خبيرة الآثار العراقية د. لمياء الكيلاني: ما يدمر من آثارنا يذهب إلى الأبد

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 27 سبتمبر 2015 - 3:37 مساءً
خبيرة الآثار العراقية د. لمياء الكيلاني: ما يدمر من آثارنا يذهب إلى الأبد

ولدت لمياء الكيلاني في عائلة تتحدر من القطب الصوفي الأشهر السيد عبد القادر الكيلاني في بغداد، وأتمت دراستها الابتدائية والثانوية فيها، ودخلت كلية الآداب جامعة بغداد ـ قسم الآثار، غادرت بغداد لحصولها على زمالة في جامعة كيمبردج في بريطانيا لدراسة الآثار لتعود عام 1961 كأول امرأة عراقية درست الآثار في الجامعات الغربية. عملت في المتحف العراقي الذي كان يديره في تلك الفترة الآثاري العراقي د.فرج بصمجي، الذي كلفها بعمل يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد والصبر، فقد تكدست في المتحف العراقي آلاف الأختام الاسطوانية، وقد كلفت الكيلاني بفرزها وتبويبها وتصويرها فوتوغرافيا لغرض أرشفتها، مما ولد في نفسها عشقا سيتطور لاحقا إلى دراسة اكاديمية، بعد ذلك تولى إدارة المتحف أحد أشهر آثاريي العراق وهو د.طه باقر، الذي كان ذو عقلية متفتحة فيما يخص التعامل مع المرأة في حقل الآثار، وقد ابتدأت حينها أعمال التنقيب في موقع قرب بغداد مما وفر فرصة مناسبة للدكتورة لمياء الكيلاني للمشاركة، وبذلك كانت أول عراقية تشارك في أعمال التنقيب عن الآثار العراقية.

○ كيف كانت البداية؟ لنبدأ قصة الآثار العراقية من بدايات الحكم الوطني، وأسأل عن تعريف سريع بدائرة الآثار منذ تأسيسها؟
• كما هو معروف ان تأسيس الدولة العراقية كان تحت وصاية بريطانيا فيما عرف بالانتداب، والانكليز كانت لهم معرفة جيدة بآثار العراق، وبشكل خاص (مس بيل). هذه السيدة معنية منذ فترة مبكرة بالآثار وعملت في التنقيب والمسوح خلال تجوالها في المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى.
○ لكنها لم تكن آثارية أكاديمية، أليس كذلك؟
• لم يكن حينئذ تخصص الآثار يدَرس في الجامعات، لكنها أول امرأة تحصل على درجة جامعية في التاريخ من جامعة اوكسفورد. وتعد (مس بيل) من الآثاريين المعروفين بعلميتهم، وكانت معروفة برصانة تعاملها مع الموضوع. ففي رحلتها التي جالت فيها كل أرجاء العراق تقريبا عام 1909 كانت ترسم كل موقع تزوره رسما علميا تعريفيا وبشكل خاص الخانات العثمانية، ورسوماتها إلى حد الآن تمثل مصدرا مهما لمعرفة المواقع الأثرية في العراق. وقد سعت في وقت مبكر لأنشاء دائرة متخصصة تعنى بالآثار، وفعلا تم ذلك عام 1922 وأصبحت مس بيل مديرة فخرية لهذه الدائرة.
○ لكنها كانت تشغل منصبا رسميا كسكرتيرة شرقية للمندوب السامي البريطاني في العراق، فهل كانت مديرة لدائرة الآثار بالإضافة لعملها الرسمي؟
• الحقيقة ان تعيينها مديرة لدائرة الآثار كان نوعا من الابعاد لها عن المشهد السياسي، وذلك لتوتر علاقاتها مع الكثير من السياسيين في سنواتها الأخيرة، وهي الفترة التي انشغلت فيها بتأسيس دائرة الآثار والمتحف العراقي (1922-1926). كانت عاشقة للآثار، فجاء هذا الامر متوائما مع رغبتها، لقد كانت سيدة ذكية وحاذقة وقدمت انجازات مهمة في هذا المجال.
○ عملت (مس بيل) جاهدة على إنشاء المتحف العراقي وقد ابتدأت بغرفة واحدة في سراي الحكومة(القشلة) تتكدس فيها القطع الأثرية وصولا إلى إنشاء المتحف العراقي، الذي هو اليوم المتحف البغدادي، كيف تم الانتقال إلى بناية مستقلة للمتحف العراقي؟
• هذه البناية هي أول متحف عراقي، لكنه لم يبن خصيصا ليكون متحفا، وانما كان مدرسة الحقوق في العهد العثماني، وبجواره كانت المطبعة الحكومية، وعندما انتقلت هاتان الدائرتان، طلبت (مس بيل) تخصيص البنايتين وربطهما معا لتكوين المتحف العراقي، لكنها لم تكمل انجاز العمل فقد انجزت ما يعرف بالقاعة البابلية فقط ووافتها المنية عام 1926. لقد كانت مصرة منذ اليوم الأول لاشتغالها في دائرة الآثار على التأكيد على وجود متحف عراقي وطني، ومن جاء بعدها من مدراء أجانب (اربعة تولوا المهمة) أيضا أكدوا على ذلك، لكن لم يحصل عليها إلا شخص يتميز بالحاحه ومحاولاته المستمرة والدؤوبة في ذلك وأعني ساطع الحصري.

