آلة غامضة تنحت الجينوم

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 22 أكتوبر 2015 - 12:26 مساءً
آلة غامضة تنحت الجينوم

إعداد عبدالاله مجيد: الجينوم البشري أطول من الإنسان الاعتيادي، إذ إنه يتكون من نحو مترين من المادة الوراثية، التي يجب أن تجد مكانها المناسب في الخلايا، التي لكل منها نواة تصغرها في الحجم نحو 200 ألف مرة.

شديد التعقيد
لكن الجنيوم ينثني في طويات متعددة، وهو ينثني، بحيث يمكن فتح أي مقطع منه لقراءة ما فيه من جينات واستخدامها. ولا توجد فيه عُقد. فنحن جميعًا نعرف ما تسببه العقد من مصاعب، عندما نحاول لفّ خيط طويل في كرة من دون إحداث عقد فيه.

وأظهر كيميائيون حياتيون في السبعينات أن هذا التكوين المنتظم يبدأ عندما يلتف الحمض النووي حول بروتينات تُسمى هيستونات، لبناء ما يبدو خيطًا من الخرز. ويخفف هذا من مشكلة تعبئة الحمض النووي في الخلايا، ولكنه لا يحلها بأية حال من الأحوال. إذ يجب أن يُطوى الحمض النووي، ويُلوى بطرق شديدة التعقيد، وغير معروفة حتى الآن. وفي النهاية يشكل حلزونات كبيرة.

لا توفر الحلزونات حلًا لمشكلة التعبئة فحسب، بل تضع الجينات على تماس مباشر مع تسلسلات بعيدة تشغلها أو تُطفئها. وبالتالي، فإن الشكل ثلاثي الأبعاد للجينوم يملي عليه وظيفته أيضًا. ولكي نفهم حقًا كيف تُستخدم الجينات، وكيف يُساء استخدامها في حالة المرض، علينا أن ننظر إلى الجينوم على أنه كيان حلقي التوائي مادي، وليس مجرد خيط من الحروف.

تحديد حلزونات
في عام 2014 اتخذ فريق برئاسة إيريز ليبرمان آيدن من كلية بايلور للطب في الولايات المتحدة خطوات مهمة نحو هذا الهدف، ببناء خريطة ثلاثية الأبعاد مفصلة للجينوم البشري. واستخدم هؤلاء الخبراء في رسم الخريطة الوراثية تقنية تُسمى Hi-C لتحنيط الجينوم، وتحديد المناطق التي تتفاعل مع بعضها البعض. وباستخدام هذه الطريقة حددوا ما مجموعه 10 آلاف حلزون، من ملايين الحلزونات، التي يعتقدون أنها موجودة.

كما أظهروا أن الحلزونات تتبع قواعد معينة. وغالبيتها تميل إلى أن تكون قصيرة، وتنشأ في أماكن واحدة، سواء كنا ننظر إلى خلية عصبية أو خلية جلدية أو خلية بشرية أو خلية فأر. وهي على الدوام تقريبًا ترتبط ببروتين يسمى CTCF يقوم بدور المعجِّل. ونظريًا فإن بروتينين من CTCF يرتبطان لفصل مقاطع من الحمض النووي، ثم يلتحمان لصنع حلزون، وإبقائه في مكانه.

منصات هبوط
لكن عندما درس فريق آيدن البروتين بمزيد من الإمعان، وجدوا مفاجأة كبيرة. فالبروتين يتعرف إلى تسلسلات معينة من الحمض النووي، ويلتصق بها، كأنها “منصات لهبوطه”. وتشير هذه التسلسلات إلى اتجاه محدد، يعني أن كل زوج منها يمكن أن يصطف بأربع اتجاهات ممكنة. لكنها لا تفعل ذلك. فهي في الواقع تصطف دائمًا في واحد فقط من هذه التوجهات الأربعة المتقابلة مع بعضها البعض.

ونقلت مجلة أتلانتك عن الطالب سوهاس راو، الذي شارك في المشروع، “أن هذا كان بمثابة قنبلة”، لأنه وكثيرين غيره افترضوا أن الحلزونات تتكون عندما يجد مقطعان من الحمض النووي عائمين بحرية أحدهما قرب الآخر، ويرتبطان لتكوين زوج من بروتينات CTCF.

