النهضة تضطر الى التقارب مع تونس البورقيبية

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 30 سبتمبر 2015 - 3:32 مساءً
النهضة تضطر الى التقارب مع تونس البورقيبية

تسعى حركة النهضة الإسلامية إلى نحت ملامح جديدة لصورتها من خلال الترويج إلى أنها حركة تونسية تنهل من معين المشروع الإصلاحي التونسي وتستمد شرعيتها الدينية والسياسية من إرث الحركة الوطنية التي شهدتها البلاد مند النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حتى أنها باتت تعترف بمكاسب النظام الجمهوري الذي أعلنه الزعيم الحبيب بورقيبة العام 1956 إثر استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي بعدما كانت ترفضه رفضا قاطعا باعتباره نظاما علمانيا “مزق مقومات الهوية العربية الإسلامية” لتونس.

ويبدو التقارب الذي تشهده تونس خلال هذه الفترة بين الحركة الإسلامية وحزب نداء تونس الذي يتخذ من الفكر السياسي البورقيبي مرجعية له مؤشرا قويا، من الناحية السياسية على الأقل، على أن حركة النهضة باتت تخطو نحو الاعتراف بمكاسب دولة الاستقلال التي قادها الحبيب بورقيبة خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي في إطار مشروع إصلاحي علماني كثيرا ما استبعد الشأن الديني عن الشأن السياسي.

وأثار التقارب السياسي بين حزب نداء تونس العلماني وحركة النهضة الإسلامية سيلا من التساؤلات بلغت حد القلق في الأوساط العلمانية حول الخلفيات الفكرية والأبعاد السياسية التي تقف وراء تجسير هوة عميقة بين حزب علماني يرفض تديين السياسة وتسييس الدين وبين حركة ترى في العلمانية خطرا على هوية تونس العربية الإسلامية.

وخلال الأشهر الأخيرة أخذ التقارب السياسي بين النداء والنهضة نسقا تصاعديا وبدا الحزبان وكأنهما يتجردان من هوياتهما الفكرية والسياسية المختلفة إلى حد التناقض وينسجان علاقة جديدة على أنقاض علاقة عدائية كثيرا ما عصفت بالحزبين طيلة أكثر من ثلاث سنوات نتيجة الاختلافات العميقة سواء من حيث المرجعية الفكرية والعقائدية أو من حيث الرؤية السياسية في التعاطي مع الأزمة التي تعصف بالبلاد.

النهضة أو الصف المناهض لفكرة الدولة المدنية

وتبدو العودة إلى التاريخ هنا ضرورية إذ تأسست حركة الاتجاه الإسلامي، النهضة حاليا، في 1981 ليس فقط لمواجهة نظام بورقيبة الذي كان يحكم البلاد بقبضة من حديد بل أيضا لمواجهة الدولة المدنية والعلمانية التي كثيرا ما رأت فيها تهديدا لمقومات الهوية العربية الإسلامية لتونس وتجريدا للشأن العام من أي دور للشأن الديني، وقادت طيلة أربعة عقود مواجهة مع دولة الاستقلال المدنية ونظامها الجمهوري.

غير أن تجربتها في الحكم خلال عامي 2012 و2013 قادتها إلى نوع من المصالحة مع “البيئة التونسية” وفق تعبير راشد الغنوشي خلال أكثر من تصريح صحفي حيث لم يتردد عن الإقرار بأن النهضة كانت منذ نشأتها تقف في الصف المناهض للدولة ولكل ما تمثله، ولكنها بعد مرور أربعة عقود على النشأة بلغت مرحلة النضج والمصالحة مع إرث الحركة الإصلاحية التونسية الذي استعدته بل تمسكت بمقاطعة الدولة الوطنية المدنية.

وتظهر القراءة في خطاب حركة النهضة مند العام 2014 ،أي بعد تنحيها عن الحكم في أعقاب أزمة سياسية حادة لفائدة حكومة كفاءات غير متحزبة رأسها مهدي جمعة، أن الحركة الإسلامية تنتهج خطابا لا يتبنى فقط إرث الحركة الإصلاحية التونسية بل يتبنى أيضا إرث دولة الاستقلال والنظام الجمهوري.

باعتباره إرث التونسيين جميعا في مسعى إلى “تونسة” نفسها بعيدا عن أي ارتباط بالإرث الإخواني بعدما شعرت بأن مواجهتها للقوى العلمانية لن تقود إلا إلى خسارة سياسية وشعبية حتى وان كانت في الحكم.

ويقول محللون سياسيون إن النهضة تخلت بعد تجربة الحكم عن خطابها السياسي الذي كثيرا ما يتمسك بأسلمة الدولة والمجتمع، لافتين إلى أن هذا التخلي ما كان ليتم لولا تمسك القوى العلمانية بدفاعها عن مكاسب دولة الاستقلال المدنية والضغط على الحركة باتجاه تعديل مواقفها في مرحلة أولى قبل أن تقوم بمراجعة شاملة لمرجعيتها العقائدية في مرحلة ثانية.

