هل يشكل أكراد سوريا سببا للشقاق التركي ـ الأمريكي؟ … حسين محمد

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 31 أكتوبر 2015 - 2:50 صباحًا
هل يشكل أكراد سوريا سببا للشقاق التركي ـ الأمريكي؟ … حسين محمد

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمس إن تركيا ستفعل ما هو ضروري بما في ذلك شن المزيد من العمليات العسكرية لمنع أكراد سوريين متحالفين مع واشنطن من إعلان حكم ذاتي في بلدة تل أبيض.

وهذا هو الموقف الثاني لأردوغان خلال خمسة أيام، حيث أعلن السبت الماضي أن تركيا لن تسمح أن يصبح شمال سوريا ضحية لمشروع الأكراد تحت أي ظرف، ولم يمض يومين على هذا التصريح حتى قصفت الطائرات التركية الاثنين الماضي مرتين أهدافا تابعة لوحدات حماية الشعب الكردي لمحاولتها عبور غرب الفرات.

وفي رسالة سياسية واضحة إلى الولايات المتحدة، أكد أردوغان أن “هذا القصف كان تحذيرا، وأن تركيا لا تحتاج إلى إذن من أحد، وستفعل ما هو ضروري، فهي لا تتحمل كيانا كرديا متمتعا بحكم ذاتي على غرار كردستان العراق على حدودها الجنوبية”.

وزادت المخاوف التركية من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) وجناحه العسكري (YPG) بعد استيلائهم بمساعدة الولايات المتحدة على بلدة تل أبيض في يونيو/ حزيران الماضي من تنظيم الدولة، وما أعقب ذلك من إعلان مجلس القيادة المحلي للبلدة اعتبارها جزءا من نظام كانتونات للإدارة الذاتية الكردية.

وأنشأ أكراد سوريا ثلاث مناطق أو كانتونات للإدارة الذاتية في شمالي البلاد منذ اندلاع الصراع عام 2011، وبالسيطرة على تل أبيض تمت عملية ربط مدينة عين العرب (كوباني) بمنطقة أكبر هي الجزيرة شرقي سوريا على الحدود العراقية، وهي منطقة تمتد على طول نحو 800 كلم تحت حكم الأكراد، الأمر الذي يهدد تركيا التي تنظر إلى الشمال السوري كعمق استراتيجي، من شأن خضوعه للأكراد أن يحوله إلى منطقة خلفية داعمة ومكملة لعمل حزب العمال الكردستاني جنوبي البلاد.

وهذا ما يحدث الآن إلى حد ما، إذ يشن (PKK) هجمات مسلحة شبه يومية ضد قوات الجيش والشرطة التركية أدت في الأسابيع الأخيرة إلى مقتل العشرات وإصابة المئات من أفرد الجيش والشرطة التركية، في وقت تبدو الحكومة عاجزة عن وضع حد لهذه الهجمات.
وحاولت تركيا خلال العامين الماضيين الحد من تنامي المخاطر الكردية على حدودها عبر طرح صيغ عدة، إنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري عند منطقة جرابلس لتكون عازلا جغرافيا بين شمال وشرق المنطقة الكردية في الجزيرة والحسكة والقامشلي وغربها ناحية عفرين بحلب، لكن هذه المنطقة لم تلق تأييدا من الولايات المتحدة، التي تجد نفسها بين مطرقة الأتراك وسندان الأكراد، الذين يشكلون رأس الحربة الرئيسي في محاربة تنظيم “داعش”.

فلا هي قادرة على لجم الأكراد لتوافق مصالحهما، ولا هي قادرة على خسارة تركيا الحليف الضروري في الأزمة السورية بسبب موقعها الجغرافي، وتقوم المقاربة الأمريكية على تطمين الأتراك من جهة بأن واشنطن لن تسمح بكيان كردي يشكل تهديدا لتركيا، في وقت تطمئن الأكراد بأن مصالحهم القومية محفوظة في سوريا فقط.

وربما هذا ما يفسر عدم تزويد الولايات المتحدة الوحدات الكردية في سوريا بالسلاح الثقيل والاكتفاء بتقديم أسلحة خفيفة مع دعم جوي لهم، على الرغم من وجود بعض الأصوات الأمريكية المؤيدة لتزويد الأكراد بالأسلحة الثقيلة، بما في ذلك قاذفات صواريخ مضادة للدبابات ومضادة للطائرات لتمكين “وحدات حماية الشعب” من الاستيلاء على مزيد من الأراضي الواقعة تحت سلطة تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن هذه الخطوة ما تزال مرفوضة أمريكيا لسببين:

الخوف أن يؤدي تعاظم القوة الكردية إلى رد فعل عنيف من عرب سوريا، خصوصا بعد حالة الشك والاستياء بعد قيام الأكراد بعمليات ترحيل قسرية لآلاف السوريين العرب من أراضيهم في شمال سوريا، وهو ما أكدته تقارير لمنظمات دولية، أهمها تقرير “منظمة العفو الدولية”.
الخوف أن ينتقل جزء من هذه الأسلحة إلى حزب العمال الكردستاني (PKK)، وما ينتج عن ذلك من رد فعل قومي تركي عنيف قد يتجاوز الحدود الجغرافية لتركيا، الأمر الذي قد يُحدث خربطة في صفوف التحالف المعادي لـ “داعش”، وخطط الولايات المتحدة في الشمال السوري.
وعلى الرغم من وجاهة هذين السببين في الحيلولة دون تقديم السلاح الثقيل للأكراد، إلا أن واشنطن تخشى إن تأخرت في تقديم السلاح اللازم أن ينعطف الأكراد نحو روسيا، وقد ظهرت بوادر التقارب بينهما خلال الفترة الماضية.

وقد وجدت واشنطن ضالتها في ما سمي “قوات سوريا الديمقراطية” التي تعتبر خليطا عربيا وكرديا، سيحظى بالسلاح الأمريكي غير الثقيل وبدعم تركي شرط عدم عبور الوحدات الكردية غرب الفرات.

لكن للحرب والسياسة نواميسها، إذ قد يجد الأكراد أنفسهم مدفوعين بفعل التجاذب الأمريكي ـ الروسي إلى تأمين مصالحهم القومية بالتحالف مع الطرفين في الوقت ذاته،

ولذلك تحاول واشنطن منذ فترة الضغط على أنقرة للمضي قدما في حل الأزمة الكردية داخل تركيا وإنجاز اتفاق السلام، والانفتاح على حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، وهاتان الخطوتان هما الكفيلتان بعدم جعل الأكراد يلتفتون نحو موسكو.

حسين محمد

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

رابط مختصر