إدارة أوباما بين مطرقة موسكو وسندان الجمهوريين … صفوان أبو حلا

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 25 أكتوبر 2015 - 1:41 صباحًا
إدارة أوباما بين مطرقة موسكو وسندان الجمهوريين … صفوان أبو حلا

عاد الجدل في البيت الأبيض من جديد حول ضرورة منطقة حظر جوي فوق سوريا، ولكن هذه المرة لتأمين اللاجئين الفارين من “بطش الجيش السوري والضربات الجوية الروسية”.
The New York Times في تعليق بهذا الصدد، كتبت أن وزير الخارجية جون كيري بين مؤيدي الحظر والمتمسكين به إلى جانب لفيف من كبار المسؤولين المتنفذين في واشنطن.

روسيا من جهتها رفضت بشكل قاطع ومنذ اندلاع الأزمة السورية منطق هذا الحظر، وأكدت أن الدعوات له لا تستند إلى ميثاق الأمم المتحدة وتتعارض مع القانون الدولي.

أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما على وقع هذه المطالبات، فبات بين مطرقة موسكو وسندان دعاة الحرب والمواجهة في بلاده الذين يطالبونه بهذا الحظر بلا كلل، ويحاولون إقحامه في مغامرة قد توصل العالم إلى مواجهة يصعب التكهن بعقباها.

المطالبات الغربية والتركية والعربية بفرض حظر جوي فوق سوريا، تارة لحماية المدنيين وتحييد طيران الجيش السوري “الذي لا شغل له سوى الإغارة على الأحياء السكنية وتدمير البلاد وبناها التحتية”، وأخرى لتمكين اللاجئين من الإقامة على الأراضي السورية “بعيدا عن سطوة النظام”.

مفاهيم الحظر الجوي أو المناطق العازلة في سوريا تحولت إلى مصطلح دارج على كل لسان، حتى إن تلامذة المدارس الابتدائية المقحمين في مظاهرات حشدها الكبار، أخذوا يرددون هذه المطالبة وينادون بها في كل مناسبة.

التلامذة لم يكونوا على دراية بما ترمز إليه مصطلحات كهذه في قاموس واشنطن والناتو، وليسوا على علم بما قد يعقب فرض حظر جو، أو مناطق من هذا القبيل في سماء بلادهم أو على أرضها.

تلامذة المدارس الابتدائية الذين تظاهروا أمام عدسات القنوات الفاعلة في العالم، والتي رصدت أحداث “الربيع العربي” وكانت تصوره حتى قبل حلوله، لم يقرؤوا في الكتب المدرسية ما أفضى إليه هذا الحظر في ليبيا، وقبلها في العراق ويوغوسلافيا، وقيل لهم حينما كانوا يتساءلون عن غاية هذا الحظر، إنه من أجلهم ومن أجل خلاص سوريا “وإحلال الديمقراطية والحرية والعيش الرغيد”.

لم يكن يعلم هؤلاء أن الشيطان يكمن على الدوام في التفاصيل والحيثيات، وأن الطريق إلى دمار سوريا كانت معبدة بالنوايا الحسنة و”بمساعي الدفاع عن الحريات ونشر الديمقراطية”، مساع، ترافقت بتفريخ الإرهاب وإكثاره، وحشد “المدافعين” عن السوريين من آخر أصقاع الدنيا وتيسير توافدهم.

ولم يكونوا على دراية كذلك بأنه ستظهر في قواميس الغرب مصطلحات جديدة وتصنيفات لتميز الإرهابيين والمسلحين بين معتدلين ومتشددين، وكل ذلك باسم الحرية، ومن أجل الديمقراطية، الأمر الذي لا يتحقق بمعزل عن حظر جوي، أو مناطق عازلة في أي بلد تبرز الحاجة فيه للديمقراطية.

بدورهم، يطالب دعاة المواجهة في واشنطن بفرض هذه المناطق “بمشاركة أمريكية” وذلك من أجل اللاجئين ليس إلا. وجون كيري حسب The New York Times اقترح في اجتماع بهذا الصدد حضره لفيف من كبار المسؤولين “تشديد الضغوط على البيت الأبيض لحمل إدارته على القبول باستخدام الطيران الحربي في حماية السوريين من القصف”.

وبالعودة إلى بدايات الأزمة السورية، يبدو أن كيري لا يستذكر أن مقترحه هذا لم يكن الأول من نوعه، وأنه لم يكن طرحا حصريا منه يتمتع بحصانة الملكية الفكرية، وأنه تصدر باقي “الطروحات” الأخرى المنادية بحسم الأزمة السورية في أيام معدودة.

هو كذلك، ربما لا يطلع على تقارير استخبارات بلاده، فضلا عن النشرات اليومية التي تصدرها وزارة الدفاع الروسية وتوثق فيها بالصورة والبرهان الوجود الروسي برا وبحرا وجوا في سوريا، بموجب طلب رسمي وتنسيق مع السلطات الشرعية في دمشق.

وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر وهو على دراية أوسع بما يحدث في الميدان، شكك بفكرة كيري القديمة الجديدة، وأشار إلى أنها ستفضي إلى تعزيز احتمال نشوب “نزاع عرضي مع العسكريين الروس في المجال الجوي السوري”.

وبالرجوع إلى الرئيس الأمريكي أوباما وموقفه الرافض لمغامرة كهذه، فهو لم يسلم من انتقادات دعاة المواجهة، كما لم يتمكن حسب استطلاع أجرته قناة Fox News من إقناع الشارع الأمريكي بـ”ضعف روسيا وإحباطها”.

وأكدت القناة أن 19 في المئة فقط من الأمريكيين يتقبلون رؤية أوباما هذه، بينما يؤمن الباقون من خلال مواقف روسيا وما يحدث في الميدان بنقيض ذلك.

ومما تقدم، يبرز السؤال، هل أن كيري لا يطلع على نشرات الأخبار اليومية، أو يقرأ الصحف على الأقل؟ عن أي حظر جوي يتحدث ورفاقه، هل يريد حظرا فوق مطار “حميميم” السوري، وهل هو يريد حظرا فوق الساحل السوري والأسطول الروسي هناك؟ لماذا لا يفسر كيري ويوضح إحداثيات الرقعة السورية التي يريد حظرا فيها.

والسؤال الذي يتطلب الإجابة عنه أيضا، ألا يكفي من التصعيد ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا، ولماذا لم يقدم البيت الأبيض على تبني حظر كهذا منذ البداية وقبل التدخل الروسي الفعلي في الميدان، ألم يك من الأجدى به فرض الأمر الواقع على موسكو وقطع الشك باليقين، أم أنه لم يقو على ذلك؟

صفوان أبو حلا

المقال الوارد يعبر عن رأي كاتبه، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواه.

رابط مختصر