قصة بناء المتحف العراقي

○ كيف ابتدأت قصة بناء المتحف العراقي القائم الآن في مركز بغداد ؟
• لقد تم شراء الأرض في الثلاثينات ابان رئاسة ساطع الحصري لدائرة الآثار، ولكن العمل في انشاء الأبنية والقاعات كان بطيئا جدا، وقد خاف الحصري ان تذهب الأرض إلى مشاريع أخرى خصوصا ان حقبة الثلاثينيات والاربعينيات شهدت توسعا عمرانيا في بغداد، ولتثبيت مكان المتحف بشكل نهائي تم بناء البوابة الآشورية التي ستكون المدخل الرئيسي للمتحف عام 1939 وطلب من شركة أجنبية عمل ثلاث نسخ من أسد بابل بحجم النسخة الأصلية وثبتها في زوايا الأرض التي كانت مثلثة الشكل، كما بني في أحد أطراف الأرض مخزن لخزن القطع الأثرية، وبذلك حددت مساحة الأرض التي سيقام عليها المتحف الجديد. لقد كانت البوابة من تصميم المعماري الانكليزي سيتن لويدز وهو آثاري ومعماري عمل مستشارا لساطع الحصري في دائرة الآثار.
○ قرأت في مقال نشر عن بناء المتحف ان فكرة بوابته ستكون بمثابة بوابة لدخول بغداد أشبه بقوس النصر في شارع الشانزلزيه في باريس، حيث ان الداخل إلى بغداد سيأتي من مطار المثنى القريب، وكان من المقرر ان يمر الملك بسيارته من تحت القوس في الافتتاح، فهل تؤيدين هذه الرواية؟
• لا اعتقد بوجود هكذا فكرة، لأن ساطع الحصري لم يكن معنيا بهذا الأمر، لقد كانت الفكرة هي بناء بوابة للمتحف، لقد كان مدير دائرة الآثار عام 1934 آثاريا ألمانيا اسمه يوردن الذي أصبح فيما بعد مستشارا للحصري، كان يوردن نازي الميول، وقد أقنع، ساطع الحصري باستقدام معماري ألماني شهير هو مارخ وهو مقرب من هتلر، وصمم أعمالا مشهورة في المانيا مثل ملعب برلين الذي أقيمت فيه الألعاب الأولمبية عام 1936 والبناية التي ستصبح فيما بعد محكمة نورنبرغ الشهيرة التي حوكم فيها قادة ألمانيا النازية بعد الحرب العالمية الثانية، عندما طلب من مارخ تصميم المتحف العراقي، قدم إلى بغداد ووضع التصميم الذي كان نموذجا متفردا على مستوى متاحف العالم. أنجز التصميم لكن موضوع الأرض والتخصيصات اللازمة للبناء كان بين شد وجذب حتى قامت الحرب العالمية عام 1939 فتوقف العمل في انشاء المتحف. وفي عام 1954 تم الرجوع ثانية لتصميم مارخ وطلب التخصيصات المالية اللازمة من مجلس الإعمار، وبالفعل تم البدء مجددا باعمال انشاء المتحف العراقي، الرجوع لمخططات مارخ حصل لانها كانت متميزة من حيث دراسة البيئة العراقية والتأكيد على خصوصية مواد البناء المحلية (الطابوق والجص) وتوزيع الضوء وسعة المساحات وتوزيعها الفني والعلمي. في عام 1954 كان مارخ ما يزال على قيد الحياة فتم استقدامه مرة اخرى للاشراف على التنفيذ، لكنه بقي فترة قصيرة ومرض بعدها فأضطر للسفر مغادرا العراق ليشرف جعفر علاوي على تنفيذ المشروع المعماري العراقي وتم انجاز العمل في بداية الستينيات لكن الافتتاح الرسمي للمتحف العراقي كان عام 1966.

المسيرة العملية

○ لنعد إلى رحلتك في عالم الآثار، أكملت الدراسة في كيمبردج عام 1961 وعدت للعراق للعمل في الآثار، كيف كانت مسيرتك العملية؟
• عدت من بريطانيا عام 1961 ونسبت للعمل في المتحف مباشرة، وكان ما يزال في البناية القديمة، ومنذ الأيام الأولى تفرغت لعمل شيئين كلفني بهما د. فرج بصمجي الذي كان مديرا للمتحف، الأول؛ كان لدينا في المتحف حوالي خمسة آلاف ختم اسطواني، كان علي ان أفرزها وآخذ طبعات منها على طين اصطناعي ليتم تصويرها فوتوغرافيا وارشفتها وقد قضيت شهورا طويلة في هذا العمل، الشيء الآخر؛ أناط بي مدير المتحف مرافقة الضيوف المهمين وبشكل خاص الأجانب في زيارتهم للمتحف لأني كنت اتكلم الانكليزية بطلاقة.
○ ومتى خرجت لأعمال التنقيب في المواقع العراقية؟
• في السنة الثانية من عودتي، أي عام 1962 ابتدأت أعمال تنقيب في محيط بغداد في تل الضباعي القريب من تل حرمل (في بغداد الجديدة الآن) وكانت ميزة الموقع هي قربه من بغداد حيث لا أضطر إلى المبيت في مخيم الموقع كما هو الحال في المواقع البعيدة، فكنت أذهب يوميا وأعود في نهاية يوم العمل وبذلك ضمنت موافقة العائلة وعدم ممانعتها على الخروج للتنقيب، لأن هذا الأمر كان غير مقبول اجتماعيا، وحتى في دائرة الآثار لم يكن الأمر مقبولا، لكن في هذا الوقت كان الآثاري العراقي د.طه باقر قد أصبح مديرا للمتحف العراقي وهو ذو عقلية متفتحة وقد ساندني ودفعني للعمل في التنقيب، وبتأثير توسط بعض المعارف لدفع الأمر، إذ طلبت من الاستاذ كامل الجادرجي مساعدتي والتوصية علي، وفعلا تم لي ما رغبت، لكني بعد ذلك شعرت بعدم الرغبة أو الميل للعمل في المواقع وأحببت العمل في المتحف وفي البحث والدراسة أكثر من التنقيب، لذلك كانت هذه تجربتي الوحيدة في التنقيب. ان من يعمل في المتحف يجد أمامه آلاف القطع ويستمتع بالعمل عليها بيسر وسهولة إن جاز التعبير ، بينما العمل في المواقع يستوجب بذل جهد كبير ويستغرق وقتا طويلا دون ان تعرف بشكل مؤكد ماذا ستجد.
○ بتأثير عملك في المتحف وشغفك بالعمل الآثاري سافرت مرة أخرى لإكمال دراستك العليا في بريطانيا، كيف تم الأمر؟
• بسبب عملي في المتحف ومعرفتي بالآثار الموجودة، ذهبت إلى جامعة ادنبرة لاكمال دراسة الماجستير وكان موضوع اطروحتي (الأواني السومرية الفخارية الطقسية) والتي كنت قد عرفتها ودرستها في المتحف العراقي، ثم ذهبت إلى جامعة لندن لإكمال دراسة الدكتوراه حيث كان موضوع أطروحتي (الأختام الاسطوانية) التي قضيت في بغداد أشهرا طويلة أدرسها وأفرزها، لذلك كانت خبرتي في هذا الموضوع ممتازة.

