وثائقي بي بي سي: صناعة الخطف لدى تنظيم الدولة الإسلامية

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 23 سبتمبر 2015 - 10:33 صباحًا
وثائقي بي بي سي: صناعة الخطف لدى تنظيم الدولة الإسلامية

استخدم تنظيم “الدولة الإسلامية” – منذ ظهوره – في العراق والشام الخطفَ كمصدر مهم للحصول على ملايين الدولارات كل عام، ووسيلة دعاية له على وسائل الإعلام حول العالم. لكن من هم الأشخاص الذين يديرون جهاز الخطف في التنظيم؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الصحفي السوري عمر المقداد ويتضح الجواب عنه عبر فيلم بي بي سي عربي الجديد: (“تنظيم الدولة الإسلامية”: صناعة الخطف)
قبل سنتين، أتى الصحفي الأميركي الإسرائيلي ستيفين سوتلوف لزيارتي في منزلي في أمريكا، وأخبرني أنه يعد للذهاب إلى سوريا. حاولت إقناعه بتغيير رأيه، لكنه أصر على المضي في خطته. بعد ثلاثة أيام أرسل لي رسالة إلكترونية من مكان قريب من حلب يطلب مساعدتي للحصول على بعض أرقام الهواتف والعناوين. وبعد فترة غير طويلة، خُطف ستيفين.
“شاهدت ثلاث سيارات قادمة من بعيد، على بعد نحو 500 متر”. هذا ما قال يوسف أبو بكر الذي كان ينسق مقابلات سوتلوف محليا خلال زيارته، ويتجول معه.
وتابع: “ما إن شاهدونا حتى نزلوا من سياراتهم ووقفوا لسد طريقنا… أردت أن أسحب سلاحي وأبدأ التسديد، لكنهم كانوا عشرة أو خمسة عشر رجلاً واقفين أمامنا مع أسلحتهم. كان معهم بنادق كلاشنيكوف”.
فصلوا سوتلوف عن أبوبكر، واقتيد كل منهما إلى مكان.
وأطلق سراح أبو بكر بعد 15 يوماً بسبب علاقاته مع فصيل ذي نفوذ من فصائل الجيش السوري الحر المعارض للحكومة السورية.
وفي سبتمبر/أيلول 2014، وقبل عام تماماً، بث تنظيم “الدولة الإسلامية” شريطاً مصوراً يصور قطع رأس سوتلوف. وحدث ذلك مباشرة بعد قتل صحفي أمريكي آخر هو جيمس فولي، بطريقة مشابهة.
وبلغ عدد الصحفيين ومن يساعدون الصحفيين من المواطنين، والمدونين، المقتولين في سوريا منذ عام 2011 – بحسب منظمة “مراسلون بلا حدود”- أي منذ بدء الحرب في البلاد، 181 شخصاً. أما المفقودون أو الرهائن لدى تنظيم “الدولة الإسلامية”، وفصائل إسلامية مسلحة أخرى، فلا يقل عددهم عن 29، من بينهم تسعة أجانب.
التقيتُ في بلدة أنطاكيا قرب الحدود التركية مع سوريا، بسوري كان عميلاً لصالح تنظيم “الدولة الإسلامية”، طلب أن أسميه أبوهريرة. قال إنه كان يبحث عن الإعلاميين الذين يغطون الصراع في سوريا ويرتب الأمور لخطفهم.
وكان أبوهريرة يدعي أنه لاجئ سوري بحيث يُعرّفه المنسقون المحليون للصحفيين، وبعد بعض اللقاءات يقترح الذهاب للتصوير في مكان قرب الحدود. وكان يعدهم قائلاً: “هناك أطفال، ويمكننا التصوير، وسأعرفك على أشخاص يمكن أن يساعدوك في إنجاز ما تريد”.
ثم يزود أبو هريرة الخاطفين بتلك المعلومات. ويقول “بعد أن أكون قد رتبت كل شيء، يظل عليّ أن أوصل ذلك الشخص إليهم ليصبح مسؤولية أشخاص آخرين، وبذلك يكون لا علاقة لي أبداً بما يحدث بعد ذلك. أو يمكن أن يخطفوني أنا أيضاً، ثم يُطلق سراحي بعد فترة”.
وكان أبو هريرة – في بداية الصراع في سوريا – عضواً في الجيش السوري الحر، ثم انضم لبعض الوقت إلى جماعة محلية مرتبطة بتنظيم القاعدة، قبل أن ينتقل للعمل لصالح تنظيم “الدولة الإسلامية”. ووافق على مقابلتي لأنه قرر أن يترك التنظيم إلى الأبد. ويرجع سبب ذلك القرار إلى أنهم طلبوا منه أن يرتب لاختطاف شخص كان أحد أصدقائه.
