ماذا كان سيحدث لو لم تتوحد الألمانيتان؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 4 أكتوبر 2015 - 1:16 مساءً
ماذا كان سيحدث لو لم تتوحد الألمانيتان؟
.ميركل تشارك في إحياء الذكرى 70 لتحرير معسكر اعتقال داخاو – 3 مايو 2015..

في الذكرى 25 على ضم الألمانيتين، تطرح تساؤلات كثيرة حول ما كان سيكون الأمر عليه، لو بقيت كل دولة مستقلة. وما هو ملفت من بين التحليلات هو ان أبرز الاختلافات كانت ستكون اقتصادية.

كانت إعادة توحيد ألمانيا مشروعًا باهظ الكلفة، لم تنسجم نتائجه دائما مع الخطة المرسومة له، وبمناسبة مرور 25 سنة على إعادة توحيد ألمانيا، أُثيرت تساؤلات عن جدوى إعادة التوحيد، وما إذا كانت الأوضاع ستكون أفضل لو لم تتوحد الدولتان أصلا.
فإن جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، استأثرت بالعناوين الرئيسية للأخبار خلال الأشهر الأحد عشر الماضية لأسباب لا يُحسد عليها الألمان رغم احتفالاتهم بالذكرى الخامسة والعشرين لسقوط جدار برلين. ومن هذه الأسباب السلبية، أن حركة الوطنيين الأوروبيين ضد أسلمة الغرب “بيغيدا”، المعادية للمهاجرين والمسلمين، تمكنت من تعبئة عشرات الآلاف وانزالهم إلى الشوارع، لا سيما في مدينة درسدن مهد الحركة في ألمانيا الشرقية سابقا، وفرض النازيون الجدد حصارا على مراكز لإقامة اللاجئين ثم اضرموا النار فيها. وتجري في ميونيخ محاكمة خلية إرهابية من ألمانيا الشرقية، ارتكب أعضاؤها جرائم قتل ضد المهاجرين.

ألمانيا الشرقية
وقد لا يكون مستغربًا أن الألمان الشرقيين أنفسهم بؤساء، فسكان ألمانيا الشرقية يعانون من الشيخوخة وهم أفقر من أقرانهم في ألمانيا الغربية.
وكانت “الولايات الجديدة” كما تُسمى ألمانيا الشرقية السابقة باللغة الدراجة، أُفرغت من الطبقة الوسطى التي هرب اأفرادها إلى الغرب في التسعينات، وليست هناك علائم ازدهار اقتصادي تُذكر خارج برلين الشرقية.

سلطة برلين
كما تصدرت ألمانيا نفسها الأخبار العالمية خلال العام الماضي لأسباب تستدعي وقفة جادة، إذ تُتهم برلين باستخدام قوتها الاقتصادية لفرض مشيئتها على حلفائها الاوروبيين. وأثار موقفها المتشدد في المفاوضات بشأن أزمة الديون اليونانية، بل وحتى سياستها تجاه اللاجئين، قدرا من الإستياء لم يُعرف له نظير في العقود الماضية، منذ نهاية الحرب، حتى أن البعض يتساءل الآن إن كانت إعادة توحيد ألمانيا فكرة صائبة، وكيف سيكون البديل لو لم تتوحد الألمانيتان.
الأمر الواضح انه لو لم تحدث إعادة توحيد ألمانيا لكانت ألمانيا الغربية أكثر ثراء بعد ربع قرن، بسبب الأعباء المالية لتوحيد دولتين على درجة كبيرة من التفاوت في مستوى تطورهما الاقتصادي.

دعم إقتصادي
ويقدر خبراء أن ما بين 1.5 ترليون وترليوني يورو تدفقت على ألمانيا الشرقية لدعمها اقتصاديا، أو قرابة نصف اجمالي الناتج المحلي لألمانيا بأكملها.
وصرح الدكتور يوخن شتادت رئيس فريق البحث المختص بجمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة في الجامعة الحرة في برلين لموقع لوكال الاخباري الألماني، قائلا “ان ألمانيا الغربية كانت غنية في كل الأحوال، ولكنها على الأرجح ستكون أكثر ثراء الآن” في إشارة إلى الكلفة الباهظة لإعادة التوحيد.

ضريبة التضامن
واتفق مع هذا الرأي هنريك مولر، استاذ الصحافة في الجامعة التكنولوجية في دورتموند الذي كتب في مجلة شبيغل “ان المرء يستطيع ان يتنبأ بثقة، بأن المديونية العامة والضرائب ستكون أقل” لولا إعادة التوحيد. فالألمان كلهم يدفعون ما يُسمى “ضريبة التضامن” البالغة 5.5 في المئة على الدخل تذهب لدعم الولايات الشرقية أو الولايات “الجديدة” كما يسميها الألمان، ولولا إعادة التوحيد كان بمقدور الألمان ان ينفقوا هذه الاستقطاعات من دخلهم في ولاياتهم أو ادخارها، ولكن هذه الموارد المالية أنفقت على إعادة إعمار البنية التحتية المتداعية في ألمانيا الشرقية. ويقول البروفيسور شتادت إن ألمانيا الشرقية كانت ستكافح من أجل البقاء لولا هذه الأموال الآتية من ضريبة التضامن. واضاف “ان الصناعة ما كانت لتستطيع ان تتنافس مع الغرب ولم تكن هناك موارد مالية لاستثمارها في تحديثها”.
ولكن البروفيسور شتادت، يرى أن استمرار جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) في البقاء كان سيكون كارثة. وهو يؤكد انه “لو بقيت ألمانيا الشرقية دولة منفصلة لفرغت من السكان”. واشار البروفيسور شتادت، إلى ان ثلاثة ملايين ألماني غادروا ألمانيا الشرقية، بعد إعادة التوحيد ولو بقيت دولة اشتراكية بعد إصلاحها، لزاد العدد ثلاثة أضعاف. وقال إن سكان ألمانيا الغربية، ما كانوا لينتظروا 15 أو 20 عاما كي تتحسن اوضاعهم لا سيما وانهم “اصلا سئموا من الانتظار”.
وفي ما يتعلق بصعود العنصرية في ألمانيا الشرقية، قال البروفيسور شتادت ان هذه تركة موروثة من جمهورية ألمانيا الديمقراطية وليست نتيجة سياسات فاشلة، نُفذت بعد التوحيد.

