«ناشيونال إنترست»: كيف يمكن أن تغير تفاعلات السعودية وروسيا وجه الشرق الأوسط؟

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 12:35 صباحًا
«ناشيونال إنترست»: كيف يمكن أن تغير تفاعلات السعودية وروسيا وجه الشرق الأوسط؟

ترجمة وتحرير فتحي التريكي – الخليج الجديد
«سوف نرى»، كان هذا هو رد وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» للمراسل الذي سأله هو من الذي سيقوم بإزالة «بشار الأسد» عن السلطة بالقوة في حال رفض التخلي عنها من تلقاء نفسه.

ورغم أن الكلام المقتضب لـ«الجبير» ربما كان قد صار خارج الحسابات عندما كان يلج سيارته بعد خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فإن هذا المقطع القصير من حديثه قد انتشر بشكل هائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي السعودية. غالبية الناس الذين تشاركوا الرسالة يبدو أنهم كانوا متفقين مع لهجة التحدي التي حملتها. في حين أنه من السابق لأوانه أن نفترض أن المملكة العربية السعودية وروسيا، التي تدعم الآن «نظام الأسد عسكريا» في حربه التي امتدت لأكثر من أربعة سنوات ضد مجموعة واسعة من المتمردين المسلحين والمتشددين الاسلاميين، تتجهان إلى مسار تصادمي، فليس هناك من شك في أن وجهات نظر متباينة حول الأسباب الجذرية للمذبحة التي تدور في سوريا تقف خلف علاقاتهما المتوترة. على الرغم من أن السعوديين قدموا جهودا متضافرة لتوسيع نطاق علاقاتهم مع روسيا على مدى العقد الماضي، فإنه يبقى أن نرى ما إذا كان البلدان سوف يكونان قادرين على التغلب على الخلاف الحاد بينهما بشأن سوريا إضافة إلى التاريخ الطويل من العداء.

لقد كتب وقيل الكثير حول الموقف السعودي الجديد في السياسة الخارجية، وقد اعتمد السعوديون نهجا أكثر تشددا، والذي مثل خروجا صارخا على السياسة التقليدية التي فضلت البقاء على المواجهة. هذا التحول جاء إلى حد كبير كرد فعل على الاضطرابات التي بشر بها الربيع العربي وكذا التصور الواسع بأن الولايات المتحدة في ظل إدارة «أوباما» قررت الانسحاب من الشرق الأوسط، هذا التفكير السعودي الجديد تجلى بطريقة دراماتيكية، في التحالف العسكري الذي تقوده لمملكة العربية السعودية في اليمن للإطاحة بالمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران.

وفي الواقع، فإن السعودية لم تتخل تماما عن بصمتها المعتادة للدبلوماسية الهادئة ما وراء الكواليس. وفي حين أطلقت السعودية حملة عسكرية لم يسبق لها مثيل في اليمن، بهدف إرسال رسالة إلى إيران مفادها أنه لن يسمح لها بالانقضاض على المجال التقليدي للتأثير السعودي في شبه الجزيرة العربية، فإن الملك «سلمان» ونوابه قد شرعوا أيضا في حملة مكثفة لإعادة بناء الدبلوماسية على الفور تقريبا بعد توليه العرش في يناير/ كانون الثاني. و في حين أن اجتماعات متواصلة مع قادة تركيا ومصر واندونيسيا وباكستان وفرنسا والولايات المتحدة تصدرت عناوين الصحف في المملكة العربية السعودية وخارجها، فإن توجه المملكة العربية السعودية للتواصل مع روسيا قد حظى بأكبر قدر من الاهتمام. و قد حصل ذلك أيضا على تأييد واسع في المملكة العربية السعودية.

محاولات للتقارب
ولقي إعلان يونيو/حزيران عن قيام نائب ولي العهد ووزير الدفاع الأمير «محمد بن سلمان» بزيارة رسمية لروسيا ترحيبا من قبل العديد من المحللين والكتاب السعوديين. أغدق بعضهم الثناء على روسيا واصفا إياها بكونها أحد القوى العظمى. وأشار بعضهم إلى أن الاتحاد السوفييتي كان من أوائل الدول في العالم التي اعترفت بالمملكة العربية السعودية بعد تأسيسها عام 1932. وبالإضافة إلى لقائه مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، وقع الأمير «محمد بن سلمان» ست اتفاقيات مع موسكو لتعزيز التعاون في مختلف المجالات بما في ذلك الطاقة النووية. ومع ذلك فإن هذه الزيارة لم تكن أول زيارة رفيعة المستوى بين البلدين، ففي عام 2007، أصبح «بوتين» أول زعيم روسي يزور المملكة العربية السعودية؛ وقد زار الملك السابق «عبد الله» روسيا عام 2003 حين كان وليا للعهد.

