الرئيسية / أخبار العراق / الديوانية تحاصر الغجر بقسوة حفاظا على أخلاق العراقيين!

الديوانية تحاصر الغجر بقسوة حفاظا على أخلاق العراقيين!

gipsy

الديوانية (العراق) ـ اضطر الغجر أو الكاولية كما يُسمون في العراق في السنوات التي أعقبت 2003 لممارسة التسول بعدما منعوا من مزاولة الرقص والغناء وهي حرفتهم التي عرفوا بها وتوارثوها عن أجدادهم، وقد ساءت أحوالهم وتشتتوا بين المحافظات الجنوبية، فيما سقطت العديد من نسائهم ضحية لسماسرة تجارة الجنس.

وتشعر كريمة محسن أرملة غجرية (40 عاما) بالحسرة على سنواتها الذهبيّة قبل 2003 حينما كانت تزاول الرقص والغناء اللذين أخذتهما عن أمها.

وتقول عن حياتها السابقة “عندما كنت أرقص كنت أشعر بإنسانيتي وحريتي، وكنت ألقن بناتي فنون الرقص والغناء.. الآن هذا ممنوع علينا، وقد كبرت بالسنّ وأقعدني المرض حتى عن امتهان التسول في شوارع الديوانية”.

وتضيف “نعاني أنا وأبنائي مرارة العيش والحرمان من ابسط حقوقنا فنحن لا نحصل على رعاية صحية ولا راتب رعاية اجتماعية، وقد سئمنا عيشنا القاسي وكره المجتمع لنا “.

ولم تكن حياة الغجر قبل سنة 2003 مثالية، لكن السلطات سمحت لهم آنذاك بممارسة الرقص والغناء في أحيائهم المنعزلة عن مراكز المدن، فضلا عن التنقل لإحياء حفلات الأعراس والمناسبات الاجتماعية الأخرى.

وتضم قرية الزهور التي تقع على مسافة 20 كم جنوبي شرق مركز محافظة الديوانية، في الوقت الحاضر ثلاثمئة دار يكاد يكون اغلبها مهجورا، بينما تعلو شوارعها الأتربة والنفايات.

ويؤكد عبدالله معين – غجري من سكنة الزهور أن قريتهم مطوقة امنيا بعناصر من الشرطة ويقول موضّحا صعوبة وضعهم إن “بعض الشرطة يتعاملون معنا بمزاجية، فهم لا يسمحون لنا أحيانا بدخول القرية، وفي أحيان أخرى يمنعون أقاربنا من زيارتنا”.

ومع هذا التشدّد، فإن قائد شرطة الديوانية اللواء عبدالجليل الأسدي يؤكد أن “الغجر أناس مسالمون ليست لديهم دوافع إجرامية ولا حواضن إرهابية، ولم تسجل أي جريمة سرقة أو قتل بحقهم ولم يمارسوا البغاء”.

ويبرر الطوق الأمني المضروب حول القرية بأنه “جاء بقرار من مجلس محافظة الديوانية السابق لدواع أخلاقية وليست أمنية، فبعض مناطق الديوانية موبوءة بالجريمة أكثر من قرية الزهور”.

وتنعدم الخدمات في قرية الزهور فلا ماء إسالة ولا مدارس ولا مستوصف، فيما تسمح السلطات بحوضية ماء صالح للشرب تزورهم مرة بالأسبوع.

ويعزو عبدالله معين ذلك إلى إهمال بلدية المدينة لقريتهم، لذا ارتفعت تلال النفايات أعلى من سقوف بيوتهم، كما أنهم يواجهون بطالة مزمنة فلا أحد يرغب باستخدامهم في الأعمال.

ويقول نحن “عراقيون كما تؤكد وثائقنا وهوياتنا ونمارس حق الانتخاب لكن لا يُسمح لنا أبدا بالتقديم على أي وظيفة في الدولة حتى الوظائف البسيطة كعامل خدمة أو حارس ليلي بسبب عبارة ‘الاستثناء’ التي ختمت بها شهادة الجنسية التي يحملها الغجري”.

وبعد 2003، استبدلت كلمة “غجري” في شهادة الجنسية العراقية التي تحدد هويتهم كأقلية عرقية بمفردة “استثناء”.

ومنذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينات القرن العشرين، منع الغجر من الالتحاق بالجيش العراقي آو الشرطة باعتبار ذلك يناقض الشرف العسكري حتى استدعاهم صدام لتأدية الخدمة العسكرية خلال حربه ضد إيران.

وفي هذا الصدد يقول عبدالله إن بعض شبابهم تعرضوا آنذاك لعقوبة الإعدام بسبب تخلّفهم عن الالتحاق بجيش صدام، ولم تحصل عائلاتهم على تعويض أو اعتراف بما حصل لهم من الجهات الحكومية بعد 2003.

ويعتقد الباحثون أن أصول الغجر تعود إلى شبه الجزيرة الهندية، وهم يشكلون أقلية عرقية في العراق يزيد تعدادها على 50 ألف نسمة.

ويقول الباحث في التاريخ وعلم الاجتماع غالب الكعبي إن “أول أسرة غجرية سكنت الديوانية تعود إلى بداية القرن العشرين، ثم انتشروا في مناطق الكمالية والإسحاق والبصرة”.

وكانت هناك محاولات من السلطات العراقية في الخمسينات لدمجهم بالمجتمع حين أسست لأبنائهم مدرسة ابتدائية في عام 1964 بقرية الزهور، وبسبب الفقر والظروف المعيشية القاسية فإنهم في أحيان كثيرة يتحولون من الرقص والغناء إلى ممارسة البغاء.

ويروي الكعبي كيف أن بعض وجهاء المدينة وشيوخها عمدوا إلى الزواج من بعض الغجريات الجميلات لمنعهن من ممارسة البغاء، ونجم عن ذلك ولادة أبناء لهؤلاء الشيوخ من أمهات غجريات أصبح بعضهم مسؤولا في الدولة، ولا يرغبون بالكشف عن ماضيهم.

ومنذ 2004، تعرض الغجر للتنكيل وتدمير قراهم في بغداد والديوانية وأماكن أخرى من قبل ميليشيات دينية متشدّدة.

ويبدو الألم على وجه كاظم (أبو نشوان) وهو يتطلع لدور قريتهم المخرّبة. ويقول “نحن ضحية الميليشيات التي انتهكت حقنا بالعيش الآمن ودمّرت قريتنا بعد أن قصفتها بالصواريخ ومدافع الهاون، وعندما خرجنا للانتخابات في مركز قرية (آل حمد) تعرضت نساؤنا للضرب والاهانة من قبل عناصر الأحزاب، كما منع شبابنا من المشاركة بمسابقات كرة القدم المحلية حيث اعتقل الرياضيون الذين حاولوا دخول القرية للعب مع شبابنا”.

ويرى أبو نشوان أن رفض المجتمع وعدم تقبله لهم اشدّ قسوة من الطوق الأمني الذي جعلهم يعيشون في عزلة. ويتساءل “هل أن لقب غجري أصبح وصمة عار في جباهنا بينما الجميع يعلم بأننا مواطنون شيعة نملك طاقات شبابية ومواهب فنية ضائعة حيث لا يسمح لنا بالغناء والرقص؟”

على أن هذه الاستغاثات تواجه بالرفض من لجنة حقوق الإنسان في مجلس محافظة الديوانية.

ويزعم حسن الجبوري رئيس اللجنة أن الطوق الأمني ضرورة لابد منها للحفاظ على المجتمع من الممارسات غير الأخلاقية للغجر.

ويقول “نحن نحترم تمتعهم بالخدمات العامة وهم يستحقون التمتع بالحقوق الإنسانية جميعها، لكننا نرفض رفع القيود الأمنية عنهم واختلاطهم بمجتمع الديوانية بسبب واقعهم الأخلاقي السيء”.

ولكسر طوق التمييز والإقصاء الذي يعانون منه التحق الكثير من شباب الغجر بأفواج الحشد الشعبي ومنهم من فقد حياته، على أن ذلك لم يخفف من عزلتهم.

ميدل ايست اونلاين

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نادية مراد تعلن استخدام قيمة جائزة نوبل للسلام فى بناء مستشفى فى العراق

قالت نادية مراد الأيزيدية العراقية التى تعرضت للسبى من قبل مقاتلى تنظيم داعش وحصلت على ...

%d مدونون معجبون بهذه: