نسور الجو السوريون يخوضون المعارك بإمكانيات متواضعة في ظروف معقدة

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 7 أكتوبر 2015 - 3:05 مساءً
نسور الجو السوريون يخوضون المعارك بإمكانيات متواضعة في ظروف معقدة

بإمكانيات متواضعة ومحدودة، خاض الطيارون السوريون معركة الدفاع عن بلدهم … أربع سنوات ونيّف من النشاطات والعمليات الجوية المتواصلة، دون أي فسحة لاستراحة المحارب، فالحرب لا تنتظر، وهجمات المسلحين على المدن والقرى والمواقع المحاصرة، التي لا يمكن إسنادها إلا جواً، لا تحتمل أي تأخير.

دمشق — سبوتنيك — عمار عيد

العقيد الطيارغسان، روى لـ”سبوتنيك” الجهود والمخاطر التي تعرض ويتعرض لها الطيارون السوريون في الحرب، فالطائرات السورية بمعظمها، الحربية منها والمروحية، ليست حديثة الطراز.

وقال “لم يكن الاهتمام بتطور سلاح الجو من أولويات الجيش العربي السوري، الذي بنى استراتجيته القتالية على أساس محاربة إسرائيل، فالقادة العسكريون السوريون يعلمون تماماً، عدم إمكانية مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي الذي يحتل المرتبة الثالثة عالمياً، لذلك لم يحاول السوريون مجاراته، بل اعتمدوا بدلا من ذلك على تطوير منظومات الدفاع الجوي، والتي كانت مع الأسف عبئا ثقيلاً على الجيش السوري أثناء الحرب على الإرهاب”.

وأوضح بأن “قواعد الدفاع الجوي مكشوفة ويتعذر الدفاع عنها أمام هجمات ونيران المسلحين، ولم يلق سلاح الجو السوري القدر الكافي من العناية اللازمة، فافتقد إلى العديد من عوامل القوة في الحرب الحالية، ومعظم الطائرات السورية من طرازات غير متطورة، وحتى المتطور منها من طراز ميغ —29، يفتقد لعوامل القوة التي تواكبه، وخاصة الصواريخ الموجهة والأسلحة العالية الدقة ومنظومات الرادار الحديثة”.

وتابع، “حاول الطيارون السوريون تعويض ذلك قدر الإمكان بالخبرات المتراكمة التي امتلكوها عبر سنين حربهم الطويلة، من خلال حفظ جغرافيا المكان ودقة التصويب”.

وأشارالعقيد غسان إلى أن معظم الطائرات السورية لا تستطيع التحليق والإغارة ليلاً، أو التدخل في الظروف المناخية السيئة، وهذا ما كان يتسبب في خسائر على الأرض، نتيجة استغلال الجماعات الإرهابية ذلك، والانقضاض على المواقع المحاصرة التي تعتمد في إسنادها وتمويلها على سلاح الجو بشكل حصري، ما تسبب بفقدان بعض منها كمطار أبي الضهور، الذي سقط أثناء عاصفة رملية، ومعسكر وادي الضيف، الذي سقط أثناء الضباب الكثيف.

العقيد غسان أكد أن الطيارين السوريين يندفعون لتأدية واجبهم العسكري، بالرغم من المخاطر الكبرى التي تحيط بهم، فالمدى القصير للصواريخ التي تحملها طائراتهم، يدفعهم للانقضاض والانخفاض على مستويات خطرة، وتجعلهم عرضة لنيران المسلحين، الذين تمكنوا من إسقاط عدد لا بأس به من الطائرات، لعدم امتلاكهم لمنظومات دفاع جوي متطورة.

كما أن الطائرات نفسها تحتاج إلى عمليات صيانة لا تتوفر لها في كل الأوقات، وعمرها الطويل في الخدمة واستخدامها المتواصل يزيد من احتمالات سقوطها.

وأضاف، “إن مجرد النظر إلى الطائرات وحجم النيران المعادية التي أصابتها، يكفي للدلالة على حجم الخطورة في كل طلعة جوية ينفذها الطيارون السوريون، لكن ذلك لم يثنيهم عن مهامهم، فلا يوجد شعور في العالم يساوي الفرحة التي تنتابك عندما تساهم في رد التكفيريين عن مدينة يوشكون على استباحتها وذبح سكانها الآمنين، أو أن تقوم بإلقاء الأغذية والأدوية والمعدات للمدنيين ورفاق السلاح المحاصرين، في هذه اللحظات بالذات، ينسى الطيارون كل المخاطر والأعباء التي يتكبدونها وكأنها لم تكن”.

وروى النقيب الطيار علاء، لـ”سبوتنيك”، قصته مع طائرته التدريبية، التي هوت على مقربة من أسوار أحد المطارات المحاصرة، قبل أن تبتسم له الحياة وتنشله من براثن الموت.

وقال “طائرتي من طراز “ل —39″، هي بالأساس طائرة تدريبية أكثر من كونها حربية معدة للأعمال العسكرية، إلا أن الضرورة الملحة واندفاع الضباط الطيارين وخبرة الكادر الفني حولت الطائرة التدريبية إلى طائرة قادرة على تأدية المهمات القتالية وفي أكثر الأماكن خطورة”.

وأوضح النقيب علاء أنه نفذ بطائرته هذه عشرات الضربات الجوية ضد مواقع التكفيريين، وعند الكيلومترات الأخيرة من حدود الوطن في الشمال والشرق، إلى أن تعرضت طائرته لخلل فني فسقطت قرب مطار كويرس، الذي كان يقدم المساعدة له ويستهدف مرابط النيران المعادية حوله.

النقيب علاء أصيب إصابة بالغة في عموده الفقري، عندما كان يشاهد بأم عينه عناصر “داعش” وهم يقتربون منه بغية أسره أو قتله في الحد الفاصل في مناطق السيطرة، بينهم وبين الجيش السوري.

الطيار السوري تذكر كيف حاول استخدام مسدسه الحربي لمواجهة أعدائه المستشرسين، رغم الإنهاك الشديد الذي أصيب به، وتركيزه المشوش من أثر الصدمة، قبل أن يسمع نيران وصيحات عناصر المطار الذين غامروا بحياتهم وتجاوزوا نيران المسلحين، وبعضهم كان حافي القدمين، ليتمكنوا من إنقاذه.

لم يكن النقيب علاء قد استعاد وعيه بعد، ولكن الشيء الذي لا يمكن أن ينساه، هو ابتسامة الرضا، التي ارتسمت على الوجه المنهك لذلك المقاتل الذي أعاده إلى الحياة، لن ينسى علاء تلك الابتسامة على الإطلاق، التي مثلت له النموذج الأعلى لرد الوفاء بالوفاء.

تركت حادثة إسقاط الطائرة بصماتها على جسد علاء، ونظراً للظروف المعقدة للطيران، فإن الأطباء ورغم إصراره الشديد، يمنعونه من التحليق مجدداً، والعودة للمشاركة بمساندة من كان لهم الفضل الأكبر بإنقاذه على تخوم أسوار مطار كويرس العسكري.

واليوم، ومع دخول سلاح الجو الروسي المعركة بتقنياته الحديثة والمذهلة إلى جانب سلاح الجو السوري، يزاح عبء ثقيل عن كاهل الطيارين والطائرات السورية التي نالت الحرب من عدتهم وعديدهم، وإن لم تنل من عزمهم واعتدادهم.

رابط مختصر