ويقول “لا يمكن أن أخسر صديقي، أو أن أتحمل مسؤولية العيش مع ذلك. نصحت صديقي بأن يغادر المنطقة، وأن يترك البلاد، لأنهم يستهدفونه الآن، ويريدونه، وهؤلاء أشخاص لا يتقبلون أي أعذار”.
وشاهدت صور الرهائن التي لدى أبوهريرة ورسائلهم، كما أسمعني تسجيلات لحواراته الإلكترونية مع قادة تنظيم “الدولة الإسلامية” في محافظة الرقة السورية، وكلها أمور تظهر بوضوح التخطيط الدقيق الذي يسبق عملية الخطف.
وقال أبوهريرة إن هناك كثيرين مثله، فهناك أشخاص يزودون الخاطفين بالمعلومات التي تقودهم إلى الضحية، لأسباب عقائدية أو لأغراض مالية.
وأخبرني أبوهريرة أنه كان يراقبني خلال زيارتي لأنطاكيا قبل سنة، وأنه كان على وشك أن يبيعني مقابل بضعة آلاف من الدولارات. وكان يعرف عني الكثير: أين نزلت في تلك الزيارة، ومن كان يرافقني خلالها، وتفاصيل زيارتنا المخططة لسوريا.
وقال إنه قدم جميع تلك المعلومات إلى زملائه في تنظيم “الدولة الإسلامية” الذين كانوا جاهزين لاختطافنا. لكن زيارتنا إلى سوريا ألغيت في آخر لحظة، لحسن الحظ!
ويقول أبوهريرة إن لدى التنظيم قسما كاملا يسمى “جهاز المخابرات”، مهمته استهداف الصحفيين الأجانب بمجرد وصولهم إلى المدن والبلدات القريبة من الحدود السورية. وكان أحد التقارير الاستخباراتية الأمريكية قد قدّر دخل تنظيم “الدولة الإسلامية” من الفدى التي حصل عليها عام 2014 مقابل إطلاق سراح مخطوفين بـ24 مليون دولار.
لكن تنظيم “الدولة الإسلامية” لا يخطف الناس بغرض المال دائماً، إذ إن بعض الخطف هدفه العقاب.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، اقتحم رجال ملثمون في حلب مكتب الصحفي السوري ميلاد الشهابي في ما بدا أنه انتقام لتقاريره التي نشرها عن فظاعات التنظيم.
وتذكر ميلاد ذلك اليوم، وقال: “سرقوا جميع الأجهزة التي في المكتب، كالكاميرات والحواسيب المحمولة، ثم وضعوني في صندوق سيارة وأخذوني إلى مقرهم في مستشفى للأطفال”.
وظل هناك 13 يوماً، محتجزاً في زنزانة وحده داخل بناء كان في السابق مستشفى للأطفال. وكان يوجد هناك أيضاً نحو مئتي محتجز سوري آخر.
ويكمل ميلاد: “ظللت عشرة أيام معصوب العينين. كنت أصلي معصوب العينين، وكنت آكل معصوب العينين… وظللت هكذا ثلاثة أيام، معصوب العينين ومقيد اليدين. حتى عندما كنت أصلي كنت مقيد اليدين”.
ثم نُقل ميلاد، وسجناء آخرون، بعد ذلك إلى غرفة أكبر وأزيلت فيها العصابة عن عينيه، والقيد عن يديه.
وقال إنه كان يسمع أصوات تعذيب سجناء آخرين، وإن بعض سجانيه كانوا يتحدثون بلهجة عراقية. كما أن بعض النزلاء أعدموا لأنهم رفضوا اعتناق الإسلام.
لكن تقدم المقاتلين التابعين لجماعة الجيش السوري الحر ونجاحهم في بعض المعارك في محيط المعتقل، دفع أفرادَ تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى إخلاء المكان، ومكّن هذا الشهابي وآخرين من الفرار.
وبعد 48 ساعة من زيارتنا للمستشفى التي كان يعتقل فيه، وردت أخبار عن عودة مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى المنطقة. ثم احتُجز ميلاد الشهابي 16 يوماً أخرى. ولم يكن الوحيد الذي نال حريته بعد الاحتجاز، إذ أطلق سراح بعض الصحفيين الأجانب، ومن بينهم الفرنسيَان إدوارد إلياس وديديير فرانسوا، اللذان اختطفا في يونيو/حزيران 2013 عندما كانا في سيارتهما مع سائقهما الذي التقيته أوائل العام الماضي، وتحدث إليّ شريطة إخفاء هويته.
