«بروكينغز»: علاقة الدولة والإسلاميين السعوديين عنصر حاسم في سياستها الخارجية

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 25 أكتوبر 2015 - 6:28 مساءً
«بروكينغز»: علاقة الدولة والإسلاميين السعوديين عنصر حاسم في سياستها الخارجية

محمد خالد
منذ أغسطس/آب الماضي أعد معهد بروكينجز الدولي سلسلة دراسات حول بعنوان «مشروع العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي» لمحاولة فهم سياسات الدول الإسلامية المختلفة والمصادر الداخلية لها، والقوي المؤثرة، وضمن هذه السلسلة من الدراسات، حاول بحث أعده «توبي ماثيوث» من جامعة أكسفورد استكشف خلاله «المصادر الداخلية للسياسة السعودية»، ليخلص إلى ما اسماه «الدور الحاسم للإسلاميين السعوديين في تشكيل السياسة الخارجية»، والذي يفسر الكثير من المواقف الحالية فيما يخص سوريا ومصر واليمن و«داعش» وغيرها.

الإسلاميون والدولة ما بعد الربيع العربي
بحسب ورقة معهد بروكينغز عن السعودية فقد «أظهرت الساحة الإسلامية المجزأة في المملكة العربية السعودية مجموعة متنوعة من الاستجابات تجاه الانقلاب العسكري في مصر، والصراع الدائر في سوريا، والحرب التي تقودها المملكة العربية السعودية على اليمن».

ويقول الباحث الأمريكي إنه «في حين تبني مجموعة من شباب الإسلاميين السعوديين والمثقفين، التوجه الديمقراطي، إلا أن الحرب القائمة في سوريا، والنظام السياسي الاستبدادي، والنزعات الطائفية المحلية قد زادت من دعمهم لنموذج التغيير السياسي العنيف الذي يتبناه تنظيم الدولة الإسلامية»، بحسب زعم التقرير.

ويشدد على أنه «يجب أن يتم تحليل الإسلام السياسي في المملكة العربية السعودية في سياق السياسات الإقليمية للمملكة العربية السعودية»، وأن معطيات السياسة الخارجية أصبحت مصدرا للجدل بين الإسلاميين السعوديين، كما أن العلاقة الديناميكية بين الدولة السعودية والإسلاميين السعوديين قد أصبحت عنصرا حاسما في تشكيل السياسة الخارجية السعودية منذ العام 2011.

تقرير «بروكينجز» يري أنه منذ عام 2011، أصبح على الفاعلين الإسلاميين السعوديين أن يتكيفوا مع البيئة الإقليمية المتغيرة على نحو متسارع، وكذلك مع صراعات السلطة داخل الأسرة الحاكمة التي بلغت أوجها بتتويج الملك «سلمان» وتعيين إدارته الجديدة في العام 2015.

ويقول التقرير إنهم (أي الإسلاميين السعوديين) شعروا بالصدمة بسبب الدعم السعودي العلني للانقلاب العسكري في مصر، كما استقبلوا ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» ببعض التعاطف، لأن «الدولة الإسلامية» يمكنها أن تدعم وجهات النظر المناهضة لإيران وللشيعة.

ونوه التقرير إلى أن الانتصارات السريعة التي حققتها «الدولة الإسلامية» ساهمت في زيادة شعبيتها في المملكة العربية السعودية، كما ساهمت في ترويج مقولة أن آلاف من السعوديين ومن دول مجلس التعاون الخليجي انضموا إلى الجماعة كمقاتلين وقادة ومنظرين.

ورغم أنأن التقرير يؤكد إدانة الحكومة رسميا لخلافة «داعش» ووصمها بالإرهاب، ويشير لاتصالات الملك «سلمان» المكثفة مع مختلف القوى الإسلامية عندما كان أميرا للرياض منذ العام 1963، إلا أن الورقة البحثية تري أن «الملك وإدارته الجديدة أقرب إلى الإسلاميين السعوديين، بما فيهم أنصار جماعة الإخوان المسلمين».