ومع ذلك، بسبب ماضي الاتحاد السوفيتي الشيوعي وإقدامه على غزو أفغانستان ذات الأغلبية المسلمة والتي ساعدت السعودية في وضع حد له من خلال تمويل بعض المجاهدين الذين قاتلوا ضد السوفييت، فقد صار البلدان بحذر في تعميق علاقتيهما. وكانت المملكة العربية السعودية تقف بقوة في المعسكر الأمريكي خلال الحرب الباردة، الاتحاد السوفيتي، من ناحية أخرى كان يعتمد على عدد من الأنظمة العربية الثورية التي حافظت على علاقات عدائية مع المملكة العربية السعودية، بما في ذلك مصر «عبد الناصر» وجنوب اليمن، النظام الماركسي الوحيد الذي كان موجودا على الإطلاق في العالم العربي.

أحد المصادر الأخرى للنزاع بين البلدين هي حقيقة أنه، ولسنوات طويلة، اتهمت وسائل الإعلام والمسؤولون الروسيون المملكة العربية السعودية ومنظمات خيرية مقرها السعودية بدعم الانفصاليين من الإسلاميين في الشيشان ونشر النسخة السلفية الأكثر محافظة للإسلام في القوقاز.

من جانبهم، ضمن بعض رجال الدين السعوديين الشيشان ضمن صفوف المسلمين المحاصرين في جميع أنحاء العالم من قبل الأنظمة القمعية جنبا إلى جنب مع الفلسطينيين والبوسنيين والكشميريين. ومع ذلك، بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة، اتخذت الحكومة السعودية تدابير لتنظيم الجمعيات الخيرية الإسلامية لضمان أن الأموال التي يجمعونها لا تذهب إلى تمويل أي جماعات «إرهابية».

في السنوات الأخيرة، أعربت الحكومة السعودية عن شيء من الدعم لسياسة روسيا في الشيشان. في عام 2007، قام «رمضان قديروف»، الذي عينه «بوتين» رئيسا للشيشان، قام بزيارة المملكة العربية السعودية ولقاء الملك «عبد الله». من جانبها، خففت وسائل الإعلام الروسية لهجتها وامتنعت عن اتهام السعودية بنشر الإسلام الراديكالي في روسيا أو في جميع أنحاء الجمهوريات السوفيتية السابقة.

متنافسان طبيعيان
ومع ذلك، فإن نوعا من الإجماع قد تشكل عبر السنين أن البلدين ليس بإمكانهما أن يكونا حلفاء تقليديين. المملكة العربية السعودية وروسيا من المرجح أن يظلا متنافسين طبيعيين ويرجع ذلك إلى سبب بسيط: البلدان هما من أكبر مصدري النفط في العالم ويجدان نفسيهما يتنافسان في الأسواق وخاصة في الصين وغيرها من دول شرق آسيا. في حين أن المملكة العربية السعودية هي أكبر منتج للنفط وربما الأقل تكلفة في العالم، فإن روسيا تنتج النفط بتكلفة عالية وهذا يعني أن البلدين في كثير من الأحيان يحملان وجهات نظر متباينة بشأن مستوى السعر الأمثل. روسيا هي أيضا ليست عضوا في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، في حين أن المملكة العربية السعودية هي أكثر الأعضاء تأثيرا في المنظمة.

القرار الذي اتخذته السعودية خلال العام الماضي حماية حصتها في السوق وليس خفض الإنتاج في محاولة لتحقيق الاستقرار في أسعار النفط، الذي انخفض بنسبة أكثر من 50% منذ يونيو/حزيران 2014، قد أضاف إلى التوترات بين البلدين، ورغم أن بعض المحللين قد أشاروا إلى أن القرار له دوافع سياسية تهدف إلى معاقبة إيران وروسيا على دعمهما لـ«نظام الأسد» في سوريا، فإن هناك القليل من الأدلة تصلح لدعم هذا الرأي، السعوديون يعتمدون بنفس القدر على النفط مثل روسيا وإيران إن لم يكن أكثر من ذلك، ومن المتوقع أن يصل عجز الموازنة في السعودية إلى أكثر من 100 مليار دولار في عام 2015 وهناك دلائل تشير إلى أن انخفاض أسعار النفط قد أجبر صناع السياسة السعودية لتأجيل أو حتى إلغاء بعض المشاريع الرئيسية المرتبطة بالنفط.

