موسكو تفرض حضورها وترسخ منطق تعدد الأقطاب عالمياً

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 4 أكتوبر 2015 - 3:32 مساءً
موسكو تفرض حضورها وترسخ منطق تعدد الأقطاب عالمياً

قسم التحليل في مكتب واشنطن بالتعاون مع مركز الدراسات الاميركية والعربية سيناقش ديناميكيات الساحة السورية على ضوء التطورات الجارية، وفي الخلفية الصراع المستدام بين روسيا والولايات المتحدة. روسيا، بحضورها المميز، تدرك الدروس المكتسبة من التجارب، لعل أهمها وعي قادتها لعدم الانجرار الى ساحة “أفغانية” جديدة، وعدم تكرار الفشل الاميركي المتواصل منذ 15 عاماً في عموم المنطقة.
لقاء القمة بين الرئيس أوباما والرئيس الروسي بوتين أثار ارتباكاً في القراءة الاميركية لفحواه، والذي جرى على هامش اعمال الجمعية الأممية، لاعتبارات متعددة تتراوح بين عدم تيقنها من أهداف روسيا المنظورة والمضمرة، والتحذير من مغبة القبول بمنافسة دولية ندية للولايات المتحدة وترسيخ تعدد القطبية.
استكانت الولايات المتحدة لمركزها النافذ والمسيطر عبر قوتها العسكرية على مراكز منطقة الشرق الاوسط الرئيسة، لما ينوف عن ربع قرن متواصل، لا سيما ازاحتها النفوذ الروسي من العراق وليبيا، نتيجة العدوان العسكري المباشر.
وفجأة تغير المشهد وتبادل الطرفان المواقع: روسيا تتقدم بقوة وثبات، والولايات المتحدة تترنح وتعيد مواقع تموضعها على الصعيد العالمي، والبعض رآه انكفاءاً وشبه انسحاب لها من المنطقة. وما عزز الشكوك التقليدية موافقة واشنطن سحب بطاريات حلف الناتو من الباتريوت من الاراضي التركية والتعويض عنها بطائرات مقاتلة اضافية ترابط في منطقة ديار بكر. الرؤيا الاقليمية للولايات المتحدة انحدرت طرديا ايضا واضحت واشنطن “غير قادرة” على التدخل لحماية وكلائها المحليين كيفما ومتى رغبوا.
الاعترافات الاميركية الرسمية واقرارها بفشل برامجها لتجنيد وتدريب “معارضة سورية معتدلة”، لم تسعف صورتها التي تحولت إلى مصدر فكاهة وتندر، وخاصة بعد انفاقها ما لا يقل عن 500 مليون دولار لم تحصد سوى “4 الى 5” عناصر، فقط لا غير.
تجدر الاشارة في هذا الصدد إلى “الغضب والحنق” الاميركي من “استهتار” الجانب الروسي وابلاغ عسكرييه ضرورة إخلاء الاجواء السورية خلال ساعة واحدة، تفادياً للصدام العسكري الجوي بينهما. أميركا اعتادت تطبيق الاسلوب عينه على أطراف أخرى “اقل أهمية”، وليس الانصياع لتطبيقه حرفياً.
تحولات بنيوية في الشرق الاوسط
“اضطراب” الخطاب السياسي الاميركي أوردته شهرية “فورين افيرز” الرصينة، في سياق تغطيتها البارزة للقاء اوباما – بوتين، مؤكدة ان “الرئيسان يتشاطران الكراهية لبعضهما”، معربة أيضاً عن استمرار التوتر بينهما وعدم توصلهما لقراءة مشتركة لحل الازمة السورية. الرئيس الروسي شدد بدوره على الضرورة القصوى للتعاطي مع الرئيس السوري والتنسيق معه حصراً في محاربة الارهاب؛ بينما مضى خطاب الرئيس اوباما في تكرار الموقف السابق “بفقدان الرئيس الاسد الشرعية، وليس من الحكمة العودة للاوضاع السابقة”.
