الصراع على مواقع القرار يعصف بالرباعي الحاكم في تونس

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 3:28 مساءً
الصراع على مواقع القرار يعصف بالرباعي الحاكم في تونس

يواجه الحبيب الصيد رئيس الحكومة التونسية موجة من الغضب من داخل الأحزاب المؤتلفة في الحكومة على خلفية سعيه إلى “تحييد” مواقع صنع القرار الإداري والسياسي عن الارتهان الحزبي حتى أن بعض تلك الأحزاب لوح بـ”سحب” مساندته السياسية للحكومة ما لم تستجب لمطالبها بشأن “حصصها” في التعيينات صلب مؤسسات الدولة.

وارتفع خلال هذه الفترة “غضب” الأحزاب الائتلافية، نداء تونس وحركة النهضة وحزب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر على خلفية قائمة تعيينات في سلك المعتمدين، المعتمد مسؤول محلي أقل رتبة من المحافظ، حيث أعربت تلك الأحزاب عن “استيائها” من تمسك الصيد بالنأي عن التعيينات عن المحاصصة الحزبية وتقديم مقاييس “الكفاءة” عن الانتماء الحزبي.

وبدا الصيد وكأنه يخوض معركة مع الأحزاب المؤتلفة في حكومته من أجل “ضمان الحد الأدنى من حياد مواقع القرار الإداري والسياسي” ضد “ضغوطات” تهدف إلى “الاستئثار” بأكثر ما يمكن من تعيينات المعتمدين خاصة وأن البلاد مقبلة على انتخابات بلدية تراهن عليها الأحزاب للفوز ومن ثمة إدارة الشؤون المحلية.

واعتبر حزب نداء تونس صاحب الأغلبية البرلمانية والتي تقود الحكومة أن “كفاءاته وكوادره لم تلق “نصيبها” سواء في التعيينات التي أجراها الصيد على سلك المحافظين أو في قائمة تعيينات المعتمدين.

ويسعى نداء تونس إلى “الاستئثار” بنصيب الأسد في مختلف التعيينات صلب مواقع القرار الإداري والسياسي باعتباره الحزب الذي يقود الحكومة، والأكثر نفوذا وثقلا في المشهد السياسي العام للبلاد.

وتقول قيادات النداء أنه من “حق” الحزب أن “يستأثر” بالنصيب الأوفر من تعيينات المعتمدين، استنادا إلى شرعية انتخابات خريف 2014 التي أظهرت أن النداء هو القوة السياسية الأولى في البلاد.

وتسعى حركة النهضة الإخوانية التي تمثل القوة الانتخابية الثانية بدورها، إلى “الاستحواذ” على أكثر ما يمكن من التعيينات صلب مواقع القرار الإداري والسياسي بما يتلاءم مع ثقلها الانتخابي وهي ترى أن تعيينات المعتمدين تفتقد للتوازن.

وبدا الاتحاد الوطني الحر أكثر الأحزاب “غضبا” على تعيينات المعتمدين حتى أنه قرر “تجميد” مساندته للحكومة في انتظار ما سيفضي إليه اجتماع كتلته البرلمانية مع الحبيب الصيد السبت القادم وتبليغه رسميا احتجاج الحزب.

وكان محسن حسن رئيس كتلة الاتحاد الوطني الحر شدد في تصريحات سابقة بأن “هناك استياء كبيرا من قبل الحزب ما دفعهم إلى تجميد مساندة كتلته للحكومة”، مضيفا أن “تعيينات المعتمدين هي القطرة التي أفاضت الكأس”.

ويقلل محللون سياسيون من أهمية “ضغوطات” الأحزاب، مشددين على أن الصيد الذي يبذل جهودا من أجل التشاور والتنسيق مع الأحزاب الائتلافية عازم على النأي بمواقع القرار الإداري والسياسي عن المحاصصة الحزبية خاصة وأن الدستور الجديد يمنحه الحق في التعيينات .

وينص الفصل 91 من الدستور على أن “رئيس الحكومة دون غيره هو من يحدد السياسة العامة للدولة” كما ينص الفصل 92 على أنه من صلاحيات رئيس الحكومة “إحداث الوزارات والمؤسسات والمصالح الإدارية وتعديلها وحذفها إضافة إلى إجراء التعيينات والإعفاءات في الوظائف المدنية”.

ووفقا لصلاحيات رئيس الحكومة التي ضمنها الدستور، فإن “حق” الأحزاب الغاضبة على التعيينات لا يتجاوز إبداء الرأي والتقييم”، وليس من حقها دستوريا مساءلته عن أية تعيينات تشمل مواقع القرار الإداري والسياسي.

ويقول محللون سياسيون إن “ملف التعيينات” الذي أثار غضب الأحزاب المؤتلفة في الحكومة يعد مؤشرا قويا على أن الحبيب الصيد بدأ معركة جدية لتحييد مفاصل الدولة ومؤسساتها الجمهورية عن التجاذبات الحزبية ومنطق “الغنيمة” بعيدا عن أية حسابات حزبية.

ويبدو أن الائتلاف الرباعي الحاكم لا يتعاطى مع الشأن العام باعتباره “وحدة حكومية متضامنة” تترفع عن الحسابات الحزبية الخاصة وتقدم “منطق” الدولة الذي يلامس مبدأ المواطنة على “المنطق الحزبي” الذي يرتهن إلى خلفيات واعتبارات لا تتعدى اهتمامات هذا الحزب أو ذاك ورؤيته لإدارة الشأن العام.

ويشدد محللون سياسيون على أنه لا يمكن فهم “حرب” التعيينات التي تشنها الأحزاب المؤتلفة في الحكومة على الحبيب الصيد إلا في إطار نزعة “سطوة” الأحزاب على “القرار الحكومي” باتجاه التعامل مع مواقع القرار الإداري والسياسي على أنها “كعكة” يجب تقاسمها بناء على مدى ثقل الأحزاب ونفوذها السياسي داخل الحكومة وخارجها، لا بناء على خيارات دولة مواطنة تقدم مصلحة الشأن العام على مصالح الأحزاب حتى وإن كانت في الحكم.

ويضيف المحللون أن تلك “الحرب” تعد تؤشرا لا فقط على هشاشة الائتلاف الحاكم بل تؤشر أيضا على أن “الحكومة ليست وحدة سياسية” بل هي خليط حزبي هجين غير متجانس تشقه خلافات حادة، كثيرا ما أعاقت الرفع من أداء الحكومة حتى أنها جردتها من أي إسناد سياسي كاف.

وتعكس نزعة الأحزاب الائتلافية إلى رسم خارطة لمواقع صنع القرار الإداري والسياسي بناء على “تقاسم عادل” و”غنائمي” يرضي الجميع، ثقافة سياسية لتلك الأحزاب لم ترتق بعد إلى المستوى الذي تفاضل فيه “منطق الدولة” عن “المنطق الحزبي”، وتقدم فيه الكفاءة في إدارة الشأن العام على “كفاءة” الولاء الحزبي.

ويرجع المحللون “ضغوطات” الأحزاب الائتلافية إلى غياب المفهوم السياسي للائتلاف، تماما كما تؤكد أن الثقافة السياسية للأحزاب التي حجزت مقاعدها في قصر الحكومة هي “ثقافة حزبية” لم تتحرر بعد من سطوة الخلفيات الفكرية والإيديولوجية والحسابات “الغنائمية” بشأن التعيينات في مواقع صنع القرار.

وتستبطن الضغوطات رفضا لتحييد مواقع صنع القرار الإداري والسياسي عن الاستقطاب الحزبي وهو رفض يستبطن بدوره نزعة خطرة لا تؤمن بتحييد مؤسسات الدولة على “سطوة” أحزاب يبدو أنها لا تمتلك ثقافة سياسية واعية بأن دولة المواطنة تستبعد ومن الأساس ارتهان قرارها الإداري والسياسي لأي حزب من الأحزاب مهما كان نفوذه.

ويقول مراقبون إن “الحرب” حول التعيينات تنذر بتفكك الائتلاف الحاكم في ظل تمسك الأحزاب بـ”سياسة اقتسام” كعكة مراكز القرار، مشددين على أن تلك الحرب ستكون لها تداعيات سياسية مباشرة على أداء حكومة الحبيب الصيد التي تواجه صعوبات بشأن معالجة ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية لم تعد قابلة للتأجيل نظرا لغياب الإسناد السياسي الكافي.

ميدل ايست اونلاين

رابط مختصر