ونتيجة لذلك، وربما لأن ذلك يصب مرة أخرى في مصلحة السعودية باعتبارها المدافعة عن «السنّة» في المنطقة، تم تأييد الحرب على الحوثيين في اليمن والتي بدأت في شهر مارس/أذار 2015 من مختلف القوى الإسلامية السعودية من جميع أنحاء الطيف الأيديولوجي.

وقد كانت هذه فرصة لرجال الدين الإسلاميين والشخصيات العامة لكي يعلنوا عن دعمهم للملك الجديد والقيادة السعودية، بالإضافة إلى السياسات السعودية الإقليمية، دون أن يفقدوا ماء الوجه أمام أنصارهم.

ساحة إسلامية مجزأة
المشكلة في السعودية وفق ما يراها التقرير الأمريكي هي أنه بينما في معظم الدول العربية الأخرى، يواجه الإسلاميون إلى حد كبير أنظمة علمانية وقومية، ويجري تهميشهم، يشكل الإسلام السياسي و«الإسلاميون» داخل المملكة وضعا مختلفا.

فعلى عكس معظم الدول العربية الأخرى، يتمتع العلماء المسلمين بقدر كبير من السلطة في النظام السياسي السعودي، ويشغلون مناصب رئيسية مثل القضاة والوزراء والمسؤولين في الشرطة الدينية.

كما تقوم المملكة ببعض الأشياء التي يريد الإسلاميون أن يرونها مطبقة في دولة إسلامية مثالية، مثل فرض الأخلاق العامة، وطريقة اللبس، وإغلاق المحال التجارية في أوقات الصلاة، والفصل بين الجنسين، وجمع الزكاة، والدعوة في الداخل والخارج، ودور الشريعة في القانون.

ولذلك فإن الساحة الإسلامية معقدة للغاية ومختلطة، والعديد من الشخصيات الإسلامية الكبيرة يتم توظيفها بواسطة الدولة، بينما هؤلاء الذين يعملون خارج أجهزة الدولة الرسمية يتداخل عملهم مع عمل المؤسسات التي تسيطر عليها الحكومة في كثير من المجالات كما يحدث في المساجد والجمعيات الخيرية ووسائل الإعلام على سبيل المثال، بحسب ورقة «بروكينجز».

تصنيف الساحة الإسلامية السعودية
ويمكن تصنيف الساحة الإسلامية السعودية وفقا للورقة على النحو التالي:

أولا: الوهابية الرسمية، والتي تضم رجال الدين بهيئة كبار العلماء، والعلماء الموجودين في القضاء والشرطة الدينية بالإضافة إلى بعض قطاعات التعليم، وهؤلاء أيدوا الدولة ودورها في مناهضة الثورات العربية.

حيث وصف «عبد العزيز آل الشيخ» مفتي عام المملكة، التظاهرات في الدول العربية بأنها «كانت ضد الإسلام»، كما أيد الانقلاب العسكري في مصر في عام 2013، وأيد المفتي أيضا الحملة ضد المعارضة، وخاصة الشيعة، كما أدان أيضا تنظيم «الدولة الإسلامية» ودعم التدخل الذي تقوده السعودية في اليمن.

ثانيا: مجموعة الصحوة أو ما بعد الصحوة، وهؤلاء هم الأشخاص الذين شاركوا في حركة تسمى الصحوة الإسلامية في بداية التسعينيات، التي تأثرت بشدة بجماعة الإخوان المسلمين وقامت بالجمع بين أيديولوجية الإخوان المسلمين والتقاليد الوهابية المحلية، وهي مجموعة تحدت الهيمنة السياسية للأسرة الحاكمة.

وقد دعم هؤلاء الثورات التي قامت في تونس ومصر بالإضافة إلى سوريا واليمن، ورحبوا بوصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر، وقد قاموا هم ومؤيدوهم بزيارة مصر، وإنشاء منافذ إعلامية، واستثمارات في البلاد، وتلك الجماعة تمتلك اتصالات مع أمراء سعوديين بشكل فردي ويمكن توظيفهم من قبل بيروقراطية الدولة.