ولفت أنصار معسكر الحرب الانظار إلى “التغيير” الذي طرأ على لهجة الخطاب الاميركي، قبل وبعد اللقاء، إذ حذرت الادارة الاميركية “قبل أسبوعين من حتمية فشل التدخل الروسي في سوريا”، إلى أن تم قبوله “بل الترحيب به لمقارعة داعش”. وثارت ثائرة قادة الكونغرس “لتقدم بوتين واتخاذه زمام المبادرة والسيطرة على سوريا”.
الاستراتيجية الاميركية في سوريا أضحت في وضع لا تحسد عليه من الارتباك واهدار الموارد، كما اتهمها قادة كبار في الكونغرس. وأشار اولئك إلى جهود داعش تجنيد “اكثر من 7،000 مقاتل أجنبي في صفوفه خلال الاشهر الثلاثة الماضية فقط”، حسبما جاء في تقرير مفصل للكونغرس. واعتبر قادة الكونغرس ذلك التطور “لم يسبق له مثيل في التاريخ وغير مسبوق كذلك في السلبية المفرطة للسياسة الاميركية”.
ودأبت السياسة الاميركية على رفع سقف توقعاتها منذ زمن، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الرئيس الاسد، وفق وصفها، ونيتها المعلنة بالاطاحة به. وجاء التحرك الروسي القوي “دعماً للاسد والاعداد لتعزيز حضور عسكري لايران” في سوريا. بعبارة أخرى، الوضع الراهن في سوريا جاء ثمرة مناورات ديبلوماسية بين القوتين العظميين في أروقة الامم المتحدة رجحت فيها المبادرة الروسية.
المراجعة الاميركية الهادئة لسبر أغوار التحرك الروسي “المفاجىء” جاءت على لسان أحد أهم الخبراء الاستراتيجيين والمقربين من الدوائر العسكرية والاستخباراتية، انثوني كوردسمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 2 تشرين1/اكتوبر الجاري. وأوضح كورسمان أن نقطة التحول في التفكير الروسي كانت ثمرة لقاء مكثف استضافته وزارة الدفاع الروسية يوم 23 أيار/مايو 2014، شارك فيه عدد من القادة العسكريين الكبار من روسيا وروسيا البيضاء.
وأضاف كوردسمان أن المؤتمر أسفر عن خروج موسكو باستنتاجات غير معهودة لقراءاتها الخاصة “بالاستراتيجية الاميركية والاوروبية (وجهوزيتها) استخدام قوتها العسكرية، وكذلك للاهداف والقرارات الاميركية والاوروبية المطبقة في الغرب أو في ما ورد سابقاً في الادبيات الروسية”.
وأسهب كوردسمان في توصيف تأثير “الثورات الملونة”، المدعومة أميركياً وأوروبياً، على زعزعة استقرار النظم السياسية المحاذية لروسيا: أوكرانيا 2004؛ كيرغيستان 2005؛ جورجيا 2012. وخلص بالقول إن الخلاصة الاجمالية للمؤتمر المذكور رسخت فهماً متطوراً للقيادة الروسية حول “توجهات الولايات المتحدة وأوروبا العدوانية والتي استندت إلى استحداث اضطرابات بصورة ثورات تزعزع استقرار الدول المستهدفة خدمة للمصالح الأمنية الغربية، بكلفة مالية متدنية وبأقل قدر من الخسائر البشرية”.
وحذر كوردسمان صناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا “النظر إلى ما هو أبعد من التكهن واستقراء (دوافع الرئيس) بوتين والتركيز على ما صدر عن الاستراتيجيين والعسكريين الروس، حول توظيف الثورات الملونة ومن غير المسموح التغاضي عنها في القراءة الاميركية والاوروبية”.
وعليه، أقرت الدوائر الاميركية أنها أضحت بمواجهة توجه واستراتيجية وخطاب روسي جديد، جسد نتائجه على الفور بقصف مركز على مواقع وتجمعات العناصر المسلحة في سوريا، بخلاف القصف الاميركي وحلف الناتو الذي لم يثبت استهدافه لأي من تلك التجمعات أو مراكز قياداتها – بشهادة المصادر الاميركية. وساد الذهول الدوائر الاميركية لاسلوب روسيا المهين للجانب الاميركي وابلاغه نيتها بدء القصف قبل 60 دقيقة من ساعة الصفر.
