سلاح الإعلام وديكتاتورية أردوغان

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 28 أكتوبر 2015 - 4:39 مساءً
سلاح الإعلام وديكتاتورية أردوغان

منذ تسلّمه السلطة نهاية عام 2002، كان رئيس حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، واعياً لأهمية الإعلام في حربه لإحكام سيطرته على الدولة والمجتمع التركيين

حسني محلي
أنقرة | في الأشهر الأولى من عهد “العدالة والتنمية”، أقدمت الحكومة على مصادرة صحف وتلفزيونات وإذاعات ومجلات تابعة لمؤسسة “أوزان” الإعلامية، بحجة أن الأخيرة لم تلتزم بتعهداتها المالية للدولة، وهو ما لم يكن صحيحاً على أي حال. وبعد سنوات قليلة من هذا القرار، صادرت الحكومة، تحت الحجة نفسها، وسائل إعلام عديدة تملكها مؤسسة “بيلكين”.

وجاءت حملة المصادرة الثالثة صيف عام ٢٠١٣، واستهدفت قرارات مشابهة وسائل إعلام معارضة للحكومة، تابعة لمؤسسة “شوكور أوفا”. وفي ما بعد، تم بيع هذه الوسائل الإعلامية جميعها إلى مقربين من أردوغان.
وأصدرت الحكومة أمس قراراً هو الرابع من نوعه، صادرت بموجبه محطات تلفزيونية وإذاعات وصحفاً تابعة لمؤسسة “إيبك”، المقربة من الداعية الإسلامي، فتح الله غولن. ومن المتوقع أن يتم بيع هذه الوسائل الإعلامية قريباً لأحد المقربين من أردوغان، كما في المرات السابقة. ومن شأن حملات المصادرة هذه أن تضمن سيطرة أردوغان على نحو 80٪ من وسائل الإعلام، فيما استسلم معظم وسائل الإعلام المستقلة للرئيس الذي بات فوق القانون، بعدما سيطر على المجلس الأعلى للقضاء.
ورضخ العديد من مالكي المؤسسات الإعلامية لتهديدات أردوغان المباشرة وغير المباشرة، فطردوا العشرات من الإعلاميين المعارضين، في الوقت الذي تستمر فيه الملاحقات القانونية والمضايقات والتهديدات الشخصية لمئات آخرين. كما نجح أردوغان في استخدام المجلس الأعلى للإعلام كسلاح قوي ضد محطات التلفزيون المعارضة، التي غرمها المجلس بمبالغ خيالية لأتفه الأسباب.
ولم يعدم أردوغان وسيلة للسيطرة على وسائل الإعلام، فمنع على مؤسسات القطاع العام نشر إعلانات في وسائل الإعلام المعارضة، وحثها على نشر الإعلانات بكثافة في وسائل الإعلام الموالية، كما مارس ضغوطاً على مؤسسات القطاع الخاص وحتى الأفراد لفعل الشيء نفسه، ما خنق إعلام المعارضة مالياً، وعوّم الإعلام الموالي.
وإذا كانت هذه حال وسائل الإعلام الخاصة، فمن الطبيعي أن تكون هيمنة أردوغان على الإعلام الرسمي أشد.
وأظهرت دراسة نُشرت أمس أن التلفزيونات الحكومية بثت، خلال الأيام الـ 25 الماضية، خطابات الرئيس على الهواء مباشرة، ولمدة 29 ساعة؛ كما بثت 30 ساعة من خطابات داود أوغلو وقادة آخرين من حزب العدالة والتنمية، مقابل 5 ساعات لحزب الشعب الجمهوري، وساعة وعشر دقائق لحزب الحركة القومية، و18 دقيقة لحزب الشعوب الديموقراطي، وصفر دقيقة لـ 14 حزباً سياسياً مشاركاً في الانتخابات، يوم الأحد القادم.
وبإضافة ساعات بث الخطابات في الإعلام الخاص، بيّنت الدراسة أن 12 محطة تلفزيونية، بما فيها الحكومية، بثت على مدى 25 يوماً خطابات أردوغان لمدة 138 ساعة، وخطابات داود أوغلو وآخرين من العدالة والتنمية لمدة 338 ساعة؛ وذلك في مقابل 36 ساعة فقط لحزب الشعب الجمهوري، و21 ساعة للحركة القومية، و6 ساعات فقط لحزب الشعوب الديموقراطي.
وهدد أردوغان وتوعد محطات التلفزيون التي لا تنشر خطاباته على الهواء مباشرة، خلافاً للعرف المتبع سابقاً، حيث لا تقوم محطات التلفزيون بنشر خطابات الرئيس أو رئيس الوزراء. ويقول الرئيس علناً إنه سيتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ويترجم ذلك بسعيه لتحويل وسائل الإعلام إلى بوق شخصي له، بحيث لا يسمع الشعب التركي إلا ما يقوله هو حول مجمل تفاصيل السياسة الداخلية والخارجية. وتجلى ذلك باحتلال أردوغان الحيز الإعلامي في الحديث عن الهجوم الإرهابي الذي استهدف أخيراً تظاهرة للمعارضة في أنقرة، حيث اتهم النظام السوري وتنظيم الدولة الإسلامية وحزب العمال الكردستاني وأتباع فتح الله غولن بالمسؤولية المشتركة في العملية الانتحارية التي نفذها عناصر من “داعش”. ويناقض أردوغان نفسه يومياً في تصريحاته، من دون أن يتسنى لأحد محاسبته، في ظل هيمنته على الإعلام والقضاء، واستعداده لتعزيز هذه الهيمنة في حال فوز حزبه بالغالبية المطلقة من المقاعد النيابية في الانتخابات القادمة، في ظل عجز قادة قوى المعارضة الرئيسية عن اتخاذ أي موقف عملي وحازم للحؤول دون ذلك.

رابط مختصر