«فورين بوليسي»: أزمة هوية في طهران .. من يمثل إيران حقا؟

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 9 أكتوبر 2015 - 4:21 مساءً
«فورين بوليسي»: أزمة هوية في طهران .. من يمثل إيران حقا؟

ترجمة وتحرير أسامة محمد – الخليج الجديد
تصر طهران وواشنطن على أن الاتفاق النووي الإيراني لن يؤثر على الاتجاه السياسي الإيراني أو التنافس على السلطة في الشرق الأوسط. كلا الطرفين مخطئان إذ أن الصراع على مكانة إيران في المجتمع الدولي قد بدأ فعليا.

في طريقي من اسطنبول إلى مطار الإمام الخميني الدولي صعقت بمنظر النساء يرتدين أقنعة وخمارات وبالكاد ترى القليل من الفتيات الشابات اللاتي يرتدين الجينز والكعب العالي .

بمجرد هبوط الطائرة قمت كباقي النساء بوضع الحجاب وارتداء سترة طويلة تصل للركبة، يبدو هذا هو الزي الرسمي في إيران منذ قيام الثورة. هذه نظرة سطحية على منظر الناس في إيران، ولكن تبدو الفجوة كبيرة بين حياة الإيرانيين في بلادهم وكيف يرغبون بأن تكون.

ستشهد إيران توترا كبيراً في الأشهر والسنين المقبلة بعد توقيعها على الاتفاق النووي مع ستة من الدول العظمى مقابل رفع العقوبات الخانقة عنها. ويرى ملايين الإيرانيين أن هذا الاتفاق يعتبر فرصة للجيل الجديد لإعادة تواصله مع العالم من حوله ورسم مسار مختلف للتقدم للأمام، لكن هذا ما يعارضه الكثير من القادة المحافظين.

يؤكد «آية الله خامنئي» المرشد الأعلى للبلاد على أن بلاده سوف تتصدى للنفوذ الأمريكي في المنطقة وفي كل منعطف، ويرى بأن الغزو الفكري والثقافي والسياسي أكثر خطورة من الغزو الاقتصادي والأمني فالعدو الأمريكي بنظره يتوقع إيران جديدة بعد 10 سنوات ولن نسمح لهذا أن يحدث.

سافرت للمرة الأولى إلى إيران في مهمة عمل تابعة لإذاعة الـ BBC التي تغطي الأحداث هناك منذ 2009، فليس من السهل وصول الإعلام الغربي لإيران حيث يخضع الإعلام للرقابة المشددة من قبل السلطات الإيرانية. يستقي معظم الإعلاميون الأخبار من المواطنين أنفسهم. هناك فقط صحفيان غربيان يعملان بنظام الوقت الكامل ويغطيان الأحداث في الساحة الإيرانية أحدهما «جيسن ريزن» التابع لصحيفة «واشنطن بوست» والذي قضى 14 شهر في لسجن بتهمة التجسس.

لقد أمضيت معظم حياتي المهنية في الحديث عن العالم العربي لاسيما عن التدخل الإيراني في لبنان والعراق. فأنا أعرف السياسة الإيرانية والثقافة الإسلامية ما بعد الثورة بشكل جيد من خلال لقاءات أجريتها مع الجماعات المسلحة التابعة لحزب الله، وما زالت إيران تمتع بنفوذ في المجتمع الشيعي في لبنان وتتحكم بمصير اللبنانيين. وأعرف هذه السياسة من خلال تواصلي مع أصدقائي الإيرانيين في المملكة المتحدة وأمريكا والذين يمثلون فئات مختلفة من المجتمع فمنهم الكتاب والأطباء والشعراء وغيرهم الكثير من الذين تم نفيهم بعد الثورة الإسلامية وهؤلاء من يمثلون دولة إيران الحديثة، إيران الليبرالية والعلمانية ولكن شتان بين كيف يعيش الإيرانيون داخل إيران ومن يعيشون في المنفى فمن منهما يمثل إيران حقا؟

عندما سافرت للمملكة العربية السعودية طاردني رجال الشرطة الدينية أو ما يعرف بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة عدم تغطية رأسي. سافرت للمملكة عدة مرات ولم أتعرض لهذا الموقف أبداً إلا في عهد الملك «سلمان» الذي يشجع مثل هذه التصرفات.

حرصت على اتباع القوانين المعمول بها في إيران منذ وصولي إلى طهران بداية بالملابس: أكمام إلى الرسغ وسترة طويلة تصل للركبة وتحتها ارتديت بنطالا وحذاء مغلقا ولم أضع طلاء الأظافر فهو ممنوع هناك.

لقد أعطى الرئيس السابق «أحمدي نجاد» الشرطة الدينية القوة المفرطة فتراهم يغرغمون النساء من أجل طلاء أظافرهن أو يهاجمون رجلا يطيل شعره أو يلبس أساور في يديه. ولكن منذ انتخاب الرئيس «حسن روحاني» في 2013 تضاءل نفوذ الشرطة وأضحت مثاراً للسخرية لكثير من الإيرانيين.