جذر قلق الولايات المتحدة وحلفائها الاقليميين من القصف الروسي يكمن في إعادة موسكو ترتيب أولويات الصراع، الذي كان يدار بالواسطة وعبر الوكلاء المحليين وبروزه إلى مرتبة صراع دولي تشترك فيه القوتين العظميين مباشرة. كما يعود القلق لسعي واشنطن إعادة تأهيل تنظيم القاعدة بجناحه السوري – جبهة النصرة – وتسويقه كمعارضة معتدلة وحجز مقعد ودور له في جولة المفاوضات السياسية المقبلة. واستهدف القصف الروسي تلك التشكيلات المدعومة من أجهزة الاستخبارات الاميركية، لا سيما ما كان يسمى “الجيش الحر”، ما أثار حفيظة الرئيس أوباما ودائرة مستشاريه المقربين لانكشاف الغشاء السياسي والغطاء الديبلوماسي والعسكري.
وليس خافياً على الطرفين، الاميركي والروسي، أبعاد ومعاني دخول روسيا المباشر في دائرة القتال وما سيتركه من تداعيات تقوض النفوذ والدعم الاميركي للوكلاء الاقليميين والتشكيلات القتالية المختلفة.
واشار تقرير كوردسمان “الاستراتيجي” في خلفيته الى العلاقة الحسابية الطردية الجديدة في سوريا: تقدم روسيا مقابل تراجع الدور الاميركي في المنطقة، كرسها قرار البرلمان الروسي (الدوما) الموافقة على اشتراك القوات الروسية في حرب مباشرة خارج اراضي الدولة، مما عززت قلق الدول الغربية من خطاب موسكو على أن “التدخل الروسي يستند إلى أرضية شرعية حصراً،وبطلب من الحكومة والرئيس السوري”.
التدقيق في ثنايا الخطابين السياسيين، الاميركي والروسي، يؤدي إلى شبه تطابق أو رؤى للحل المنشود في سوريا. دأب كل من الرئيس اوباما ووزير خارجيته جون كيري على الترويج لحل سياسي تفاوضي، تبعه لاحقاً عبارة مرحلة انتقالية “بمشاركة الرئيس الاسد”. أما الرئيس الروسي فقد أوضح في خطابه أمام الجمعية العامة أن “الحل طويل الأجل في سوريا لا يمكن أن يتأتى إلا عبر إصلاحات سياسية تستند إلى مفاوضات” بين الاطراف المختلفة. وأضاف ليقطع الشك باليقين “أدرك ان الرئيس الاسد يعي ذلك وهو على اتم الاستعداد للمضي بذلك الخيار. نحن نراهن على حضوره الفعال ومرونة موقفه وجهوزيته لتقديم تنازلات” بهذا الشأن.
وأرفق الرئيس الروسي إعلانه عن أولوية الحل السياسي التفاوضي بفتح جسر جوي بين موسكو ودمشق تم عبره تموضع احدث الاسلحة والدفاعات الجوية الروسية برفقة طواقمها من العسكريين الروس.
وتزامن ذلك مع إعلان روسيا انشاء غرفة عسكرية مشتركة مقرها بغداد “لتنسيق الجهود العسكرية بين روسيا وسوريا وايران والعراق”، والتي باشرت مهامها على الفور بابلاغ الملحق العسكري الاميركي في بغداد عن بدء ساعة الصفر لاستهداف تجمعات المسلحين في سوريا؛ والتنسيق العالي “للمعلومات الميدانية حول مجموعات داعش الارهابية” في كل من العراق وسوريا.
آفاق تصادم القوتين العظميين
على الرغم من الضجيج الاعلامي الاميركي واستنهاضه نزعة العداء التاريخية لروسيا إلا أن الطرفين يشددان على أهمية تنسيق جهودهما لتفادي الصدام العسكري “عن طريق الخطأ” لما قد يسببه من تأجيج وتعريض الاوضاع الدولية والاقليمية لاخطار المواجهة العسكرية.