كما أن بعضهم كان لديهم موقف حاسم من الموقف السعودي تجاه الثورات العربية، مثل الشيخ «سلمان العودة»، الذي وقع على بيان يدعو لإصلاحات سياسية في أوائل العام 2011، وكان هناك بعض التفاعل في عام 2011 وعام 2012 بين إسلاميي الصحوة والليبراليين والإصلاحيين السياسيين من مختلف الانتماءات، وقد حاولوا معا دون جدوى الضغط من أجل الحصول على إصلاحات ديمقراطية في البلاد. وكانت «جمعية الحقوق المدنية والسياسية» أحد المجموعات الرئيسية من وراء هذا التحالف، وقد تم سجن معظم روادها بسبب نشاطهم.

وقد نشر «سلمان العودة» كتابا أثنى فيه على الاحتجاجات الشعبية والثورات العربية بشكل عام وأكد مجددا على موقفه في رسالة مفتوحة للحكومة في 15 مارس/أذار من العام 2013. وحذر في رسالته من انفجار اجتماعي سياسي إذا لم يتم إطلاق سراح السجناء السياسيين، وإذا لم يتم إجراء إصلاحات على الفور.

وفي الفترة من 2011 إلى 2014، كان رجال الدين بحركة الصحوة ومؤيدوهم على خلاف بشكل أو بآخر مع الحكومة السعودية حول كيفية تعاملها مع التحديات الإقليمية (باستثناء جزئي بالنسبة للوضع في سوريا، حيث دعم الجميع المعارضة)، ولكن ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية»، واستيلاء «الحوثي» بعد ذلك على صنعاء عاصمة اليمن في سبتمبر/أيلول 2014 شكل تحديات خطيرة للمملكة العربية السعودية، وتسبب في إعادة التقارب بين الصحوة والنظام السعودي، وخاصة منذ وصول الملك «سلمان» إلى الحكم في أوائل عام 2015.

ثالثا: الجهاديون، وقد كانوا ناشطين بشكل رئيسي في العراق وسوريا، حيث تداخلت السياسات الخارجية للدولة السعودية ودعمها للمعارضة المسلحة مع الأهداف قصيرة الأجل للجهاديين، ولكن النجاحات التي حققتها «الدولة الإسلامية»، وإعلانها الخلافة، والخطاب المناهض للمملكة السعودية الذي يتبناه تنظيم «الدولة الإسلامية» قد قوض هذا التيار، وما تلاها من هجمات لهذا التنظيم داخل المملكة خاصة ضد الشيعة.

رابعا: الإسلاميون الشيعة، وهؤلاء يتركزون في المنطقة الشرقية، وقد حدثت تغيرات كبيرة بين الشيعة منذ بداية الانتفاضات العربية، وظهرت حركة احتجاجات في العام 2011 واستمرت حتى أواخر العام 2013، وكانت الاحتجاجات يقوم بها الشباب، ولكن رجال الدين والزعماء الإسلاميين شكلوا قيادة الحركة.

صراعات ما بعد الدعم السعودي لانقلاب مصر
بعدما منحت المملكة أنصار جماعة الإخوان المسلمين الذين فروا من حملات نظام «جمال عبد الناصر» أو «حافظ الأسد» عليهم في النصف الثاني من القرن العشرين، ملاذا آمنا، وساعد هؤلاء الاخوان في بناء الكثير من المؤسسات التعليمية والدينية، بدأ تيار (الصحوة) في أوائل التسعينيات، في انتقاد الأسرة الحاكمة بسبب تحالفها مع الولايات المتحدة ونشر قوات أمريكية على أراض سعودية من أجل «تحرير» الكويت في العام 1991.

