“الربيع العربي” يترك القدس وحيدة في مواجهة نتنياهو … سامر الياس

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 26 أكتوبر 2015 - 1:52 صباحًا
“الربيع العربي” يترك القدس وحيدة في مواجهة نتنياهو  … سامر الياس

تستثمر إسرائيل مرة أخرى الضعف العربي لتمرير أجندتها في القدس، ووأد الهبة الشعبية اليتيمة بعدما تركت وحيدة، وسرقت منها الأحداث في سوريا والعراق واليمن وليبيا حتى توفير تغطية إعلامية

منذ نحو شهر، يدق الفلسطينيون مرة أخرى جدران الخزان، ويستنهضون همم العرب من دون عودة لصدى الصوت، وتذهب التحذيرات هباء، ويتواصل نزيف دماء الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر.. إذ لم تفلح التهديدات والمخاطر المحدقة بثالث الحرمين وأولى القبلتين في عقد قمة عربية أو حتى اجتماع على مستوى وزراء الخارجية.

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قدم موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على “الاقتراح الممتاز” بنصب كاميرات مراقبة دائمة في الحرم القدسي على أنه تنازل مهم. نتنياهو تعهد بالإبقاء على الوضع القائم في المسجد الأقصى، واستخدام التسمية اليهودية للحرم عندما قال إن “إسرائيل تجدد التأكيد على التزامها، قولاً وفعلاً، بالإبقاء على الوضع القائم في جبل الهيكل من دون تغيير”، قبل أن يعود ويؤكد أن وضع كاميرات مراقبة في الأقصى يصب في مصلحة إسرائيل.

ومن دون الخوض عميقا في تفاصيل أكثر لنتائج جهود كيري الحالية لحل فتيل أحدث موجة في الصراع العربي الإسرائيلي، فالانحياز الأمريكي واضح، وأحدث ما يدلل على ذلك تخفيض المساعدات للسلطة الفلسطينية بنحو 80 مليون دولار لدورها في “التحريض”. ولا يبدو أن واشنطن في السنة الأخيرة من حكم باراك أوباما مستعدة لبذل جهود من أجل الضغط على نتنياهو للتوصل إلى تسوية، ومشروع الدولة الفلسطينية القادرة على العيش مؤجل من إدارة إلى أخرى، فمن وعد بوش الابن، إلى تعهدات أوباما تضيع السنوات، ويستمر مشروع الحكومات الإسرائيلية في تهويد القدس، وتغول الاستيطان، وخنق حياة الفلسطينيين والتضييق عليهم اقتصاديا، وتحويل حلمهم بالدولة إلى مجرد كانونات معزولة، في نظام أشبه بالفصل العنصري السابق في جنوب إفريقيا. ومؤكد أن رضا “لوبي إسرائيل” هو غاية الإدارة الأمريكية منذ عقود وهو ما سوف يترجم بعد أيام بمكافأة مالية تصل إلى أربعة مليارات دولار لتقوية الجيش الإسرائيلي بعد عقد الصفقة النووية مع إيران.

السلطة الفلسطينية على لسان وزير الخارجية رياض المالكي وصفت اقتراح الحل المقدم من كيري بأنه “فخ إضافي” واتهمت اسرائيل بالتخطيط لاستغلال مثل هذه اللقطات للقبض على المصلين المسلمين الذين تعتقد أنهم يحرضون ضدها. والفصائل كذلك رفضت الاقتراح.

وواضح أن الجهد الأمريكي اليوم منصب على الملف السوري، ولا يرغب في أن يشوش أي ملف آخر على مخططات واشنطن، ففي جولة كيري الأخيرة بحث الملف الفلسطيني ثانويا، وربما لذر الرماد في العيون، بينما انصب الجهد على تشكيل تحالفات اقليمية ودولية بعد التدخل الروسي في سوريا.

ومن نافلة القول إن الاهتمام بالقضية الفلسطينية أصبح ضعيفا بعد المصير المأساوي لثورات “الربيع العربي”، وتحولها إلى حروب أهلية، وحروب بالوكالة بصبغة طائفية في بعض الدول، أو قبلية وجهوية أو إثنية، تعيدنا إلى حقبة الدول ما قبل المرحلة الوطنية. لكن تاريخ الوساطة الأمريكية يكشف سعي واشنطن إلى الايحاء بالتحرك لحل “القضية المركزية” في حال التخطيط لتحركات كبيرة في المنطقة أو باستغلال الأوضاع العالمية. وتكفي هنا الاشارة الى أن مؤتمر مدريد للسلام انطلق في 1991 بعدما تم “طبخه” بجولات وارين كريستوفر المكوكية للاستفادة من تفكك الاتحاد السوفيتي، وعاصفة الصحراء في العراق، وحالة التفكك العربي لفتح مسيرة تسوية لم يكتب لها النجاح حتى يومنا هذا، واستغلت واشنطن استعجال أطراف فلسطينية لقطف ثمار الانتفاضة الاولى في 1987 وضغطت باتجاه انهائها وتوقيع اتفاقات أوسلو في 1993. ولم يتوقف الانحياز الأمريكي وتبادل الأدوار مع تل أبيب على هذا، فقد طرحت خريطة الطريق التي أفرغت من مضمونها مع تعديلات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون مع ارتفاع وتيرة دق طبول الحرب لضرب العراق واسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين بحجج اتضح أنها ملفقة وواهية.

وبالعودة إلى جولة كيري الحالية ونتائجها فإن تثبيت الوضع القائم في الحرم القدسي كما كانت عليه الأمور قبل التجاوزات الإسرائيلية الأخيرة، لا يعد حلا، ويعني عمليا السكوت عن كل ما أقدمت عليه حكومة الاحتلال من تهويد للقدس، وزيادة في الاستيطان، وتثبيت للقوانين الجديدة التي تجعل من كل فلسطيني مشتبها به في الإرهاب، وهدفا لرصاصات الجنود والشرطة والمستوطنين. وكعادتها تتجاهل واشنطن لب المشكلة الحقيقية وهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وعدم تنفيذ القرارات الدولية، أو حتى الاتفاقات الموقعة بعد اختلال التوازن لمصلحة إسرائيل. ويبدو أن إسرائيل ستواصل جني خيبات “الربيع العربي” واستثمارها لقمع الفلسطينيين. وحتى لا نغرق في التشاؤم فإن الهبة الحالية، وإن خفتت قليلا، تثبت أن جيل الشباب الفلسطيني الجديد لن يتوقف عن بذل الغالي والنفيس للدفاع عن قدسه وأقصاه، ولن يقبل بعيشة مواطنين من الدرجة الثانية لأصحاب الأرض في داخل الخط الأخضر، أو بحياة تحت تهديد ووعيد إسرائيل في الضفة وغزة والقدس، وأن أي ربيع عربي لا بد وأن يزهر في القدس أولا وأخيرا، وإن طال الزمن.

سامر الياس

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

رابط مختصر