وعلى هذه الخلفية تكمن تحذيرات انثوني كوردسمان مناشدا قادة بلاده، عسكريين وسياسيين، قراءة التحولات الفكرية والاستراتيجية لروسيا التي “تعتبر الغرب طرفاً يرفض الشراكة ويهدد روسيا على طول حدودها المشتركة مع أوروبا”. وطالبهم أيضاً بضرورة قراءة النظرة الدولية للولايات المتحدة بشكل خاص والتي “تعتبر الولايات المتحدة وأوروبا عازمتين على زعزعة استقرار الدول في شمال إفريقيا والشرق الاوسط وكافة مناطق العالم خدمة لمصالحهما وأهدافهما الخاصة”.
التدخلات الاميركية المباشرة، في التاريخ القريب، تشير بوضوح إلى عزمها الاطاحة بقادة دول لا تأتمر بمشيئتها واذكاء الاضطرابات الداخلية والحروب الأهلية: العراق وافغانستان وليبيا واليمن، فضلاً عما يجري في سوريا.
ومن المهم الاشارة إلى إصدارات “ويكيليكس” الاخيرة التي نشرت وثيقة سرية أميركية صادرة عن وزارة الخارجية توضح التدابير والاجراءات التي يتعين تطبيقها في سوريا لزعزعة استقرارها، واذكاء التوترات الطائفية، وتأييد تحركات تنظيم الاخوان المسلمين الرامية للاطاحة بالنظام والدولة السورية. الوثيقة يعود تاريخها لعام 2006.
وللانصاف، ينبغي الاشارة إلى التحول الذي طرأ على الخطاب السياسي الاميركي، لا سيما في شقه الدعائي والاعلامي، إذ أصبح مطالباً “برفض كافة التدخلات الاجنبية في سوريا”، في الوقت الراهن. بالمقابل، السياسة الروسية “الجديدة” تتحلى بالثقة من النفس وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الانتصارات، مع الأخذ بعين الاعتبار تداعيات الحرب الجارية في أوكرانيا على الاقتصاد والقرار السياسي الروسي.
وشرعت موسكو في طمأنة الرأي العام الداخلي لاهداف حملتها العسكرية، وأوضحت على لسان مدير طاقم موظفي الكرملين، سيرغي ايفانوف، أن التدخل يستند إلى رغبة روسيا “حماية مصالحها في سوريا، نتحدث بشكل خاص عن سوريا وليس الذهاب لتحقيق اهداف للسياسة الخارجية او ارضاء لطموحات” تدور في مخيلة البعض. مؤكدا انها أتت بدافع حصري “لحماية مصالح الاتحاد الروسي.”
وفي الجانب الاميركي، تواترت أنباء عن برنامج نشط لتدريب وتسليح عناصر سورية تشرف عليه وكالة الاستخبارات المركزية، منفصل عن برنامج البنتاغون والذي رصدت له ميزانية بلغ حجمها 500 مليون دولار.
الاجواء السورية تعج بطائرات حربية مختلفة تعود لنحو عشر دول، بعد دخول سلاح الجو الروسي مباشرة. ومن غير المرجح موافقة الرئيس الاميركي على إمداد “عناصر السي آي ايه” بأسلحة دفاع جوية في الظرف الراهن، خشية وقوع صدام مع القوات الروسية، فضلاً عن القلق الاميركي الدائم من خطر وقوع تلك المعدات والصواريخ المضادة للطائرات بايدي عناصر تكفيرية ومجموعات متشددة.
هوية “عناصر السي آي ايه” باتت محطة انظار السياسيين والاعلاميين على السواء. وأجمعت معطم التقارير الصحفية بهذا الشأن أن تلك العناصر “مشكوك في ولائها لمشغليها”، وترجح تنسيق جهودها مع فرع تنظيم القاعدة في سوريا، جبهة النصرة.

المصدر: مكتب الميادين في واشنطن بالتعاون مع مركز الدراسات الاميركية والعربية

رابط مختصر