جهاديو تونس يسعون إلى اختراق الأجهزة الأمنية

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 3 أكتوبر 2015 - 2:14 مساءً
جهاديو تونس يسعون إلى اختراق الأجهزة الأمنية
Policemen arrest one of the 300 Tunisian Salafists who took part in the attack of the headquarters of a private TV station that aired a French-Iranian film and organised a debate on religious extremism on October 9, 2011 in Tunis. “Three hundred people attacked our offices and tried to set fire to them,” Nessma chairman Nebil Karoui told AFP, explaining that death threats had been sent after October 7th night’s showing of “Persepolis”, an animation film on Iran’s Islamic revolution. AFP PHOTO / FETHI BELAID (Photo credit should read FETHI BELAID/AFP/Getty Images)

تقود تونس جهودا مضنية لتطهير الأجهزة الأمنية وقطع الطريق أمام الجهاديين الدين يسعون إلى اختراق تلك الأجهزة في مسعى إلى نخرها من الداخل وإرباك أدائها وإضعافه في توقيها وتصديها لمخططات هجماتهم التي تزايدت خلال الأشهر الماضية كما ونوعا وباتت تهدد كيان الدولة المدنية وقادت تلك الجهود إلى كشف أكثر من 100 أمني يشتبه في تبنيهم للفكر الجهادي وفي انتمائهم للجماعات الجهادية حاولوا اختراق الأجهزة الأمنية خلال السنوات الأربع الماضية مستفيدين من “انتدابات لم تخضع للمقاييس الأمنية” وإنما تمت بناء على ولاءات حزبية فيما لم يستبعد خبراء أمنيون تورط أطراف سياسية نافدة في عملية الاختراق بهدف تركيز أجهزة موازية لأجهزة الدولة وذلك بهدف وضع موقع قدم لها في وزارة الداخلية.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في 16 سبتمبر/ايلول 2015 أنها عزلت 110 أمنيين من أجهزة أمنية مختلفة للاشتباه في علاقتهم بتنظيمات “إرهابية” وقال وليد الوقيني المكلف بالإعلام في وزارة الداخلية أنداك إن الأمنيين الدين تم عزلهم يعملون في أجهزة مختلفة تشمل “الشرطة” و”الحرس” و”الجيش” و”الجمارك” بهدف “تحصين المؤسسة الأمنية والعسكرية من اختراقات أو اندساس” الجهاديين في اشد أجهزة الدولة أهمية وحساسية.

وتقول وزارة الداخلية إن الأمنيين المعزولين “لم يقع تكوينهم على أسس صحيحة” بعد دخولهم إلى المؤسسة الأمنية وأن “فكرهم هزيل” وليس لهم حصانة ضد الاستقطاب الإيديولوجي لافتتة إلى أن “بعض المعزولين افشوا معلومات بشأن عمل الأجهزة الأمنية لإرهابيين مفترضين.

يأتي ذلك في وقت يحذر فيه الخبراء الأمنيون من مخططات الجهاديين لاختراق المؤسسة الأمنية التي تحظى بنسبة عالية من ثقة التونسيين نتيجة الجهود التي تقودها مند أكثر من ثلاث سنوات ضد الخلايا الجهادية التي تسعى إلى “التغلغل” في مفاصل الدولة بهدف نخر مؤسساتها وأجهزتها من الداخل بعد أن وجهت لها ضربات موجعة وفي الصميم خلال الأشهر الماضية حتى أنها باتت مهددة بالانهيار في حال تواصل الهجمات.

وترجع السلطات الأمنية “محاولة الجهاديين اختراق الأجهزة الأمنية إلى الطريقة التي انتهجتها “الترويكا” خلال فترة حكمها للبلاد عامي 2012 و213 حيث لم تخضع الانتدابات للمقاييس الأمنية المعمول بها ومن أهمها “إجراء تحقيق دقيق حول أي مترشح للانتداب بهدف التأكد خلوه من أية شوائب.