ووصف ما حدث عندما هوجمت سيارتهما، ونظر نحو الصحفيين قائلا: “التقت عيوننا للحظة … الطريقة التي نظر [فرانسوا] بها إليّ أثرت فيّ إلى حد كبير جداً. مازلت متأثراً بتلك النظرة حتى اليوم. وكأن عينيه كانتا تقولان لي: هل ستتركنا وحدنا؟”
لكن الخاطفين أمروه أن يقود سيارته ويذهب، وألا ينظر إلى الخلف أبداً. وذهب إلى الجيش الحر طلباً للمساعدة، لكن الرجل الذي تحدث إليه شك فيه، فوضعوه في السجن. وبعد عشرة أشهر، أطلق سراح الصحفيين الفرنسيين.
وعرفت بعد فترة أن السائق نفسه كان يقود سيارتي صحفيين يابانيين عندما اختطفا، كل واحد منهما في حادث منفصل. فحاولت الاتصال به لكن رقمه لم يكن يعمل، ويبدو أنه اختفى.
ولكن كيف يطلق سراح بعض الرهائن؟
تقول فرنسا إنها لم تدفع أي فدية مقابل إطلاق سراح إلياس وفرانسوا، لكن هناك عدداً من الحالات التي دُفعت فيها فدية مقابل إطلاق سراح الرهينة.
وبدأتُ أبحث عن الوسيط، عن الشخص الذي يتولى المفاوضات لتأمين صفقات من هذا النوع. وسمعت عن رجل أعمال سوري يتنقل بين باريس واسطنبول حيث يمتلك فرناً هناك. وعندما تمكنت من مقابلته اكتشفت أني أعرفه منذ انطلاق الانتفاضة في سوريا، واسمه معتز شقلب.
وقال إنه كان صلة الوصل بين الخاطفين وأسر المخطوفين، معتمداً على شبكة من معارفه في أنحاء سوريا ساعدته في معرفة أماكن وجود بعض الأشخاص.
وروى لي بعد ذلك “نتصل بالخاطفين ونسألهم إن كان فلان محتجزاً لديهم. فيقولون: نعم. فتقول: نريد دليلاً، يسألون: ما الدليل الذي تريده؟ يُطلب مني أن أسأل مثلاً عن اسم شقيقه الكبير الميت، وعن مكان وتاريخ وفاته. ونسأل تلك الأسئلة، ونحصل على إجابة تؤكد أن الشخص المطلوب لا يزال على قيد الحياة”.
ويقول معتز شقلب إن مفاوضاته ساهمت في إطلاق سراح الكاتب البلجيكي بيير بيتشينان دا براتا، والصحفي الإيطالي دومينيكو كويريكو.

ويقول “دفع ممثلون عن أسرهم أربعة ملايين دولار أمريكي، كنت أنا شاهداً على ذلك”. وأضاف معتز، موضحاً أن تلك الأموال وضعت في شاحنة، وأخذت إلى بناء، حيث بدأ الخاطفون في عدّ النقود، ثم وضعوها في حقائب وأخذوها.
وكان الخاطفون وقتها من الجيش السوري الحر.
لكن محاولاته التفاوض لإطلاق سراح محتجزين لدى تنظيم “الدولة الإسلامية” لم تلق النجاح ذاته. فقد التقى خلال بحثه عن أحد المخطوفين بعضو سعودي في التنظيم، واستمر اللقاء نحو 30 دقيقة، كان الرجل فيها شديد العدوانية، واستمر في إطلاق التهديدات، متهماً معتز شقلب بالكفر.
وكان مستوى العدوانية صادماً لشقلب، فأنهى الاجتماع وغادر خائفاً.
في هذه الحالات، يكون هدف تنظيم “الدولة الإسلامية” من الخطف ليس المال، بل الدعاية، واستعراض العضلات.
إن ما صدمني أكثر من أي شيء آخر لم يكن الأشرطة المصورة التي يبدو فيها الصحفيون وهم يُقتلون، بل كيف أفسدت هذه الصناعة السوريين والتهمتهم ليدخلوا عالمها الأسود المشبوه، حيث يكون الأصدقاء والأقارب جواسيس.
يبث البرنامج اليوم الساعة السابعة مساء بتوقيت غرينتش يوم الأثنين 21 سبتمبر/ أيلول ويعاد الساعة الرابعة صباحا والعاشرة صباحا بتوقيت غرينتش وفي الثانية بعد الظهر والعاشرة مساء بتوقيت غرينتش.

رابط مختصر