مخاطرة اكبر
ولكن مولر الأستاذ في جامعة دورتموند، يعتقد أن ألمانيا الديمقراطية كانت تستطيع البقاء بمفردها. وقال “إن القطاع الصناعي في ألمانيا الديمقراطية، كان سيُدعم بعملة رخيصة للتكيف مع الظروف الجديدة. وان الكثير من الألمان الشرقيين الذين هاجروا كانوا سيعودون فور تحقق النمو الإقتصادي المستدام ذاتيا”.
ولكنه يعترف بأن المخاطرة كانت ستكون أكبر، ويشك في ما إذا كانت القوات الروسية سترحل بسهولة، لو استمرت جمهورية ألمانيا الديمقراطية في الوجود.

خشية من هيمنتها
وكان رئيس الوزراء الايطالي وقتذاك جوليو اندريوتي اعلن مازحا في عام 1990 انه يحب ألمانيا إلى حد انه يفضل ان يرى المانيتين، وأبدى كثير من السياسيين وقتذاك خشيتهم من هيمنة ألمانيا الموحدة على اوروبا. وكان أحد نتائج هذا الخوف اعتماد اليورو لمواجهة الهيمنة الألمانية، كما يكتب مولر. ولكن الخطة باءت بالفشل، ففي اوروبا بلا عملة موحدة كانت الدول الصغيرة ستكون قادرة على خفض قيمة عملتها عقب الأزمة المالية عام 2008، وكان باستطاعة اليونان ان تختار طريقها الخاص للخروج من الأزمة، بدلا من أن تكون أسيرة الشروط الاقتصادية القاسية التي فرضتها ألمانيا.
كما يرى مولر ان اعادة توحيد ألمانيا، أوجد سابقة، تقوض أركانه الاتحاد الأوروبي من الأساس، فإن اضفاء شرعية على النزعة القومية “أعطى دفعة للفكرة القومية” مؤديا إلى نشوء الحركات المطالبة بالاستقلال في اسكتلندا وكاتالونيا اليوم.
ومن دون إعادة التوحيد، كان بمقدور ألمانيا أن تختار طريق إقامة اوروبا فيدرالية تكون مؤسساتها القارية أهم من القومية الإثنية.
ويتفق شتادت مع الرأي القائل بأن لدى ألمانيا الموحدة مشكلة كبيرة تتعلق بصورتها في اوروبا الشرقية، حيث يُنظر اليها بتوجس لكونها “تتمتع بنفوذ واسع وتتعامل باستاذية”. ولكنه يشك في ما إذا كانت ألمانيا الديمقراطية لو بقيت مستقلة ستبدي تعاطفا أكبر مع حساسيات الكتلة الشرقية السابقة.
وقال “ان الألمان الشرقيين كانوا دائما يعتبرون انفسهم مختلفين عن بقية الكتلة الشرقية”، واشار شتادت إلى أن المستشارة انغيلا ميركل، التي نشأت في ألمانيا الشرقية لم تُبدِ تفهما ملحوظا إزاء توجسات بولندا والمجر ودول اوروبا الشرقية الأخرى.

توحيد أو انفصال
ولكن التكهنات عما كان سيحدث شيء والواقع شيء آخر، فإن جمهورية ألمانيا الديمقراطية كانت دولة بلا شرعية ديمقراطية، وفي عام 1990 صوت نحو 14 في المئة فقط من الألمان الشرقيين لصالح الاحزاب الداعية إلى الابقاء على الدولة الاشتراكية. وفي الغرب كان حزب الخضر الحزب الوحيد الذي رفض التوحيد بصراحة ولكنهم لم يفوزوا بأصوات كافية للاحتفاظ بأي مقعد من مقاعدهم في البرلمان.
واليوم فان من يؤيد الفكرة هم حتى أقل من ذي قبل، إذ يقول 3 في المئة فقط من الألمان الشرقيين انهم يريدون العيش في دولة منفصلة، ولكن هذا لا يعني ان الألمان الشرقيين يرفضون كل شيء يرتبط بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، وقال شتادت “ان استطلاعات تبين أن الألمان الشرقيين يحنون إلى قيم كانت موجودة في ألمانيا الديمقراطية، ولكنهم لا يفتقدون النظام الذي كان يطبقها”.
ومن ذلك أن الفقراء في ألمانيا الشرقية ما زالوا يتمسكون بالفكرة الإشتراكية في المساواة، في حين الألمان الغربيين يثمنون الحرية اولا، وقال شتادت إن استمرار التفاوت في الثروة ومستوى المعيشة “غير مبرر” ولكن الاعتقاد بأن بقاء ألمانيا الشرقية مستقلة كان سيكون أفضل انما هو تفكير رغائبي.

ايلاف

رابط مختصر