وخلال الأسابيع الماضية شغلت محاولة الجهاديين اختراق المؤسسة الأمنية الرأي العام التونسي الذي يراهن على أداء وحياد قوات الأمن لا فقط في التصدي والتوقي من هجمات الجماعات الجهادية وإنما يراهن أيضا على دور المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية في حماية التجربة الديمقراطية الناشئة خاصة في ظل هشاشة الأوضاع العامة بالبلاد وتدني ثقة التونسيين في الأحزاب السياسية التي فشلت في استقطاب الآلاف من الشباب نتيجة غياب برامج تنموية وسياسية قادرة على إقناعهم بحل مشاكلهم وفي مقدمتها التشغيل.

وإضافة إلى محاولات الجهاديين اختراق الأجهزة الأمنية تساور تلك الأجهزة “مخاوف” من سعي بعض الأحزاب السياسية النافذة إلى اختراقها بهدف توظيفها لفائدة مصالحها السياسية وزرع أجهزة أمنية حزبية موازية لأجهزة الدولة الأمر الذي قد يزج بوزارة الداخلية في تجاذبات حزبية وسياسية في نوع من الصراع بين مختلف الأجهزة ويجردها من حيادها ومن الوقوف على نفس المسافة من كل الأحزاب التي تتموقع ضمن الخارطة السياسية للبلاد.

وتقود الأجهزة الأمنية خلال السنوات الأربع الماضية جهودا لا تخلوا من الحياد لقطع الطريق أمام عدد من الأحزاب السياسية التي حاولت استغلال هشاشة الأوضاع الأمنية وضعف أداء مؤسسات الدولة لاختراق مختلف الأجهزة الأمنية خاصة منها “الحساسة” مثل جهاز الاستخبارات وجهاز مكافحة الإرهاب في إطار خطة تهدف إلى توظيف تلك الأجهزة لخدمة مصالحها السياسية من خلال تطويعها في إدارة الشأن العام وفق أجنداتها.

ولم تكن تلك الجهود بجديدة لا على الأجهزة الأمنية ولا على الرأي العام حيث أقر لطفي بن جدو وزير الداخلية السابق في شهر سبتمبر 2013 في خطاب أمام البرلمان بأن “الأحزاب السياسية كلها تريد إيجاد موطئ قدم لها في وزارة الداخلية” ولم يخف أن “هناك أشخاص داخل الوزارة يدينون بالولاء لهذا الحزب أو لذاك” وقال “نحن كلما اكتشفنا وجود أحدهم أبعدناه”.

غير أن الخبراء الأمنيين يشددون على أن الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد مند انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 لم تباشر خطة إستراتيجية تكون كفيلة بتطهير جدري لمختلف الأجهزة الأمنية من أي محاولة اختراق سواء من محاولة اختراق الجهاديين أو من محاولات اختراق الأحزاب السياسية.

وتتهم نقابات أمنية وأحزاب علمانية حركة النهضة بـ”اختراق” الأجهزة الأمنية خلال فترة حكمها عامي 2012 و213 غير أن الحركة نفت تلك الاتهامات.

وفي 23 يوليو/تموز 2015 دعا تقرير مجموعة الأزمات الدولية حول وضع المؤسسة الأمنية في تونس السلطات التونسية إلى “التعجيل بإصلاح المؤسسة الأمنية، كشرط أساسي لمواجهة تصاعد العمليات الإرهابية”.

وعزا التقرير استفحال الهجمات الإرهابية، إلى وجود مشاكل “ذاتية للمؤسسة الأمنية ” وإلى “غياب إستراتيجية أمنية تكون كفيلة بالتكيف مع تهديد هجمات الجماعات الجهادية من خلال وضع سياسة للأمن العام”.

وشدد على “أنه على الرغم من ارتفاع موازنة وزارة الداخلية بنسبة 60 بالمائة بعد انتفاضة يناير/كانون 2011 وانتداب 25000 عون جديد فإن الجهاز الأمني يشهد نزاعات داخلية وتقوضه معارك سياسية”.

وشددت مجموعة الأزمات الدولية على أنه “بدون إصلاح لقوى الأمن الداخلي يسمح بتطبيق إستراتيجية للأمن الشامل، ستبقى البلاد خاضعة لإدارة الأزمات الواحدة تلو الأخرى مع تدهور محيطها الإقليمي وتزايد توتراتها السياسية والاجتماعية مع مخاوف بسقوطها في الفوضى أو عودتها إلى الديكتاتورية”.