ويعتقد راو وزميله الطالب أدريان سانبورن أن المفتاح لهذه العملية هو عنقود من البروتينات يبدو وكأنه حلزونات صغيرة ملتصقة ببعضها البعض. ويتجمع العنقود على مقطع من الحمض النووي، بحيث تمر الخيوط الجزيئية الطويلة عبر الحلزون، لتكوين حلزون صغير جدًا، ثم تمر عبر آخر وآخر، الخ. ويُدفع الحمض النووي إلى الخارج، بحيث يستطيل الحلزون أكثر فأكثر. وعندما يصل المركَّب إلى أحد مهابط البروتين CTCF فإنه يتوقف، ولكنه لا يتوقف إلا إذا كانت منطقة الهبوط تشير إلى الاتجاه الصحيح.

تفسير كامل
يكاد أن يكون هذا التفسير كاملًا. فهو يفسر كل ما رآه فريق الباحثين في عملهم: لماذا لا تتشابك الحلزونات، ولماذا تصطف مناطق الهبوط التي يوفرها البروتين CTCF بهذه الطريقة.

وقال كيم ناسمث العالم المتخصص في الكيمياء الحياتية في جامعة أوكسفورد “إن هذه محطة مهمة في فهم البنية ثلاثية الأبعاد للكروموسومات، ولكن البحث، مثله مثل جميع الأبحاث الكبيرة، يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب عنها”. وأضاف إن اللغز الكبير هو كيف تنمو الحلزونات في الواقع. هل هناك منظومة رافعة تمنع الحمض النووي من الانزلاق إلى الوراء؟، وهل مثل هذه المنظومة ضرورية أصلًا؟، وحتى عندما نفهم كيف تتكون الحلزونات، يبقى علينا أن نفهم ما تفعله للجينوم”. وأكد أن الوقت لا يزال مبكرًا لفهم كامل العملية. ثم هناك المشكلة الكبيرة حقًا المتمثلة في أن لا أحد يعرف ما إذا المركَّب الدافع للحمض النووي موجودًا.

فرضيات وألغاز
وكان ناسمث أول من اقترح وجود المركَّب عام 2001، ومنذ ذلك الوقت لم يثبت أحد أنه موجود حقًا، ناهيكم عن تحديد البروتينات التي يحويها. ولعل بروتين CTCF واحد منها، لأنه يرتبط ببروتين يسمى كوهسيون cohesion. عدا ذلك فإن الأمر كله لغز.

ولكن الجينوم يتصرف وكأن المركَّب الدافع شيء موجود. وصمم راو وسانبورن نموذجًا محاكيًا يتنبأ ببنية الجينوم على أساس أن المركَّب حقيقي، ويعمل بالطريقة التي يظنان أنه يعمل بها.

وكانت هذه التوقعات دقيقة، بحيث تمكن الفريق من نحت جينوم كما يشاء. إذ بدأ العلماء اللعب حول مهابط البروتين CTCF بحذف هذه التسلسلات وقلبِها وتعديلها، مستخدمين تقنية قوية لتحرير الجينات. وفي كل حالة كان نموذجهم المحاكي يتوقع كيف ستبدل التغييرات شكل الجينوم ثلاثي الأبعاد، وكيف يبني الحلزونات الموجودة أو يحركها أو يزيلها. وكان النموذج مصيبًا في كل مرة. ونقلت مجلة أتلاتتك عن راو أن النموذج “يتيح لنا إجراء جراحة جينومية، بحيث نستطيع تصميم الجينوم بحجم كبير”.

توجهه يحدد المرض
لهذه القدرة التنبؤية تطبيقات متعددة. فالحلزونات تتيح لمقاطع من الحمض النووي أن تتحكم بنشاط جينات بعيدة. وإذا تمكن البيولوجيون من فهم المبدأ وراء هذه التفاعلات والتنبؤ بنتائجها، فإنهم يستطيعون تصميم دوائر وراثية جديدة بكفاءة أعلى.

وأشار راو إلى ارتباط بعض الأمراض بتوجه الجينوم، وليس بحدوث طفرة، وقد تكون هناك أمراض تُعالج بإعادة حلزون إلى مكانه. وكتب فريق العلماء إن “القدرة على قراءة البناء ثلاثي الأبعاد للجينوم تتحسن تحسنًا متسارعًا، وكما أظهرت تجاربنا في تعديل الجينوم، فإنه بالإمكان ليس قراءة الأنماط التي ينثني بها الجينوم فحسب، بل وكتابتها أيضًا”.

ايلاف

رابط مختصر