قانون الأحزاب السياسية في العراق … حيدر سعيد

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 23 سبتمبر 2015 - 7:58 صباحًا
قانون الأحزاب السياسية في العراق … حيدر سعيد

بعد سنوات من مسوّدة، أو مسودات، عُرضت أمام البرلمان والرأي العام، وسجال طويل، أقرّ مجلس النواب العراقي قانون الأحزاب السياسية أواخر آب (أغسطس) الماضي.
السياق والتوقيت اللذان أقرّ فيهما القانون مهمان جداً. فهو لم يقر بعد أن اكتملت رؤية واضحة لدى المجتمع السياسي العراقي عن قانون الأحزاب الملائم لبلد كالعراق؛ كما لم يقر كجزء من ديناميكية عامة فتحها دستور 2005، الذي كان يجب أن يُستكمل بحزمة من القوانين الأساسية (تبلغ نحو 90 قانونا) تشكل، إلى جانب الدستور، الإطار القانوني الناظم للدولة العراقية، فلم يجر، بعد نحو 10 سنوات على إقرار الدستور، سوى تشريع جزء محدود جداً منها؛ وهو لم يُشرَّع نتيجة صفقة بين الأطراف السياسية النافذة على تمريره، بل جاء هذا القانون في سياق استجابة الحكومة لحركة الاحتجاج المندلعة منذ أواسط تموز (يوليو) الماضي، والتي طالب بعض شعاراتها بتشريع القوانين الأساسية، المرمية مسوداتها في أدراج الحكومة والبرلمان منذ سنين.
حاولت، في المقالات السابقة في “الغد”، شرح كيف أن رئيس الوزراء، حيدر العبادي، لم يستطع فهم الأزمة القائمة في العراق بأنها أزمة نظام سياسي، ومن ثم، اختزل فكرة الإصلاح بالإصلاح الإداري والمالي، وعرض خطة تقشف، ولم يبادر إلى تقديم مبادرة إصلاح سياسي جادة. ولذلك، يوحي تشريع قانون على غرار قانون الأحزاب السياسية، بأن الحكومة لم تهمل الإصلاح السياسي. وإذا كان ثمة من يجادل بأن هذا القانون يحرف مسار الإصلاح عن أمّ المشكلات في العراق، وهي المشكلة السُنّية، فإن الحكومة تجيب بأنها تسعى، الآن، إلى تشريع قانون الحرس الوطني، ذي العلاقة الجوهرية بهذه المشكلة.
وبغض النظر عن محاججات بعض الحقوقيين، بأنه -من الأساس وبمنطق النظم الديمقراطية- لا يصح تشريع قوانين للأحزاب أو للمجتمع المدني، جاء هذا القانون، في محتواه، مخيبا للآمال، ليضعنا -من جديد- أمام حقيقة أن كل الجهود التي بذلها المجتمعُ المدني العراقي، وعشرات المذكرات والمقالات التي كتبت، والرؤى التي قدمت، لتشريع قانون أحزاب ينسجم مع المعايير الديمقراطية، كل هذه الجهود ذهبت سدى، لتفعل الطبقة السياسية القائمة ما تريده هي، من دون أن تؤمن بأن المجتمع هو شريك فعلي في بناء التشريعات، وصناعة السياسات العامة.
ثمة أمر جيد في القانون، هو أنه يربط المنظومة الحزبية بـ”مفوضية الانتخابات”، ويخضعها لإشراف قضائي، بدلا من ربطها بوزارة الداخلية، على ما هو شائع في بلدان العالم الثالث. ولعل هذا ينسجم مع الديناميكية العالمية للظاهرة الحزبية، التي تتحول، شيئا فشيئاً، إلى تنظيمات انتخابية، بعد انتهاء عصر الأحزاب الأيديولوجية.
غير أن هذا القانون، في الوقت نفسه، يعمل على إعادة إنتاج المنظومة الحزبية القائمة، ومن ثم، النظام القائم، ويمنع إنتاج منظومة حزبية جديدة، بديلة أو مضافة. فمن جهة، يحظر القانون إنشاء أحزاب تتعارض مع الدستور القائم، الذي شرّعته هذه الأحزابُ نفسها. ومن جهة أخرى، يجيز القانون دعم الدولة للأحزاب الفائزة.
ومن جهة ثالثة، يستعمل القانون مزيدا من المعايير المطاطة والفضفاضة، التي يوردها من دون تحديد؛ فهو يحظر إنشاء أحزاب تدعو إلى “الكراهية القومية أو الطائفية أو العنصرية”، من دون تعريف وتحديد واضحين لكل هذه المعايير. وفي العادة، تسمح المعايير الفضفاضة بتأويلات مسيّسة، ومن ثم، استعمال مسيّس للقانون من قبل السلطة.
والقانون، أيضا، يفشل في التعامل مع مشكلة “البعث”. وهي المشكلة المزمنة، التي لا يبدو أننا قادرون على حلها أو تسويتها بعد 13 سنة على سقوط نظام البعث؛ فهو يحظر على أي عضو سابق في حزب البعث (حتى إن كان عضواً مبتدئاً بدرجة صغيرة) الانضمام إلى أي حزب، بغض النظر عما إذا كان مجرما أم لا. وهذا يتعارض، من جهة، مع البرنامج الذي تشكلت عليه حكومة العبادي، في أيلول (سبتمبر) 2014، والذي نص على تحويل ملف “البعث” إلى ملف قضائي. ومن جهة ثانية، يتعارض مع المعايير العالمية للعدالة الانتقالية، التي تنص على معاقبة مرتكبي الجرائم، لا أن يتحول تفكيك إرث الأنظمة التسلطية إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي، أو عقاب الأفراد على معتقداتهم.
ومثلما تحول أنموذج العدالة الانتقالية في العراق إلى مثال لعدالة انتقالية فاشلة، يفشل العراق -من جديد- في تزويد العالم بأنموذج متقدم، ليصدر قانوناً لم يستطع التخلص من الماضي وعقده.

رابط مختصر