الانشقاق عن الصفوف.. أكثر ما يثير حفيظة الجيش المصري

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 17 أكتوبر 2015 - 12:59 صباحًا
الانشقاق عن الصفوف.. أكثر ما يثير حفيظة الجيش المصري
مسؤولو أمن مصريون يعاينون موقع انفجار قنبلة عند القنصلية الإيطالية في القاهرة يوم 11 يوليو تموز 2015. تصوير محمد عبد الغني – رويترز.

من أحمد محمد حسن

القاهرة (رويترز) – لأنه كان ضابط صاعقة بالجيش المصري فقد تدرب في الصحراء ودرس أنظمة التخفي والفرار وتصيد العدو في التضاريس الوعرة.. والآن أصبح هشام عشماوي واحدا من المتشددين الذين يستخدمون ذلك التدريب لغرض آخر: مساعدة الجهاديين على قتال الحكومة المصرية.

خلفية عشماوي العسكرية تجعله مميزا بين الإسلاميين المسلحين الذين يقول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إنهم يشكلون خطرا وجوديا بالنسبة لمصر. وقال مسؤول في جهاز الأمن الوطني لرويترز “عشماوي هو أخطر إرهابي نواجهه الآن لأنه المفكر والمنفذ أحيانا.”

ويقول مسؤولون أمنيون إن الضابط السابق الذي حول ولاءه من تنظيم الدولة الإسلامية إلى تنظيم القاعدة نفذ عمليات تعد من أبرز الهجمات في مصر ومنها محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم في مايو أيار 2013 وقتل النائب العام هشام بركات في هجوم بسيارة ملغومة في يونيو حزيران الماضي.

ومع بدء إجراء انتخابات برلمانية في مصر يوم الأحد المقبل تكشف قصة عشماوي عن حجم التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد. فمصر واجهت متعاطفين مع الإسلاميين في الجيش منذ عام 1981 عندما اغتال ضباط بالجيش الرئيس أنور السادات. واليوم تأمل الدولة التي يرأسها عسكري سابق أن تساعد الانتخابات على إحلال الاستقرار. لكن أفرادا مثل عشماوي يمثلون تحديا.

خلال السنوات العشر الأخيرة كان عشماوي يسخر خبراته العسكرية في أعمال مناوئة لأجهزة الأمن. ومنذ نحو عام انتقل إلى مدينة درنة الليبية معقل المتشددين الإسلاميين القريبة من الحدود مع مصر قادما في شاحنة يحيط به مسلحون وفقا لرواية إيهاب السنوسي المقيم بالمنطقة.

ويقول عدد من مسؤولي الأمن المصريين إن عشماوي يدير في درنة خلية تابعة للقاعدة. ورغم أشرس حملة على التشدد في تاريخ البلاد لم تتمكن قوات الأمن من الإمساك به.

قال ضابط كبير بالجيش في سيناء حيث انضم عشماوي لتنظيم (ولاية سيناء) التابع للدولة الإسلامية “لا نخشى أحدا منهم… لا عشماوي ولا غير عشماوي. صحيح أنه مازال هاربا لكنه سيقع قريبا.”

وأضاف “المشكلة أنه هرب خارج البلاد وتحديدا في ليبيا. قد يتسلل لارتكاب عملية ولكنه يعود هناك مرة أخرى وهذا ما يزيد من صعوبة القبض عليه.”

وتابع قائلا “تراجع العمليات الإرهابية وضبط عناصر تلك المجموعات قبل تنفيذ العمليات يؤكد أننا على الطريق الصحيح. ونحتاج إلى وقت قصير جدا للقضاء على الإرهاب للأبد في مصر.”

ولم يكن ممكنا الوصول إلى عشماوي للحصول على تعليق منه.

* لاعب كرة

عشماوي من مواليد عام 1978 ويقول عنه أقاربه إنه كان حريصا على ممارسة الرياضة وكان يتريث في إبداء آرائه السياسية. انضم لقوات الصاعقة عام 1996 ولم يبد ما يدل على معارضته رئيس البلاد.. حسني مبارك آنذاك.

قال ضابط من معارفه “كان ملتزما وليس متشددا. كان يتفرج معنا على التلفزيون ويشجع الكرة لأنه كان ماهرا في لعب كرة القدم.”

وبعد حوالي عام أبدى عشماوي قدرا أكبر من الالتزام الديني حسب روايات من عرفوه. ورآه البعض يوزع كتيبات جهادية على عسكريين آخرين.

وقال سعيد إسماعيل المجند السابق بالجيش “كان يصحيني نصلي الفجر وكان يتحدث معنا عن ضرورة أن تكون لك شخصيتك وعدم تقبل المعلومات أو الأوامر دون أن تكون مقتنعا بها.”

بدأ عشماوي يصوم بانتظام وكثر انتقاده للحكومة. وفي يوم -حسبما يقول إسماعيل- “اتخانق ورفع صوته على اثنين من المجندين وقال لهما: انتم لازم تتحركوا لنصرة دينكم.. لا تكونوا سلبيين. والنصرة لن تكون إلا بالقوة.”

وبعد أربع سنوات من التحاقه بالجيش نقل عشماوي إلى أعمال إدارية بعد ملاحظة تحدثه عن السياسة والدين. وحوكم عسكريا عندما شوهد يجتمع بعدد من المجندين ويحدثهم عن الدين ويحرضهم على عدم الانصياع لأوامر القيادات.

وضبط أيضا وبحوزته كتب دينية تؤيد الفكر الجهادي وهو يوزعها سرا على المجندين في الجيش.

