هل فتحت إصلاحات العبادي فرصة لداعش والمليشيات لتحقيق مكاسب؟ … عمر عبد الستار

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 31 أكتوبر 2015 - 2:50 صباحًا
هل فتحت إصلاحات العبادي فرصة لداعش والمليشيات لتحقيق مكاسب؟ … عمر عبد الستار

التقى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الخميس بقادة من الحشد الشعبي ووعدهم حسب مصدر حكومي بإجراء إصلاحات حقيقية، وإشراك جميع مكونات التحالف الوطني بالقرار السياسي والأمني.

ويأتي ذلك بعد شد وجذب خيم على المشهد السياسي العراقي خلال الفترة الماضية حول مسار إصلاحات العبادي التي تراوح مكانها منذ التاسع من آب الماضي دون تقدم حقيقي.

وقد جاء هذا اللقاء بعد تزايد موجة الرفض لحزم الإصلاحات التي أطلقها العبادي، والتي بلغت ذروتها بتلويح بعض الكتل السياسية بسحب التفويض الذي منحته له لتطبيق الإصلاحات، في محاولة من العبادي للتخفيف من حدة المطالبة بإقالته، وكسب ود قادة الحشد الشعبي ومحاولة وإبعادهم عن سطوة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي يطمح للعودة إلى السلطة.

في المقابل، رد نائب الرئيس العراقي المقال نوري المالكي، على هذا اللقاء وانتقد في لقاء متلفز إصلاحات العبادي معتبراً أنها غير دستورية، ومؤكداً أن مناصب نواب رئيس الجمهورية لم تلغ لغاية الآن، ولا تزال في طور النقاش لأن قرار إلغائها يتنافى مع الدستور، وأكد المالكي تقديم شكوى إلى المحكمة الاتحادية حول إلغاء منصبه، موضحاً، أن رئاسة الجمهورية لا يمكن أن تبقى من دون نواب، بحسب ما نص عليه الدستور والقوانين النافذة.
ولم تتوقف موجة الرفض على أطراف التحالف الوطني فحسب، بل وفي سياق متصل، أكد اتحاد القوى العراقية أيضا، عدم قناعة جميع نوابه بالإجراءات الإصلاحية الأخيرة للعبادي، وأوضح بيان صادر عنه، أن الاتحاد تبنى أسلوباً علمياً ومنهجياً في تقييم الأداء الحكومي بعيداً عن التأثيرات السياسية، وبعد انقضاء ثلاثة أشهر على التفويض تبين عدم قناعة جميع نوابه بالإجراءات الإصلاحية التي لم تلامس مطالب العراقيين بصورة عامة، ومطالب المعتقلين والمهجرين والنازحين بشكل خاص، مضيفاً: هذه النتيجة ستحدد موقفنا من قضية إبقاء أو سحب التخويل الممنوح لرئيس مجلس الوزراء. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد وجه رئيس ائتلاف الوطنية إياد علاوي أيضا، انتقادا لاذعا لرئيس الوزراء حيدر العبادي، وعد أن الأخير “لا يكترث للدستور”، وندد بما أسماه الإصلاح الذي لم يصلح.

وهكذا تبدو صورة المشهد السياسي العراقي مرتبكة ومتشابكة في ظل إصلاحات أقدم عليها العبادي بعد عام من توليه منصب رئاسة الوزراء خلفا لسلفه نوري المالكي الذي ترك له إرثا سياسيا سيئا وميزانية خاوية وداعش يسيطر على مدن ومحافظات عراقية عدة. وقد كان منتظر من هذه الإصلاحات أن تسرّ مئات آلاف العراقيين الذين خرجوا في تظاهرات غاضبة تطالب بالإصلاح، فإذا الإصلاحات قد أغضبت شركاء العبادي وغرماءه السياسيين ولم ترض الجمهور الذي طالب بالإصلاح. والسؤال هل كانت خطة العبادي تهدف إلى إغضاب شركائه وخصومه السياسيين أو هكذا أدرك الغرماء والشركاء في العملية السياسية، خصوصا وأن ملامح الإصلاحات تشير إلى منهج يرمي لإنهاء نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في المناصب الحكومية؟ وربما كانت خطوة العبادي في تعيين عماد الخرسان أخيرا في منصب أمين عام مجلس الوزراء دون التشاور مع أطراف التحالف الوطني وغيره القشة التي قصمت ظهر البعير لأن أطراف التحالف الوطني عدوه تصريحا وليس تلميحا نحو إنهاء المحاصصة الحزبية والطائفية ومؤشرا لتوجه العبادي نحو تغيير جوهري ملخصه إحداث تغيير في توازن القوى داخل هيكل الأجهزة الحكومية، وليس على مستوى الأداء السياسي والاقتصادي فقط.

إن زخم الشارع العراقي وتأييد المرجعية الدينية التي طالبت العبادي أن يكون أكثر جرأة في إصلاحاته ولا يكتفي ببعض الخطوات الثانوية التي أعلن عنها مؤخرا كما جاء على لسان أحمد الصافي ممثل المرجعية في خطبة الجمعة في كربلاء، فضلا عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التي دعمت مسار إصلاحاته قد وفرت للعبادي دعما لم توفره الأطراف السياسية العراقية وقوى الحشد الشعبي .

وفي ظل هذا التأرجح بين قوى مؤيدة للإصلاح لاتملك سلطة وأخرى معارضة أخرى تملكها، يبقى الإصلاح نظريا. وإن لم يتم تدارك ذلك بصورة عملية من قبل العبادي فإنه قد يؤدي في نهاية المطاف إلى المحاصصة والتقسيم بدل أن يعالجها وهو مصير آلت إليه أحوال بلاد عربية أخرى تمر منذ سنوات بنفس مايمر به العراق منذ 2003.
إن منظومة الدولة العميقة في العراق أو منظومة اللادولة هي المهيمنة على مكامن القوى في الحكومة والبرلمان وباقي المؤسسات الرسمية والشبه مستقلة. ولن يستطيع العبادي أن يسقط تلك الدولة العميقة التي تعيش على ماكنة الفساد ولكنه يستطيع أن يضعفها بتقليم أظافرها. وربما تكون محنة هبوط أسعار النفط التي أدت إلى تقليم أظافر الحكومة ووضع سلم رواتب جديدة قد قلمت أظافر الحشد الشعبي بنفس الدرجة وجففت تمويله. وذلك يعني أن المحنة كانت منحة أيضا وأن معاناة العبادي والأطراف السياسية وحتى الشعب متشابهة لكن مصائب قوم عند قوم فوائد.

وحتى لو افترضنا لو كان المالكي المنتفض ضد العبادي أو علاوي في رئاسة الوزراء فلن يخترعوا العجلة أو يحلوا الورطة لأن الأزمة ليست أزمة الإصلاحات أو اعتراضات أكثر منها أزمة نظام سياسي أنتج داعش وغيب الدولة وعشعشت فيه مافيات الفساد.

وصحيح أن العبادي عالق وسط مزالق وعوائق متعددة ومعقدة أمنيا وسياسيا واقتصاديا ولها أبعاد محلية وإقليمية ودولية، لكن الواقع يقول إن الكل عالق في هذا الوسط، ولا أفق للخروج منه إلا بتنازل الأطراف جميعا بعضها لبعض وتوافقها لاجتراح حلول غير عادية وصياغة ميثاق اجتماعي جديد يحل أزمة نظام كل أطرافه يدعون الديموقراطية لكن دعواهم في واد ومأواهم في واد آخر.

عمر عبد الستار

رابط مختصر