيري الذي يكشف عكس ما تضمره الادارة بقوله في محادثات فيينا إن القوات الأميركية في سوريا “لا تستهدف الرئيس الأسد، بل محاربة داعش”.
واشنطن في حيرة من أمرها على الصعيد الإعلامي والشعبي، على الأقل، خاصة للإنجاز الروسي الكبير ببضع مقاتلات، لا يتجاوز عددها 40 طائرة، ومساواته بحجم العمل الأميركي في العراق عبر “الصدمة والترويع”، الذي سخرت له بضعة آلاف من الطلعات الجوية المكثفة. ضمن آفاق تلك المعادلة البسيطة فإن موسكو ربحت الحرب الإعلامية وأضفت مزايا تفوق سلاحها الجوي على مثيله الأميركي، فضلاً عن البعد المعنوي بأن روسيا حليف حقيقي يمكن الاعتماد عليه مقابل تردد وغموض رؤيا في واشنطن.
وتستحضر واشنطن خيار “إنشاء مناطق آمنة” في سوريا، استجابة لرغبة تركيا وضغوط داخلية لأبرز خصومها السيناتور جون ماكين وأقرانه المتشددين. وذهب ماكين أبعد من ذلك بمطالبته بانخراط قوات عسكرية أميركية لانجاز المهمة، يرافقها تغطية وحماية جوية. تعقيدات الساحة السورية لا تبشّر خيراً لدعاة “المناطق الآمنة”، بل تستبعدها أكثر فأكثر مع بقاء نشاط القوات العسكرية الروسية في الأجواء السورية برمتها.
الخيارات العملية المتبقية لواشنطن تتمحور حول محاكاة الغارات الروسية، وربما تكثيف الطلعات الجوية الأميركية دعماً للاكراد في الشمال السوري، الأمر الذي تجسد مؤخراً في “تطهير” بلدة تل أبيض من داعش وسيطرة القوات الكردية عليها.
ينطوي على ذلك الاعداد لاحتمال التدخل عسكرياً لإنقاذ طواقم طيارين أميركيين أسقطت طائراتهم بفعل ما في أراضي سوريا. البيت الابيض أوضح مجدداً توفر خطة طوارىء بهذا الشأن أعدتها وزارة الدفاع “للبحث عن وانقاذ طيارين عسكريين أميركيين .. في إطار خوض عمليات عسكرية ضد داعش” وما تستدعيه من توفير حماية جوية للقوات الأرضية.
ودعا قادة عسكريون أميركيون سابقون، أبرزهم رئيس هيئة الاركان السابق مارتن ديمبسي، بأن الانخراط الفعال يستدعي تدخل مباشر طويل الأجل في سوريا والعراق “يمتد لعقود ثلاثة من الزمن”، بعضهم طالب بقوة عسكرية يتراوح تعدادها ما بين 10،000 الى 30،000 عسكري. صانع القرار السياسي استند إلى رؤية البنتاغون لاعداد الشعب الأميركي لمعركة طويلة “تتخذ أنماطاً متعددة”، منها المشاركة المباشرة والفعلية بأعمال حربية. البعد الآخر في الحرب الأميركية الطويلة يتعلق بطمأنة حلفاء واشنطن الإقليميين التزامها باستراتيجية الحفاظ على عروشهم والحيلولة دون جهود الاطاحة بهم، وفي نفس الوقت عقد تحالفات تتطلبها المصالح الاميركية قد تتعارض مع مصالح الحلفاء.

المصدر: مكتب الميادين في واشنطن بالتعاون مع مركز الدراسات الاميركية والعربية

رابط مختصر