مسيحيو العراق في البلاد المستحيلة: الهجرة أفضل

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 12 أكتوبر 2015 - 9:01 صباحًا
مسيحيو العراق في البلاد المستحيلة: الهجرة أفضل

ليس كل سقف يأوي عائلة يسمى بيتا، او هذا ما اكتشفته فيما كنت احاول الاستفهام عن الامر. اتصلت لأحدد موعد المقابلة. “مرحبا كارلو، اين انت؟”. ردّ: “انا في “الكرفان”! كأنه يريد بذلك مواصلة الاحتجاج المرّ على عيش آلاف العوائل المهجرة العراقية من محافظات نينوى والانبار والموصل من دون منازل، بعد سيطرة #داعش عليها من اكثر من عام.

الكرفان. وصلت الى الرقم 48 في مجمع زيونة لإيواء النازحين. انه المكان المخصص لعائلة كارلو المؤلفة من ام وولدين. سألته: لماذا لا تسميه بيتا؟ فاجابني: “ومن يسمّي مكان النزوح منزلا؟! من الواضح ان سؤالي لم يكن ملائما. فـ”كرفان” الهجرة الذي لا تتجاوز مساحته 15 مترا، لا يمكن ان يكون بيتا مناسبا في أي حال من الاحوال.

جحيم “داعش”
ولد كارلوس كامل ايليا (29 عاما) في بغداد، وعاش فيها طفولته وشبابه. ويبدو ان ذلك سبب كاف للتوقف عند معظم محطات المرارة في العراق ما بعد 2003، من خطف وتهجير وعيش في المخيمات، الى الفقر وانعدام فرص العمل. العام 2006، غادرت عائلته الى الموصل، بعد خسارة فادحة تعرضت لها، اثر خطف الوالد في الكرادة في بغداد، وكلّفها نحو 70 الف دولار اميركي.

تلك الحادثة دمرتها، وهبط وضعها الاقتصادي الى الصفر. فلم يبق امامها الا الفرار الى سهل نينوى، حيث التجمعات المسيحية، املا في فسحة من الحياة والأمن خلت منها بغداد. سارت الامور هناك بطريقة مرضية سنوات عدة، رغم عمل كارلوس في تنظيف الشوارع فترة، هو المتخرج من معهد للسياحة.

مع “نكسة حزيران” 2014 وسقوط الموصل وسهل نينوى بيد تنظيم “داعش”، تغيّر كل شيء. بدا لكارلو واسرته ان ما لحق بهما من اشواك بغداد لا يمكن مقارنته بالموت المحقق مع “داعش”. حضرت عناصر داعشية الى المنزل، فحدثت مشاجرة كلامية بينها وبين كارلو، كادت ان تكلفه حياته. اصطحبته الى مركز شرطة تلكيف الذي اتخذته مقرا لها، وعلقته في مروحة سقفيه. اشبعته ضربا، لكنها اخلت سبيله لسبب يجهله. مشى مسافة، قبل ان يسقط مغشيا عليه. ثم استيقظ، فوجد نفسه مرميا في احد مستشفيات محافظة #كركوك القريبة. ولا فكرة لديه عن المعجزة التي انقذته!

العودة الى بغداد
علم كارلو ان اسرته تمكنت من العودة الى بغداد بمشقة، وانها التحقت بمخيم للاجئين. فانضم اليها لاحقا. في رحلة العودة، واجهت مصاعب وتحديات كثيرة، بحثا عن ملاذ اخير. واكتملت اضلاع مأساتها بوفاة الوالد قبل شهرين. ومع ذلك، تبدو حالتها اليوم افضل في المخيم الواقع في منطقة زيونة الراقية شرق بغداد، والمكوّن من 132 كرفانا تشغلها نحو 120 عائلة كلدانية نازحة من سهل نينوى، وذلك بالمقارنة بمخيمات اللجوء المنتشرة في بغداد وبقية المحافظات.

فالمسيحيون حوّلوا المكان، بما عُرف عنهم من عناية استثنائية بالنظافة، بقعة مرتبة ونظيفة، رغم ظلال المرارة التي تخيم عليها. حتى انهم انشأوا مقهى قريبا لمتعهم المتواضعة، يلعبون فيه “الدومينو” و”الطاولي”، ويكررون حكايات تهجيرهم الأليمة على وقع اقداح الشاي.

الهجرة افضل
يفيد “ابو مريم” المكلف من دائرة الاوقاف المسيحية الأشراف على المخيم ان “ثلاث جهات ساهمت في بنائه: “الحركة الديموقراطية الاشورية” منحت الارض، وزارة الهجرة والمهجرين جهزت الكرفانات، ومحافظة #بغداد تولت انشاء شبكة البنى التحتية من ماء وكهرباء”.

ويلفت مختار المخيم جورج ابو انس الى ان “نحو 100 طالب من مختلف المراحل الدراسية انتظموا في الدوام في مدارس قريبة”، مشيرا الى “تلقي بعض المساعدات من الكنيسة، وتوزع على النازحين”. ويرى ان “المعاملة التي تلقاها النازحون في بغداد افضل من تلك التي وجدوها في اقليم كردستان. ومع ذلك، يفضل معظمهم الهجرة، على العودة الى ديارهم في سهل نينوى”.

المصدر: “النهار”
بغداد- فاضل النشمي

رابط مختصر