حلب الألمانية… أنموذج مدن الوطن الذكية

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 4:17 مساءً
حلب الألمانية… أنموذج مدن الوطن الذكية

ما زال مئات الآلاف من اللاجئين العرب والمسلمين يعيشون في معسكرات طارئة ومخيمات لا تحمي من البرد في مختلف المدن الألمانية. ورغم المخاوف من تحوّل بعض الأحياء السكنية في المدن الألمانية إلى “غيتوات” يسكنها الأجانب، طرح المعماري المعروف مانفريد اوسترفالد مشروعًا لإسكان اللاجئين في أوروبا في مدن عصرية، تستجيب لاتجاهاتهم الثقافية والدينية والأثنية.

قضية الاندماج

أطلق اوسترفالد على هذه المدن اسم “مدن الوطن الذكية” Smart Home City، ويفترض انها تنقل اللاجئين إلى “وطن صغير” في ألمانيا، وفي أوروبا أيضًا، عوضًا عن نقلهم (تسفيرهم) مجددًا إلى أوطانهم الأصلية. وما يؤخذ على هذه الفكرة انها لا تأخذ في الحسبان قضية الاندماج، لأن تجميع اللاجئين في مثل هذه المدن قد يعزلهم عن المجتمع الألماني، كما قد يجعلها عرضة للتحول إلى بؤر لنشاط المتطرفين، ناهيكم عن خطورة تحولها إلى هدف سهل للنازيين والمعادين للأجانب عمومًا.

ورد اوسترفالد على هذه المخاوف بالقول ان “السلطات الألمانية” لم ترفض مشروعه حتى الآن، كما ذكّر بمهمة اسكان 12 مليون لاجئ ألماني شردتهم الحرب العالمية في مختلف بقاع العالم، وعادوا بعد انتهاء الحرب في العام 1945. وجرى في ذلك الوقت ترميم المدن الصغيرة التي تضررت أقل من غيرها في الحرب، كما تم بناء مدن صغيرة أنموذجية لهم تحولت لاحقًا إلى حواضر كبيرة. وأسهمت هذه الخطوات في البداية في حل مشكلة نازحي الحرب موقتًا، وهو ما يقترحه المهندس المعماري، لأن فرص العمل أعادت توزيع الناس من جديد، وصار الناس يتنقلون بين المدن بحسب فرص العمل. وهذا ما قد يحدث أيضًا مع اللاجئين من سوريا والعراق والصومال وافغانستان وغيرها.

حلب جديدة

وطرح اوسترفالد تصاميم أول مدينة صغيرة، أطلقت عليها الصحافة الألمانية اسم “حلب الجديدة”، تتسع لأكثر من 30 ألف لاجئ، ويتوسطها مسجد يستجيب لثقافة سكان المدينة المسلمين. ولا يغفل المشروع بناء كنيسة، ومنح الأقليات الدينية الأخرى الفرصة لبناء معابدهم. ويقول المهندس انه سبق له أن حقق مثل هذه المشاريع في الصين وايران ولبنان، ولم تظهر أية تعقيدات تذكر أمام بنائها وادارتها.

تشتمل “حلب الألمانية” على أسواق وملاعب رياضية ومستشفيات ومسابح ومدارس وسينمات وورش عمل، إضافة إلى الكثير من الحدائق والمساحات الخضراء. ومن وجهة نظر اوسترفالد، ينبغي أن تكون المدينة جذابة للسكان وأن يشعروا فيها انهم في “أوطانهم”، ولهذا يقترح اشراك اللاجئين في تخطيطها وبنائها وادارتها أيضًا. وينبغي أن تبنى المدينة الصغيرة للاجئين في ضواحي المدن الكبيرة كي يتم منح سكانها فرصة التنقل بين المنزل والعمل بسهولة.