ويضيف المحللون أن طبيعة المشهد السياسي التونسي المتعدد فكريا وسياسيا من جهة، وعمق التحولات الإقليمية وما رافقها من فشل الإخوان في الحكم وفي مقدمتهم إخوان مصر من جهة أخرى، دفعت بحركة النهضة إلى تعديل خطابها السياسي باتجاه تبني أهم عناوين مكاسب دولة الاستقلال في خطوة أولى قد تقود إلى مراجعات جذرية خلال الفترة القادمة.

ويرجع الأخصائيون في جماعات الإسلام السياسي سعي النهضة إلى تجذير نفسها في إرث الحركة الإصلاحية التونسية وإلى الإقرار بالمشروع الوطني الذي قادته دولة الاستقلال المدنية إلى أن الحركة الإسلامية باتت مقتنعة بأن تونس البورقيبية ما زالت حاضرة بقوة لا في الذاكرة الجماعية للمجتمع التونسي فقط بل وأيضا في الخيارات السياسية والاجتماعية لدى الأحزاب العلمانية التي طوعت الفكر البورقيبي إلى سلاح سياسي في مواجهة الإسلاميين الدين يرون فيهم خطرا على مدنية الدولة ونمط مجتمع متعدد فكريا وسياسيا ناضلت من أجله أجيال من المصلحين والمفكرين والفقهاء المستنيرين مند منتصف القرن التاسع عشر.

وكان الحبيب بورقيبة تزعم مند العشرينات من القرن الماضي حركة التحرر الوطني وخاض معارك شرسة مع القوى الدينية التقليدية التي كثيرا ما حملها مسؤولية تخلف المجتمع. وأسس العام 1932 الحزب الاشتراكي الدستوري مع نخبة من السياسيين والمثقفين العلمانيين الذين استماتوا في الدفاع ليس عن استقلال البلاد فحسب بل أيضا في الدفاع عن دولة تونسية مدنية حرة وذات سيادة ومجتمع تونسي تحكمه قيم المواطنة.

في مواجهة حداثة متجذرة

ومنذ استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي العام 1956 قاد بورقيبة مشروعا وطنيا ينتصر لدولة المواطنة المدنية وسيادة تونس على ترابها، فأعلن النظام الجمهوري بعد إلغاء الحكم الوراثي ليقود واحدة من التجارب العربية الأكثر جرأة تنتصر لفكرة “الوطنية التونسية” على الرغم من أن المناخ السياسي العربي هيمنت عليه في الستينات الأفكار القومية العربية.

وبدا بورقيبة وسط ذلك المناخ زعيما وطنيا متحديا الرأي العام العربي الذي كان متشبثا بالقومية العربية، فأسس مؤسسات دولة وطنية مدنية شملت المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية وقاد بمشقة برنامجا تنمويا وسياسيا اعتمد بالخصوص على توحيد نظام التعليم وإجباريته وخطط اجتماعية لتحرير التونسيين من تركة الموروث التقليدي وفي مقدمتها حرية المرأة.

وفي أعقاب انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 عمل السياسيون العلمانيون على إحياء الإرث البورقيبي في مواجهة ما اعتبروه مشروع الإسلاميين، حيث رأوا فيه مشروعا يهدف إلى نسف مؤسسات الدولة المدنية ومكاسبها وفي مقدمتها حرية المرأة التي كثيرا ما أعتبرها بورقيبة عنوان الحداثة.

وخلال عامي 2012 و2013 فرضت الأحداث التي مرت بها تونس التي تقود الربيع العربي نوعا من الاستقطاب السياسي الثنائي يقود تياره الأول الإسلام السياسي فيما يقود تياره الثاني حزب نداء تونس بزعامة رجل بورقيبة القوي الباجي قائد السبسي.

وبدا المشهد السياسي في تلك الفترة مشهدا متوترا ومتشنجا تتنازعه أفكار الحركات الإسلامية وأفكار زعيم بورقيبة الذي أطلق منذ بداية منتصف الخمسينات من القرن الماضي مشروعا حداثيا يقوم على مفهوم “الدولة الأمة”.

وجاء تأسيس حزب نداء تونس من قبل الباجي قائد السبسي الذي يعد واحدا من أبرز رجالات بورقيبة العام 2012 ليمثل قوة سياسية معارضة لحركة النهضة وليعيد للمشهد السياسي توازنه وينهي حالة من الاختلال عصفت بتونس في ظل تشتت القوى العلمانية مقابل استقطاب حاد يقوده الإسلاميون.