هذا لا يعني بالطبع أن السعوديين والروس ليس لديهم أي مصالح مشتركة على الإطلاق. عندما تعاونت السعودية مع شركات النفط العالمية في عام 2003 في محاولة لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي لتلبية التزايد المستمر في استهلاك الطاقة المحلية فإنها لم تستبعد شركات النفط الروسية. في الواقع، تشير التقارير إلى أن أكبر شركة نفط خاصة في روسيا (لوك أويل) كانت هي آخر الشركات الدولية التي قررت وقف البحث عن الغاز الطبيعي في الربع الخالي في المملكة العربية السعودية بسبب انخفاض الأسعار والتوقعات الفقيرة. من جانبها، التزمت المملكة العربية السعودية باستثمارات بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاقتصاد المتعثر في روسيا

على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال المزود الرئيسي للأسلحة للمملكة العربية السعودية، فإن السعوديين يجدون أن تنويع مصادر أسلحتهم تبدو فكرة جذابة. بالإضافة إلى المقاتلات الأوربية والصواريخ الصينية، عقد السعوديون محادثات مع الروس حول إمكانية شراء بعض أنظمة الأسلحة، بما فيها صواريخ إسكندر، ولكن لم تسفر هذه المحادثات عن اتفاقات فعلية حتى الآن. من ناحية أخرى، أثبتت روسيا أنها جاهزة ومستعدة لمساعدة المملكة العربية السعودية في برنامجها النووي الناشئ الطاقة، والذي قدرت تكلفته بـ80 مليار دولار.

روسيا تدعم خصوم المملكة
على الرغم من أن العلاقات الروسية التقليدية مع إيران ظلت واهية حتى أن روسيا قامت بدعم العراق في حربه التي استمرت 8 سنوات ضد إيران في الثمانينيات، إلا أن تلك العلاقات قد تحسنت بعد وفاة «آية الله الخميني» في عام 1989. ساعدت روسيا إيران لبناء مفاعل نووي في بوشهر بعد أن تم التخلي عنها من قبل ألمانيا كما باعتها أنظمة إس-300 للدفاع الصاروخي. مساعدة روسيا لأكبر عدو للمملكة العربية السعودية في المنطقة، إيران، بشأن برنامج الطاقة النووية المثير للجدل، قد زاد بدوره من توتر العلاقات السعودية الروسية.

ورغم كل ذلك، فإن الدعم الروسي لـ«بشار الأسد» والدعم السعودي لعناصر المعارضة المسلحة في سوريا لا يزال يمثل بؤرة التوتر الرئيسية بين البلدين. يمكن للتصعيد الأخير للدور العسكري الروسي في الصراع أن يعيد العلاقات بين الدولتين إلى نقطة العداء. ما يجب أن يكون مقلقا بالنسبة لأنصار توثيق العلاقات على الجانبين هو أن مناورة «بوتين» في سوريا تأتي في الوقت الذي تبدو فيه كل من المملكة العربية السعودية وروسيا قد اعتمدتا سياسات خارجية تعمد إلى التدخل العسكري من أجل ملء الفراغ الأمني المتروك من قبل الولايات المتحدة. في حين أن روسيا ليست غريبة على التدخلات العسكرية، فإن حملة المملكة العربية السعودية في اليمن لم يسبق لها مثيل. ومع ذلك فإنها تحظى بشعبية بين السعوديين حيث يدعو الكثير منهم منذ فترة طويلة إلى تقليل المملكة من اعتمادها على الولايات المتحدة في المسائل الأمنية وتحمل المسؤولية النهائية عن حماية مصالح أمنها الوطني.

ومع ذلك، فقد أعرب بعض الكتاب والمحللين السعوديين عن احترامهم لعزم «بوتين» وسياساته الواضحة، مقارنين بينها وبين الالتزامات الغامضة للرئيس الأمريكي «باراك أوباما» تجاه استقرار منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وأمن السعودية وجزيرة العرب بشكل أكثر تحديدا.