وعلى هذا الأساس، لا بد في البداية من تعليم اللاجئين الألمانية في دورات خاصة، وتدريبهم على مختلف المهن في الشركات والمصانع والمعاهد المهنية. وسيستخدم المهندس، في بناء البيوت والشقق، عناصر شرقية تشعر السكان بالارتياح، وهي بيوت صغيرة المساحة من عدة طوابق لسكن عائلتين فقط. ويقترح المهندس هنا اعتماد هندسة “بيوت الراين” التي تميز المدن المنتشرة على النهر العظيم، وهي بيوت صغيرة المساحة (مساحة الأرض)، لكنها عالية نسبيًا وملونة ولاتستهلك الكثير من الطاقة.

500 مليون يورو لبناء المدينة

يرى المهندس أن نصف مليار يورو كافية تمامًا لبناء مدينة تتسع لـ 30 ألف لاجئ وتشتمل على كل المواصفات المطلوبة. وصمم اوسترفالد بنايات المدينة، والشقق داخلها، بحيث يجري بسهولة دمج بعضها ببعض، أو تقسيم بعضها حسب الطلب. وقدر أن فترة البناء لن تستمر لأكثر من سنة واحدة تبدأ حال حصول الضوء الأخضر من السلطات.

ويفترض أن لا يتعارض مشروع مدن الوطن الذكية مع مشاريع وزارة البناء الاتحادية التي تواجه أزمة سكن قائمة منذ سنوات في المدن الألمانية الكبيرة. ويمكن لوزارة البناء أن تسد حاجة المواطنين الألمان، فيما يوفر مشروع اوسترفالد السكن للاجئين الجدد. وكانت وزيرة السكن بابرا هيندريكس أعلنت بناء 270 وحدة سكنية في العام 2015، وتخطط لبناء 340 ألف وحدة سكنية في العام المقبل. ويتوقع اتحاد أصحاب العقارات الألماني أن يرتفع الرقم إلى 400 ألف وحدة سكنية جديدة مع نهاية العام 2016. والمهم، بالنسبة، للوزارة، ومع الارتفاع الكبير في أسعار العقارات والايجارات، أن توفر شققًا يتمكن المواطن الضعيف ماليًا من تسديد ايجاراتها.

المدن والأقضية غير متحمسة

تنهمك المدن الألمانية حاليًا في بناء وتأثيث المخيمات والوحدات السكنية الكبيرة “الطارئة” التي تتسع لأعداد اللاجئين الكبيرة، ولا تفكر في مستقبل اسكانهم وتعليمهم وتدريبهم، فهذه خطوات تهتم بها سلطات أخرى.

ويقول راينهاردت فولبيرت، الذي يقود “تاسك فورس” إسكان اللاجئين في مدينة لايبزيغ (شرق)، إن المدينة لا تعرف عدد اللاجئين الذين سيبقون في المدينة، وتقدر أن عدد الذين سيستقرون فيها لا يزيد عن النصف، أي ما يقدر بنحو 5400 لاجئ. ويمكن للايبزيغ، التي فقدت أكثر من 20% من سكانها منذ الوحدة الألمانية، أن تستوعب الكثيرين، لكنّ اللاجئين لا يرغبون في البقاء في المدن الشرقية.

ويرى اولريش كريبس، من بلدية هوختاون، أن اللاجئين يفضلون العيش في المدن الكبيرة بحثًا عن عمل، وتبدو فرانكفورت القريبة من مدينته جذابة جدًا للكثير منهم. واردف قائلًا: “لسنا بحاجة إلى غيتوات”، ولا بد من توزيع سكن اللاجئين بالتساوي بين أحياء المدن.

بالنسبة إلى المعماري اوسترفالد، لا يتعارض مشروعه مع هذه المخاوف التي يطلقها المسؤولون، لأن المدينة ستكون على حافة مدن كبيرة وقريبة من مواقع الشركات الصناعية والتجارية الكبرى التي يتوقع أن تدعم مشروعه ماليًا ومعنويًا. وقال إن مدينة الوطن الذكية ستكون عبارة عن مجموعة من الشقق الموقتة المخصصة لعائلات اللاجئين الكبيرة اعتياديًا، ولكن من الممكن تحويرها بسهولة إلى شقق صغيرة كي تكون بعد ذلك تحت تصرف العازبين والمتقاعدين …إلخ.

ايلاف

رابط مختصر