وكانت (الصحوة) مزيجا من الأيديولوجيا والمبادئ التنظيمية للإخوان المسلمين، والتقاليد الدينية الوهابية المحلية، ويُعتقد على نطاق واسع أن تلك الفترة كانت نقطة تحول في العلاقة بين آل سعود والإخوان المسلمين، وهذا يفسر إلى حد كبير مخاوف آل سعود وردود أفعالهم تجاه تمكين جماعة الإخوان المسلمين والفروع التابعة لها في جميع أنحاء المنطقة منذ العام 2011.

وكانت هذه المسألة أمرا حاسما في تشكيل السياسة الخارجية السعودية منذ عام 2011، ولعبت السعودية والإمارات دورا مهما في الانقلاب المصري في عام 2013، واجتمع الأمير «بندر بن سلطان»، رئيس الاستخبارات السعودية في هذا الوقت، مع شخصيات عسكرية مصرية وحث الدول الغربية على دعم الانقلاب العسكري، كما أيد حزب النور السلفي المصري، الذي يقال إن لديه علاقات وثيقة مع السعودية، الانقلاب أيضا.

وعبر أنصار جماعة الإخوان المسلمين عن خيبة أملهم من دعم الخليج للانقلاب، وأدان معظم رجال الدين بالصحوة وغيرهم من القادة الإسلاميين بالمملكة العربية السعودية الانقلاب في مصر، ودور المملكة العربية السعودية في هذا الانقلاب سواء بشكل ضمني أو بشكل صريح.

ولكن المملكة العربية السعودية ضيقت الخناق على هذه الأشكال من المعارضة، وخاصة على أي شخص يبدي تعاطفا مع جماعة الإخوان المسلمين التي تم تصنيفها كجماعة إرهابية في شهر مارس/أذار 2014.

وأصبح استخدام شعار رابعة على تويتر جريمة كما فرضت الحكومة قيودا أيضا على ناشر بارز أصبح نقطة التقاء الناقدين الإسلاميين لسياسات الحكومة السعودية، وقام بنشر دراسات نقدية للمذهب الوهابي، وداهمت معرض الناشر ومنعته من المشاركة بمعرض كتاب الرياض في المستقبل.

ويعتقد أن الدعم السعودي للسيسي كان له علاقة بالاستفادة من مصر في دعم الحرب على اليمن والكشف عن وجود خطة لقوة عسكرية عربية مشتركة في 26 مارس/أذار 2015، والدعم العسكري الذي من المفترض أن تقدمه مصر من أجل أمن دول الخليج في مقابل الدعم المالي والسياسي.

التقاء مصالح ضد «داعش»
فيما يتعلق بالقضية السورية، كان هناك التقاء مصالح بين الدولة السعودية والإسلاميين، ولكن كلا الطرفين كانا يدركان أنهما يؤيدان الثورة السورية لأسباب مختلفة، وأكد «سلمان العودة» على ذلك بالقول إن «حكومة المملكة العربية السعودية قد استخدمت القضية السورية لتصوير نفسها على أنها بطل القوى الثورية بعد أن أصبحت الراعي الرئيسي للثورات العربية المضادة».

وذكر أن المملكة العربية السعودية كانت تسعى نحو مصالحها الاستراتيجية في المنطقة وهذا هو سبب دعمها للثورة السورية، ولكن عندما بدأت الجماعات الجهادية في التطلع نحو طموحات إقليمية أكثر بدلا من الاقتصار على سوريا والعراق فقط، وهو ما يرمز إليه بظهور «الدولة الإسلامية»، بدأ هذا التحالف بين النظام السعودي والإسلاميين بشأن الملف السوري في التلاشي.

وكان لإعلان الخلافة من قبل «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في نهاية شهر يونيو/حزيران من العام 2014 تأثير كبير على المملكة العربية السعودية، حيث أجبر ذلك الحكومة السعودية على إعادة تقييم دعمها للمعارضة في سوريا (بالإضافة إلى العراق) لإن تنظيم «الدولة الإسلامية» سرعان ما ندد بالملكية السعودية وتعهد بالتوسع إلى المملكة.

المصدر | الخليج الجديد

رابط مختصر