ملامح انتفاضة علمية شبابية تكسر المحرمات الدينية في العراق

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 3 أكتوبر 2015 - 2:07 مساءً
ملامح انتفاضة علمية شبابية تكسر المحرمات الدينية في العراق

بغداد – إحدى أكثر مجموعات المجتمع المدني غير الاعتيادية والتي تعمل اليوم في العراق هي مجموعة يطلق عليها اسم “العلوم الحقيقية”.

تبدو مجموعة “العلوم الحقيقية” شيئا مبتكرا في العراق، وهي مؤلفة من شباب عراقيين صغار في السن وهم يترجمون الكتب والمقالات العلمية إلى اللغة العربية لأنهم يعتقدون أنه بوجود المزيد من الفكر العقلاني يمكن مكافحة العنف في وطنهم.

في خضمّ الصراعات التي عانت منها بغداد خصوصاً على مر السنين وبقية العراق على وجه العموم، ظهرت العديد من الحركات الشعبية التي تدعو إلى التغيير الاجتماعي الإيجابي.

وسواء كانت هذه الحركات حملات مساعدات أم حركات ضغط من أجل حقوق معينة، فإن قياس تأثيرها لا يزال صعباً، ما يمكن للمرء أن يكون على يقين بأن النشاط والدعوة إلى تأسيس مجتمع مدني ليبرالي ما زالا مستمرين في العراق وباستخدام بعض الوسائل المبتكرة.

إحدى المجموعات الأكثر تفردا في هذه الفئة مكونة من شباب وشابات يروجون بشراسة للعلم باعتباره الإجابة الجزئية عن الصراعات الطائفية في مجتمعهم. ويطلق على هذه المجموعة اسم “العلوم الحقيقية” وهي تعمل جنبا إلى جنب مع مجموعة أخرى مرتبطة بها تسمى “مشروع الترجمة العراقي”.

لدى كل من المجموعتين موقع خاص على الشبكة الالكترونية ولدى الاثنين أيضا صفحات على فيسبوك لها شعبيتها تستطيع أن تجمع أكثر من 130 الف مشترك من متابعيها. والمجموعتان تنشران بصورة منتظمة ترجمات لمقالات علمية ذات شعبية حول جميع المواضيع بدءا من الأسباب التي تجعل البشر يتمتعون بالركض والكيفية التي استطاع بها رجال الكهوف استخدام حاسة سمعهم، ووصولا إلى الوجود الواضح للممرات المائية على كوكب المريخ الذي بدأ الحديث عنه مؤخراً.

كل هذا قد يبدو غير ضار بالنسبة للغربيين، ولكن الدعوة في العراق إلى فكر علمي عقلاني، أو حتى تشجيع وجهات نظر مختلفة حول نظرية التطور، يمكن أن يكون هواية خطرة.

حيان الخياط، ويبلغ من العمر (25 عاماً) هو خريج كلية القانون ولديه برنامجه التلفزيوني الخاص والذي يستضيف فيه الخبراء لتوضيح مسائل قانونية عامة حول موضوعات مثل الطلاق، وتسجيل الشركات وقانون الإعلام.

‘العلم للجميع’ يعود من حقبة الثمانينات

والخياط هو واحد من مؤسسي مجموعة العلوم الحقيقية وهو عضو رئيسي فيها. وقد نشر مؤخرا كتابا بعنوان “العلوم للجميع”، هذا العنوان يجدد فيه التحية للبرنامج التلفزيوني الذي كان يقدم في الثمانينات من القرن الماضي تحت العنوان نفسه والذي حظي بشهرة واسعة في العراق في ذلك الوقت.

اختفت نسخ الطبعة الأولى من مخازن الكتب المحلية في غضون ثلاثة أشهر، ولا يزال الطلب مرتفعا على الكتاب. والكتاب هو عبارة عن تجميع لأفضل ترجمات أنجزها 25 مترجما عراقيا حول العلوم.

ويقول الخياط بأنه يتلقى تهديدات شخصية بانتظام “لأننا لا نستطيع أن نحتمل أولئك الذين يزعمون أن بإمكانهم صنع المعجزات والذين يستخدمون هذا الإدعاء للوصول الى السلطة والمال”.

ويضيف “لدى مجتمعنا ميل للاعتقاد في هذه الأمور، وخاصة عندما تأتي من مرجعية دينية. سنواصل جهودنا -على الرغم من أنني أنا شخصيا أخفف من اللهجة- بين الحين والآخر أو أتوقف عن الكتابة عندما أشعر بأن التهديدات مشروعة “.

في كثير من الأحيان ينهمك مترجمو المجموعة في الخوض في حقول غير شائعة بين قراء العربية مثل موضوع علم النفس التطوري. كما أنهم في كثير من الأحيان يعبرون الخطوط الحمراء عندما موضوعات تمس الخلق في مقابل نظرية التطور لداروين.

أحد أعضاء المجموعة ترجم العديد من الكتب المهمة لمؤلفين مثل الفيلسوف البريطاني أي سي غرايلينج، وللفيزيائي الأميركي المشكك في الدين فيكتور شتينجر، والمؤرخ الأميركي والملحد البارز ريتشارد كارير، ولكنه لا يمكن أن ينسب لنفسه ترجماته لأنه سيعرض نفسه للخطر، لذلك فهو يستخدم اسماً مستعاراً.

عندما سئل عن تأثير مجموعة العلوم الحقيقية الأبعد من وسائل الإعلام الاجتماعية، قال “حركتنا أثرت في المجتمعات المحافظة وكان لها تأثيرها حتى في المدن المحافظة كثيرا”.

وأضاف في مقابلة مع موقع “نقاش” الاخباري ان مجموعته “غالبا ما تتلقى ملاحظات اعتراف وامتنان ولكن ليس بشكل علني”.

تشكلت المجموعة في عام 2012 بسبب تعطش أعضائها للعلم، تعطشا لم تكن لترويه السوق المحلية. فسوق الكتاب العراقي يبيع بشكل أساسي الكتب الدينية، التي غالبا ما تروج للكراهية والطائفية، كما ويبيع كتبا عن الشيوعية وأخرى قديمة تتحدث عن القومية العربية والكتب ذات الميول الوطنية.

ولا توجد في هذا السوق العديد من الكتب العلمية والمجلات المتاحة في شارع المتنبي –وهو الشارع المشهور ببيع الكتب في بغداد– والذي يمثل الى حد كبير ما هو متاح في العراق.

فإذا لم يتمكن الفرد من العثور على كتاب ما في شارع المتنبي، فإنه لن يتمكن من أن يجده في أي مكان آخر في العراق.

مع بعض الاستثناءات، كانت المجلات والكتب العلمية في العراق إما نادرة جدا أو كان معظمها قد عفا عليه الزمن. في عام 2011 تم تشكيل مجموعة العلوم الحقيقية بعدد من الأفراد لم يصل الخمسة في تلك المرحلة.

في عام 2013، بدأ بعض أعضاء المجموعة الذين يجيدون اللغة الإنكليزية بـ”مشروع الترجمة العراقي” وتطوعوا لترجمة المواد العلمية الهامة وتعزيز الإنجازات العلمية عبر وسائل الاعلام الاجتماعية. اليوم تعمل المجموعتان بالتوازي على الرغم من أنهما لا تتشاركان الأعضاء وهما مستقلتان عن بعضهما البعض.

في أيلول/سبتمبر من عام 2013، اجتمع أعضاء من المجموعتين مع نشطاء من المجتمع المدني كانوا قد التقوا بهم في شارع المتنبي، الذي يعتبر منذ وقت طويل موطنا للمثقفين في بغداد، وأطلقوا مبادرة “أنا عراقي، أنا أقرأ”.