عقود الاستقرار

○ هل تعتبرين عقدي الستينيات والسبعينيات الفترة الذهبية في التعامل مع الآثار العراقية؟
• نعم وحتى يمكننا ان نعتبرعقد الثمانينيات كذلك، لكن أحب ان أشير هنا إلى أمر مهم، وهو انه في العقدين المشار لهما توضحت جهود الآثاريين العراقيين الذين درسوا في الجامعات الغربية وامتلكوا خبرات نظرية مهمة انعكست على عملهم في مجال الآثار عند عودتهم ، لكن وللأسف بعد ذلك اعتمد حقل الآثار على الدراسة في الجامعات العراقية، وأقول ذلك واتأسف عليه؛ ان مستوى دراسة الآثار في الجامعة العراقية ما زال متدنيا، وما زالت مجتمعاتنا لا تعي أو لم تصل إلى مستوى وعي يقدر أهمية آثارنا، ومن يعملون في هذا المجال ما زالوا يعانون من الإهمال.

بداية الكارثة

○ وصلنا عقد التسعينيات، وقد تحدثت في أكثر من لقاء عن التدمير والنهب الذي حصل للآثار العراقية إبان حرب الخليج عام 1991 على صعيدي المواقع الأثرية والمتاحف في العراق، هلا حدثتينا عن ذلك؟
• لقد حدثت كارثة آثارية في العراق عام 1991 إذ تعرضت تسعة من أصل ثلاثة عشر متحفا من متاحف المحافظات العراقية إلى النهب والتدمير، فقدت في هذه الأحداث حوالي خمسة آلاف قطعة أثرية، لكن لم يتم تسليط الضوء على الموضوع كما حصل بعد ذلك في 2003 لأن العالم كان مشغولا بمصير النظام، هل سيسقط أم يبقى؟ وكان هذا الأمر هو الأهم في الأخبار العالمية مما جعل مسألة تدمير الآثار تنزوي بعيدا عن الاهتمام. لقد كان عقد التسعينيات عقد الكوارث الآثارية على مستوى النهب الذي طال المتاحف والتدمير الذي طال المواقع الأثرية كما ان الصيانة غير العلمية قد تسببت في شطب مواقع آثارية من سجل اليونيسكو، وذلك لعدة أسباب منها الحصار الاقتصادي وضعف قدرات الدولة على حماية المواقع الآثارية مما جعلها نهبا للسراق الذين ينبشون في آلاف المواقع المنتشرة في جنوب العراق، ودخول المافيات الدولية لتهريب الآثار على الخط واتفاقها مع السراق المحليين على سرقة وتهريب الآثار.