وقد لمح المجتمع الدولي بوضوح ذلك الاختلاف بين المملكة العربية السعودية ومصر حول سوريا في قمة شرم الشيخ العربية في مارس/آذار الماضي. الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» سمح بقراءة رسالة موجهة من قبل الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» بشكل علني أمام جميع الحضور ما دفع وزير الخارجية السعودي الراحل «سعود الفيصل» نحو رد فوري ولاذع. وكان واضحا من تصريحاته أن يحمل روسيا المسؤولية جزئيا عن أعمال العنف في سوريا بسبب تمسكها بدعم «الأسد».

مواجهة عسكرية؟
وقد قوبل التدخل العسكري الأخير لروسيا في سوريا بفزع ليس فقط من قبل المسؤولين السعوديين ولكن أيضا من قبل السعوديين بشكل عام. شكك السفير السعودي في الأمم المتحدة علنا في ادعاءات روسيا أنها تحارب الإرهاب في سوريا. المقولة الاستهلالية التي سبق ذكرها من قبل وزير الخارجية السعودي الحالي تعني ضمنا أن المملكة العربية السعودية سوف تدعم، وربما تقود، محاولة للإطاحة بـ«الأسد» عسكريا.

ومع ذلك، بالنظر إلى أن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن يبدو بعيدا حتى الآن عن تحقيق هدفه المتمثل في استعادة سيطرة حكومة الرئيس «هادي» في صنعاء، يبدو من غير المحتمل أن السعوديين سوف يقدمون على التورط عسكريا في سوريا في المستقبل القريب. ربما يكون من الممكن للمملكة العربية السعودية محاربة الحوثيين وحلفائهم عبر الحدود في اليمن، ولكن استعراض السعودية لقوتها العسكرية في سوريا أمر مختلف جدا في ظل وجود روسيا وإيران وحزب الله الذين يدعمون بنشاط «بشار الأسد».

ليس فقط قرار روسيا بمواءمة نفسها مع خصوم المملكة العربية السعودية إيران والأسد وحزب الله هو ما يقلق السعودية، فهناك شكوك جدية حول النوايا الحقيقية لروسيا في سوريا. الضربات الأولية توحي بأن روسيا قد تكون أكثر اهتماما بمساعدة «الأسد» في هزيمة المعارضة المسلحة بما في ذلك ربما بعض المجموعات المدربة من قبل الولايات المتحدة، أكثر مما تهتم بقتال «الدولة الإسلامية». وقد أعربت السعودية عن قلقها أيضا من أن مشاركة روسيا المباشرة في الصراع سوف تصب في النهاية في مصلحة «الدولة الإسلامية».

أصدر خمسون من العلماء السعوديين البارزين بيانا في وقت سابق من هذا الشهر، يدعون خلاله المسلمين للمشاركة في الجهاد في سوريا. هذا على الرغم من حقيقة أن المملكة العربية السعودية قد جعلت القتال خارج حدوها مجرما قانونا على مواطنيها في العام الماضي. في حين تحاول السعودية الحد من سفر نشطائها للجهاد في الخارج فإنهم يشعرون بالقلق أيضا من إبقائهم في الداخل حيث قاموا بالفعل بتنفيذ هجمات «انتحارية» استهدف 3 مساجد هذا العام. وقد ألقي القبض على المئات من المتشددين المشتبه بهم منذ بداية العام.

التقى الرئيس «بوتين» مرة أخرى مع وزير الدفاع السعودي «محمد بن سلمان» في سوتشي في 11 أكتوبر/ تشرين الأول. على الرغم من أن وزراء خارجية البلدين قد صرحا في أعقاب الاجتماع أن المملكة العربية السعودية وروسيا تتفهمان مخاوف بعضهما البعض حول سوريا فإنه يبقى أن نرى إذا ما كانوا قادرين على التوصل إلى حل وسط. لقد اتخذ كل منهما مواقف حازمة بشأن الصراع ويبدو أنهما ستواصلان الالتزام بدعم حلفائهما. وقد اتخذت روسيا مخاطرة محسوبة بقرارها بالتدخل العسكري. بينما تشعر المملكة العربية السعودية بالضغط بأن عليها القيام بشيء ما. التدابير التي قد تتخذها المملكة العربية السعودية في سوريا يحتمل ألا تغير فقط مسار الصراع ولكن أن تعيد تشكيل هيئة النظام السياسي في الشرق الأوسط.
المصدر | ناشيونال إنترست

رابط مختصر