ففي مسرح باريس يعرض فيلم كوميدي عن الحياة والحب بعد الثورة ويستهزئ الفيلم برجال الدين في إيران ويظهر مدى تزمتهم، وفي مشهد آخر يظهر شرطي يجلد مجموعة من الشباب ويدفعهم لعربة ويأمرهم بتقصير شعورهم فيضحك الجمهور بحرارة. في إيران يستهزأ الناس برجال الدين أكثر من أي دولة إسلامية أخرى.

تشعر إيران الآن بأنها أقل عزلة وأكثر حداثة من السابق بعد أن كانت تخضع لعقوبات منذ عام 1979 بل إنها أكثر حداثة من العراق في عهد «صدام حسين». ففي زيارتي لبغداد عام (2003) كان من الواضح أن عهد الديكتاتور كان إلى زوال. بنية تحتية ضعيفة ومجاري مفتوحة في بعض الأماكن وأناس بؤساء حتى أنهم يخافون من ذكر أسماء أبناء «صدام حسين» قصي وعدي.

أعرف أن آمال الإيرانيين قد خابت وفشلت ابتكاراتهم النووية، ولكن مدينة طهران تذكرني بإسطنبول. مباني منخفضة الارتفاع شوارع مزدحمة وحدائق ومنتزهات ومنحدرات تزلج. وفي الصيف يذهب الشباب الإيرانيون للمشي لمسافات طويلة ولسباق المظلات.

من المفارقة أن الناس في إيران أكثر علمانية من حكومتهم، فمن المعروف أن الآذان يرفع خمس مرات في كل الدول العربية والإسلامية إلا إيران فلا يرفع فيها الأذان إلا يوم الجمعة ظهرا وتقام الصلاة في مكان واحد وهو جامعة طهران التي مازالت تدل على أن الثورة ما زالت حية وحيث يلقي رجال الدين خطبهم النارية.

يبدو أن رواد المساجد هم من مؤيدي سياسة النظام، ومع ذلك فطهران البالغ عدد سكانها 12 مليونا لا ترى فيها سوى 10.000 ممن المصلين يوم الجمعة بينما ينشغل الآخرون بوجبة الغذاء وأعمالهم اليومية.

أخبرني موظف حكومي سابق أن «بشار الأسد» هو حليف رئيس لإيران بجانب حزب الله الذي يحارب إسرائيل. ومن المهم أن نحمي وندعم حلفاءنا لاسيما حليفنا السوري، فقاطعته على الفور ستحتاجون المزيد من المال لدعم سوريا فأجاب من واجبنا الديني الدفاع عن المظلوم في كل مكان وليس مجرد سياسة خارجية.

«الموت لأمريكا»، شعار يردده الإيرانيون، ومع ذلك ينصب عداؤهم على السعودية. يقول الشيخ «محسن محمودي» أن السعودية دولة غير ديمقراطية بسبب عدم وجود انتخابات وعدم إعطاء المرأة حقوقها بينما تمتد الحضارة الإيرانية لأكثر من 700 عام. ويقول «حسين شيخ الإسلام» نائب الرئيس والسفير الأسبق في سوريا أن النظام السعودي على «شفا جرف هار» بسبب غياب الديمقراطية.

عندما خرج مئات الآلاف من الإيرانيين للشارع في عام 2009 احتجاجا على إعادة انتخاب «أحمدي نجاد» تم قمع هذه المظاهرات بعنف شديد، ولا يزال «مير حسين موسوي» خصم «نجاد» يقبع تحت الإقامة الجبرية. ولكن عندما ينظر الإيرانيون للأزمة في ليبيا وسوريا يرون مدى خطر قمع المظاهرات السلمية ضد الحكام الذي يمنعون الحريات ويرفضون التغيير.

يقول «سعيد ليلاز»، اقتصادي تم سجنه لانتقاده إعادة انتخاب «نجاد»، أن التغيير يجب أن يكون بطيئا وعميقا في نفس الوقت.

وفي آخر أيامي في طهران زرت قصر نافاران وكذلك زرت عدة قصوره تابعة للشاه «محمد بهلوي» حيث كان يقيم فيها قبل مغادرته وهو وزوجته «فرح ديبا» في يناير/ كانون الثاني عام 1997. وهذا المتحف ما زال يذكر الإيرانيين باحتقار وتجاهل الشاه لشعبه.

يحتفظ هذا المتحف بميراث غني لإيران. ومنذ خروج الشاه دخلت إيران في عزلة بالرغم من وجود محلات راقية وسيارات فارهة.

شعرت إيران بضياع الوقت كما شعرت به تركيا في التسعينيات. ولكن العراك على مستقبل إيران في طريقه للتقدم نحو الخطوط الصعبة أوالعودة للانتخابات بعد سنة حيث تلقي الضوء على الآلية الداخلية للبلاد التي تراقبها الولايات المتحدة والعالم أجمع والتي سأكتب عنها في مقالي القادم.

المصدر | كيم غطاس، فورين بوليسي

رابط مختصر