نهب المتحف العراقي

○ إبان الغزو الأمريكي عام 2003 ما الذي حصل؟ ماهي الجهود أو المساعي التي بذلت من قبل الآثاريين لحماية آثار العراق؟
• تحرك عدد من الآثاريين الأجانب وانا كنت معهم لحث الحكومة الأمريكية على عدم المساس بالآثار العراقية والحفاظ على المواقع الأثرية، وللأمانة كان الآثاريون الأجانب يؤكدون على المواقع الأثرية، بينما كنت انا اؤكد على حماية المتحف من احتمالية النهب. انا عراقية وأعرف معنى الإنفلات الأمني وما قد يصاحب اسقاط النظام من فوضى ونهب. بقينا في الولايات المتحدة لعدة أيام قبيل الحرب وتحدثنا مع مسؤولين أمريكيين بهذا الأمر ووعدونا خيرا لكني أحسست بعدم جديتهم أو عدم أهمية الموضوع بالنسبة لهم. ولكنهم للأمانة كانوا قد أشروا على المواقع الآثارية والمتاحف كنقاط مهمة وحساسة يجب ان لا يطالها القصف، لكن ما حصل هو ما نبهتهم إليه وهو سرقة المتحف بعد سقوط النظام وقصة السرقة أصبحت معروفة.
○ عدت إلى العراق كمستشارة في إدارة المتحف العراقي وانت من أصر على تشكيل لجنة تحقيق في ما حصل في المتحف، لكن لحد الآن لم تعلن نتائج التحقيق للرأي العام، لماذا؟هل هنالك إدانة لجهات أو شخصيات سياسية مشتركة في الحكومة الآن؟
• لا الأمر ليست له علاقة بشخصيات أو أحزاب يمكن ان تدان، لكن ما توصل له التحقيق سيكون غير مرض في رأيي إذا أعلن للشعب العراقي، لأن كم الإشاعات التي تناولتها وسائل الإعلام من ربط موضوع النهب بدول إقليمية أو بجهات إسرائيلية أو حتى أمريكية متنفذة، كان شوش على الرأي العام العراقي، ولم نعثر لكل ذلك على أي دليل مؤكد. أنا من اصر على تشكيل اللجنة التحقيقية، وكنت أحد أعضائها، وصلت إلى العراق بعد شهرين من الأحداث تقريبا وكنت أريد ان أصل إلى نتائج حقيقية فيما حصل، وللعلم اللجنة التي تشكلت كانت لجنة تقصي حقائق لمعرفة ما الذي حصل وليست لها سلطة لإدانة أحد، ولكن ولعدة أسباب فضلت الانسحاب من اللجنة لكني أنا من اختار أعضائها لإتمام التحقيق. بعد مرور الوقت اكتشفت ان من في يده القرار غير معني بموضوع الآثار ولا يهتم لما حصل، وقد كان هذا الأمر محبطا جدا. المهم ان ما استعيد من القطع المنهوبة أقل من ثلثها، وللدقة لا أحد يعرف بالضبط إلى حد الآن عدد القطع المسروقة أو المدمرة ولا عدد القطع المسترجعة لعدم وجود سجل دقيق لذلك.
○ وماذا عن حقبة وجود القوات الأمريكية في العراق التي امتدت من 2003 إلى 2011؟
• كنت شاهدة عيان على بعض ما حدث مثال ذلك مدينة بابل. الحقيقة ان الجيش الأمريكي اختار أماكن معسكراته قرب المواقع الأثرية وذلك حماية لها من النهب، فبابل لم تحصل فيها سرقات مثلا، لكن بعد فترة تمددت هذه المعسكرات بسبب الجهل أو الإهمال، وكان ذلك يتم من قبل الشركات أو المقاولين المتعاقدين مع الجيش الأمريكي لبناء المعسكرات وكنا ننبههم لذلك، حتى ان بعض قوات التحالف طلب ان يقوموا بأعمال تنقيب ولكننا رفضنا ذلك، كان الطلب من القوات البولندية التي حلت محل القوات الأمريكية في بابل، فأخبرناهم ان الأمر يحتاج ان نعرف الجهة التنقيبية والأشخاص المكلفين بذلك ومدى كفائتهم وعلميتهم وان هنالك قوانين تنظم هذا الأمر، وان مهمات التنقيب ليست بهذه العشوائية، فصرفوا النظر عن الفكرة. وبحسب معلوماتي لم يحدث أذى كبير على الأقل في بابل، لكن بعض المواقع حدث فيها تدمير مثل سامراء. كذلك يجب ان نشير إلى معسكرات الشرطة والجيش العراقي بعد تشكيل الحكومة، مع الأسف استمر التعامل بمنهجية قوات التحالف نفسها بالرغم من اعتراضات اليونسكو والعديد من المنظمات والشخصيات الآثارية، ولكن لا أحد من الجهات المسؤولة يستمع لما نقول.