* تعذيب

يقول أقاربه إن نقطة التحول كانت عام 2006 حين اعتقل صديق له وتوفي في الحجز بعد تعرضه للتعذيب على حد قولهم. بعدها لاحظوا فيه تحولا معنويا حادا.

قال ابن خاله أسامة محمد “قبل هذا الحادث كان ملتزما في التدين مثله مثل أي مصري ولكنه لم يكن متشددا في الدين أو كارها لأفراد الأمن أو الجيش وكان له أصدقاء كثيرون في الشرطة. ولكن بعد هذا الحادث قطع كل علاقته بهم عدا اثنين فقط.”

وفي 2007 قررت محكمة عسكرية طرد عشماوي من الجيش. بعدها اشتغل بالتجارة لفترة وعمل في التصدير والاستيراد بالقاهرة حيث كان يتاجر في الملابس وقطع غيار السيارات. وكان يجتمع مع ضباط سابقين بالجيش في مسجد في العقار الذي يقطنه والده.

وقال مسؤولون أمنيون إن عشماوي أفلت من رقابة المخابرات العسكرية أثناء الفوضى التي سادت بعد الإطاحة بمبارك في 2011.

وتولى الرئيس الإسلامي محمد مرسي السلطة وحين عزله السيسي عام 2013 شن متشددون مقرهم سيناء سلسلة هجمات. وكثفت جماعة (أنصار بيت المقدس) التي غيرت اسمها إلى (ولاية سيناء) هجماتها على أفراد الجيش والشرطة.

انضم عشماوي لجماعة أنصار المقدس عام 2012 وبعد عام أصبح قياديا فيها حسبما قال مسؤولون أمنيون وقاد خلية مختصة بتدريب أعضاء التنظيم على الأعمال القتالية مستغلا خبرته العسكرية.

* معرفة قوية

في عام 2013 وبعد أسبوع من محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق داهمت قوات الأمن منزل عشماوي. وفيه وجدت عددا من الأجهزة الرياضية وحبلا يتدلى من السقف كان يستخدمه في الرياضة فيما يبدو.

وداهمت الشرطة أيضا صالة للألعاب الرياضية واللياقة البدنية في القاهرة كان عشماوي يمارس فيها الرياضة لثلاث ساعات كل يوم جمعة.

وقال مسؤول صالة الألعاب “كان لا يحدث أحدا من المترددين على الجيم. وحين كان يسمع آذان العصر كان يصلي داخل الجيم. لم يكن يحب التكلم في السياسة.”

وفي تصريحات لرويترز قال مسؤول أمني مصري يتعقب عشماوي إنه يراوغ بكفاءة عالية لأنه يعرف طريقة تفكير ضباط الأمن والجيش الذين يتعقبونه. وأضاف “كان يتمكن من الهرب حين كنا نضيق الخناق عليه.”

وفي أواخر 2013 طوق مسؤولو الأمن عشماوي ومتشددين آخرين 24 ساعة في منطقة صحراوية قرب العين السخنة بالقرب من البحر الأحمر. وقال المسؤولون إن خمسة قتلوا بالرصاص لكن عشماوي وشخصا آخر لاذا بالفرار.

وقال ضابط بالقوات الخاصة “كيف حدث هذا؟ لا أعرف.” وقال مسؤول الأمن الذي كان يتعقبه إن لديه معرفة قوية بطرق الفرار في الصحراء ونقاط التفتيش. وأحيانا يرتدي ملابس البدو وأحيانا بنطالا من الجينز وقبعة.

وربما تكون قوات الأمن قد اقتربت في يوليو تموز من القبض على عشماوي أكثر من أي وقت مضى حين قاد هجوما بالرشاشات والقذائف الصاروخية على نقطة تفتيش على طريق واحة الفرافرة قرب ليبيا مما أودى بحياة 22 من حرس الحدود.

وقال المسؤولون إن عشماوي أصيب لكنه نجح في الفرار.

* درنة

حينها توجه عشماوي إلى ليبيا مستغلا حالة الفوضى التي تسود البلاد منذ سقوط معمر القذافي.

ومن الصعب تعقبه في ليبيا. كانت الطائرات المصرية قد قصفت أهدافا للدولة الإسلامية في درنة في فبراير شباط لكن الجيش يبدي ترددا في تعقب عشماوي في بلد مجاور. ويقول مسؤولون أمنيون إنه لا تتوافر معلومات كافية لمواصلة البحث عنه.

وفي نوفمبر تشرين الثاني 2014 أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس التي ينتمي إليها عشماوي البيعة للدولة الإسلامية. وتعتقد مصادر أمنية أن عشماوي اختلف مع الجماعة. ويقولون إن ثلاثة من ضباط الجيش السابقين وشرطيين انضموا إليه في درنة.

وفي يوليو تموز الماضي تعرف مسؤولون أمنيون على صوت عشماوي في رسالة صوتية تدين السيسي وتدعو للجهاد.

وجاء في الرسالة التي نقلها موقع (سايت) الذي يقع مقره في الولايات المتحدة ويتابع مواقع الجماعات الإسلامية المتشددة “أناشد أهلي وإخواني المسلمين بأن هبوا لنصرة دينكم وللدفاع عن دمائكم وأعراضكم وأموالكم.

“هبوا في وجه عدوكم ولا تخافوه وخافوا الله إن كنتم مؤمنين.”

(إعداد أمل أبو السعود للنشرة العربية – تحرير محمد اليماني)

رابط مختصر