وشدد قائد السبسي أنذاك على أن نداء تونس هو حزب سياسي يستلهم مرجعيته الفكرية والسياسية من المقاربة البورقيبة التي تؤمن بمدنية الدولة وهيبتها والولاء لها دون سواها مشددا على أن النداء يمثل تواصلا مع الحركة الوطنية التونسية التي ناضلت من أجل نظام جمهوري ينأى بنفسه عن الزج بالدين في إدارة الشأن العام للبلاد.

ونجح نداء تونس خلال عامين فقط في بناء قوة سياسية علمانية قطعت طريق الحكم أمام الإسلاميين خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في خريف 2014 حيث اختار التونسيون التصويت لحزب نداء تونس ومؤسسه قائد السبسي في عملية سياسية وصفها المحللون السياسيون بأنها “عملية تصويت لبورقيبة وللبورقيبية” الأمر الذي بدا وكأنه عودة الروح للمشروع الوطني الذي قاده بورقيبة.

ومن الدلالة السياسية أن أكثر من مليون امرأة تونسية منحت صوتها لقائد السبسي الذي قدم نفسه حاملا لمشروع بورقيبة وحاميا لحرية المرأة. وحسمت نساء تونس بذلك فوز “بورقيبة الديمقراطي” برئاسة الجمهورية.

الغنوشي ومفاجأة عمرها اربع سنوات

ويقول المحللون السياسيون إن الغنوشي الذي عاد إلى تونس بعد عشرين سنة من منفاه في لندن يوم 31 يناير 2011 لم يكن يتوقع أنه سيفاجأ بوجود الفكر السياسي البورقيبي عالقا بأذهان ووعي شباب لم يعايش الحقبة البورقيبية أصلا إضافة إلى قطاعات واسعة من التونسيين وفي مقدمتهم الطبقة السياسية العلمانية التي تتمسك بمكاسب دولة الاستقلال وترفض رفضا قاطعا مشروع الإسلاميين بل وترى فيه خطرا على تونس دولة ومجتمعا.

وفيما كان الإسلاميون يرصون صفوفهم في أعقاب انتفاضة يناير 2011 كان الشباب يستمتع بمقاطع فيديو من خطب مؤثرة للزعيم من خلال مواقع شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك عبر الهواتف النقالة التي نقلت إليهم أفكار بورقيبة حول فرحة الحياة والحق في التنمية وتعميم التعليم وحرية المرأة ومكانة تونس الحديثة بين الأمم وهيبة الدولة المدنية والوحدة الوطنية والاعتزاز بالانتماء للدولة والولاء لها دون سواها والكفاح من أجل مستقبل أفضل الذي يطلق عليه أب الاستقلال مفهوم “الجهاد الأكبر”.

ومنذ العام 2012 نجح قائد السبسي في بناء قوة سياسية تستقطب أكثر من 20 ألف ناشط سياسي موزعين في مختلف جهات البلاد الأمر الذي أربك الجماعات الإسلامية التي ترى في نداء تونس عودة لمشروع بورقيبة الذي تمقته وتجاهد من أجل تغييبه عن أذهان التونسيين.

وتحت السطوة السياسية لعودة البورقيبية وتصدر قائد السبسي قائمة السياسيين الذين يحظون بثقة التونسيين من جهة، وتحت صدمة تراجع شعبية الإسلام السياسي استفاقت حركة النهضة على هزيمة انتخابية برلمانية ورئاسية خلال انتخابات 2014 لم تكن تتوقعها ما بدا مؤشرا قويا على أن البورقيبية فكرا وسياسة ما زالت حاضرة في الثقافة السياسية لغالبية التونسيين.

وبعد أربع سنوات من الانتفاضة وقف علمانيو تونس بمن فيهم من كان معارضا لنظام بورقيبة على حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن نجاحهم الشعبي والسياسي مرتبط بمدى تفاعلهم مع إرث الدولة الوطنية وإرث مشروعها السياسي والاجتماعي والثقافي وأنه لا يمكن فهم تونس دولة وشعبا ما لم يتم فهم فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

ويقول مراقبون إن سعي حركة النهضة إلى المصالحة مع البورقيبية فكرا وسياسة يعد مؤشرا على أن الحركة بصدد القيام بمراجعة مواقفها من دولة الاستقلال المدنية ومن مكاسبها بما في ذلك حرية المرأة التي تعد عنوان المشروع الوطني الحداثي.

ويضيف المراقبون أن نجاح أي حزب علمانيا كان أو إسلاميا لن يتمكن من كسب تأييد النخب الفكرية والسياسية وقطاعات واسعة من المجتمع التونسي ما لم ينتهج سياسات متجذرة في الواقع الاجتماعي والسياسي الوطني تستلهم عناوينها من ملامح المشروع الوطني الإصلاحي الذي قادته دولة الاستقلال.

ميدل ايست اونلاين

رابط مختصر