ساعد أعضاء مجموعة العلوم الحقيقية وفريق الترجمة العراقي بشكل كبير في إعداد هذه المبادرة الشعبية، وتطوعوا بإعطاء وقتهم وجهدهم وأيضا مكتباتهم الشخصية، ليجدوا أنفسهم لاحقا مهمشين من قبل أعضاء آخرين من المجموعة.

يقول أثيل فوزي، أحد مؤسسي مجموعة العلوم الحقيقية والذي يتخذ من بغداد مقرا له “أن التهديدات الأمنية هي المشكلة الرئيسية التي تعوق التقدم الذي تحرزه المجموعة على أرض الواقع”.

ويضيف أنه في الواقع، فإن العديد من أفراد المجموعة قد غادروا العراق على مدى السنوات الماضية مع أن تواجدهم على وسائل الاعلام الاجتماعية لا يزال قويا جدا”.

وعن سبب عدم تسجيل المجموعة بشكل رسمي، يقول فوزي “في حين كانت مساهمات أعضاء المجموعة فعالة في العديد من المؤتمرات والفعاليات المستقلة التي ترعاها الحكومة، إلا أن الخوف من الملاحقة الشخصية ونزوح العديد من أصدقائنا الفاعلين في المجموعة منعنا من تنظيم أنفسنا في منظمة غير حكومية مسجلة”.

توصف مجموعة العلوم الحقيقية باستمرار بأنها “جماعة ملحدة تستهدف الدين والقيم”. ولكن الخياط وفوزي يعترضان على هذا الوصف ويقولان بأنهما غير متحيزين ضد الدين. أنهما يعارضان كل ما هو غير علمي. وكدليل على عدم تمييزهما، يعطيان مثلا الحملة الأخيرة التي استهدفت متحدثا ظهر في تيدكس بغداد في منتصف أيلول/سبتمبر.

كان واحدا من المتحدثين أكاديمي عراقي يؤمن بعلم النفس الغيبي وعارضت مجموعة العلوم الحقيقية وجوده لهذا السبب.

ضد ‘العلوم الزائفة’

يوضح الخياط أن “تيدكس هو حدث علماني بكل معنى الكلمة.” ويضيف “نحن لا نستهدف أي دين أو أية طائفة بعينها،” ويؤكد بأن مجموعته “تقف ضد جميع أنواع العلوم الزائفة”.

أدت الضجة التي أثارتها المجموعة على وسائل الاعلام الاجتماعية بمنظمي تيدكس إلى إعادة النظر في اختيارهم لهذا المتحدث بالذات.

يقول أثير العطار، خريج جامع لويزيانا في الولايات المتحدة والذي يقيم في البصرة ويساهم باستمرار في عمل مجموعة العلوم الحقيقية أن “المترجمين الشجعان لا يخافون من المحرمات”.

ويضيف “ليس لأنهم يريدون محاربة الدين، بل لأنهم ببساطة يريدون الدفاع عن الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة”.

ترجم العطار مؤخرا كتاب علوم للأطفال إلى اللغة العربية وهو يحاول حاليا العثور على شخص ما ليساعده على تمويل طباعته.

يشرح العطار أن هدف الكتاب هو “تثقيف الأجيال الجديدة وتعريفهم بالمبادئ العلمية الأساسية بطريقة ممتعة”.

وجد العطار بعض الاهتمام من الممولين المحتملين لكنهم انسحبوا حينما قرأوا موضوع الكتاب. ويشرح العطار السبب قائلا “بأنهم يعتذرون ويقولون أنهم قلقون”.

وعن أسباب هذا القلق، يقتطف العطار ما قاله بعض الممولين المحليين المحتملين الذين التقاهم “بأنهم قلقون لأن الكتاب يشجع على أيديولوجيات غير مألوفة”.

ميدل ايست اونلاين

رابط مختصر