ويبدو أن السلطات الأمنية اكتفت بعزل أكثر من 100 أمني يشتبه في تبنيهم للفكر الجهادي وفي انتمائهم للجماعات الجهادية حاولوا اختراق الأجهزة الأمنية خلال السنوات الأربع الماضية ولم ترفع ملفاتهم إلى القضاء وفق ما ينص عليه قانون الإرهاب الذي صدر في 7 اب/اغسطس 2015 على الرغم من أن التهم التي وجهتها لهم يرتقي إلى مستوى الجريمة الإرهابية.

ويرجع الخبراء الأمنيون عدم إحالة ملفات أولئك الأمنيين على القضاء إلى عدة فرضيات من أبرزها أن السلطات فضلت عدم تتبعهم قضائيا لإخفاء ملفات أشد خطورة وفي مقدمتها فرضية تورط أطراف سياسية تمتلك من النفوذ السياسي ما ساعدها على اختراق الأجهزة الأمنية في مسعى إلى توظيفها لخدمة مصالحها وحساباتها من جهة وإلى زرع أجهزة أمنية موازية من جهة أخرى.

وتم خلال الأسابيع الماضية إقالة عدد من القيادات الأمنية في إطار جهود تهدف إلى “تحييد” الأجهزة الأمنية عن “سطوة” الأحزاب السياسية، تقضي بـ”تركيز أجهزة أمنية محايدة” بمنأى عن أي محاولة “تسييس”، وبعيدة عن التجاذبات السياسية وتقف على نفس المسافة من كل الأحزاب السياسية سواء منها المؤتلفة في حكومة الحبيب الصيد أو الأحزاب المعارضة.

وقادت جهود تحصين الأجهزة الأمنية من اختراق الجهاديين وتحييدها عن الخارطة الحزبية والسياسية، إلى تعيين قيادات أمنية على رأس مراكز صنع القرار الأمني العليا وفي مقدمتها الأجهزة التابعة للمصالح المختصة وعلى رأسها “الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب و”إدارة الاستخبارات”.

ويرى الخبراء أن ارتفاع نسبة ثقة التونسيين في الأجهزة الأمنية التي تناهز 93 بالمائة وفق أحدث عمليات سبر الآراء “يعد مؤشرا قويا على أن التونسيين باتوا أكثر اقتناعا بأن مستقبل البلاد مرتبط شديد الارتباط بالرفع من أداء الأجهزة الأمنية في مكافحة الجماعات الجهادية وتوفير الأمن من جهة، ومرتبط شديد الارتباط بتحييد تلك الأجهزة عن أية علاقة مع الأحزاب السياسية من جهة أخرى”باعتبارها مؤسسة جمهورية” من جهة أخرى.

ويشدد الخبراء الأمنيون على أن “نسبة ثقة التونسيين في الأجهزة الأمنية تعكس وعيهم بأن تحييد تلك الأجهزة عن الخارطة الحزبية للبلاد وعن التجاذبات السياسية تعد حصنا منيعا كفيلا بضمان النظام الجمهوري والحفاظ على مدنية الدولة ونمط المجتمع المتعدد فكريا وسياسيا وتؤكد رهان التونسيين على “الأمن الجمهوري” المحايد في حماية التجربة الديمقراطية الناشئة”.

وتجد الأجهزة الأمنية التونسية اليوم نفسها أمام معادلة لا تخلو من تحديات دقيقة، ذلك أن دورها كأجهزة جمهورية في ظل تجربة ديمقراطية ناشئة يتطلب في الآن نفسه تشديد القبضة الأمنية في ظل حالة احتقان اجتماعية ناجمة عن تداعيات أزمة عامة للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها من جهة، والنأي بنفسها عن أية “انتهاكات” لحقوق الإنسان أو ثغرات أمنية تلامس حق التونسيين في ممارسة الحريات الفردية والعامة، السياسية منها والمدنية.

ويقلل الخبراء الأمنيون من خطورة محاولات الجهاديين اختراق الأجهزة الأمنية “بناء على مخطط ممنهج” مشددين على أن تلك الأجهزة “باتت محصنة ولو نسبيا” من أي “عملية اختراق مدروسة” غير أنهم يحذرون في الوقت نفسه من” محاولات تسلل فردية” في ظل استفحال الظاهرة الجهادية لدى الشباب.

ميدل ايست اونلاين

رابط مختصر