عصابات داعش

○ الكارثة الكبرى ظهور عصابات داعش وما فعلته وتفعله بآثار المنطقة، كيف تصفين ما يحدث الآن؟
• لا توجد كلمة يمكن ان تصف ما يحدث اليوم؛ مصيبة، كارثة؟ لا أعرف! شيء لا يمكن تسميته! لأن ما يفقد من الآثار على يد هذه العصابات يفقد إلى الأبد ولا يمكن تعويضه، مثال ذلك عندما فجروا قصر (آشورناصربال) لقد فقدنا هذا الأثر المهم الذي يؤرخ تلك المرحلة إلى الأبد ولن تتم استعادته بعد ذلك. انها خسائر لا تعوض ليس بالنسبة للعراق فقط بل للبشرية جمعاء، وما دمر من آثار متحف الموصل لا يمكن تعويضه.
○ أريد ان أتوقف عند هذه النقطة؛ تماثيل متحف الموصل والتصريحات المتضاربة حول عددها وهل هي قطع أصلية أم نسخ، ما هو رأيك في هذا؟
• أحب ان اؤكد على ان القطع الصغيرة نقلت من متاحف المحافظات إلى المتحف العراقي وأصبح هذا سياقا متبعا منذ عام 1991، أما القطع الكبيرة مثل الثيران المجنحة أو القطع الكبيرة المثبتة في الأرض فهي أصلية بالتأكيد، لكن يبقى الأمر مشكوكا فيه دون التأكد الرسمي والعلمي، لأن ما شاهدناه كان عبارة عن فيديو بثه (داعش) عن حادثة التدمير وهذا غير كاف لإصدار رأي نهائي. ما ظهر في الفيديو هو القاعة التي تضم الآشوريات وآثار الحضر، لكننا لا نعرف ماذا حل بباقي القاعات. حسب معلوماتي كان هنالك حوالي 58 قطعة أصلية، ويبقى السؤال ما هو حجم ما دمر منها؟ ماذا حصل في القاعة الإسلامية مثلا؟ لا أحد يعرف،هل سرقت، هربت، أتلفت؟ لا أحد يعرف إلى حد الآن، كل ما تعرفه دائرة الآثار بحسب آخر معلومات وصلت لي، ان هنالك حوالي 127 قطعة أصلية في متحف الموصل على الأغلب تم تدميرها.
○ كلمة أخيرة من د. لمياء الكيلاني في الختام.
• نحن نعلم ان المستكشف من آثارنا حوالي 10في المئة فقط والمتبقي تحت الأرض 90في المئة، وبالتأكيد سيتم اكتشافها في المستقبل إذا توفرت الشروط الملائمة للنهوض بمجتمعاتنا والاهتمام بآثــارنـــا، لكن كمــا سبق وقلت إن ما دمر من آثارنا يذهب وإلى الأبد دون تعويض وهذا ما يحز في النفس.

حاورها: صادق الطائي

رابط مختصر