قصة حب سورية

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 21 سبتمبر 2015 - 8:32 مساءً
قصة حب سورية

تصدر مخرج الأفلام الوثائقية البريطاني شون مكاليستر عناوين الأخبار، حينما اعتقلته الشرطة السرية السورية عام 2011.
وكان نبأ اعتقاله يعني أن الزوجين اللذين كان يصورهما ينبغي أن يفرا من البلاد، ولكن اعتقال مكاليستر لم يوقفهما عن استكمال الفيلم الوثائقي بعد الإفراج عنه.
من زنزانته بالسجن، سمع المخرج شون مكاليستر صرخات الثوار السوريين. كان ذلك في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2011، حيث كانت سوريا تنزلق أكثر نحو الحرب.
واعتقل مكاليستر، وهو مخرج أفلام، على يد الشرطة السرية في دمشق حيث عصبت عيناه وألقي به في السجن، فأصبح شاهدا على المعاملة الوحشية، التي يلقاها المتظاهرون والنشطاء في السجون السورية.
ويقول مكاليستر: “لقد كان التعذيب هناك يهدف إلى كسر إرادة الثوار، حيث يأتي شباب في سن العشرين يحملون قضبانا مطاطية وأسلاكا ويجلدونهم بها مرارا وتكرارا، وأنت تسمع فقط صراخ المعذبين في الغرف المختلفة”.
وأضاف: “إنهم يفعلون ذلك لمدة ساعتين، قبل أن يحشروهم في زنازين بلا نوافذ ، مساحتها لا تسع بالكاد الجلوس فيها”.
وبعد إطلاق سراحه، تصدرت شهادته على تعذيب النشطاء السوريين عناوين الأخبار، بينما كان فكره منصب على العائلة التي كان يصور حياتها في فيلم وثائقي، يعرض الآن في بريطانيا.
ويرصد فيلم “قصة حب سورية” حياة زوجين من النشطاء السوريين، هما عامر داوود ورغدة حسن وأطفالهما، على مدار خمس سنوات.
وحينما اعتقل مكاليستر عام 2011 صادرت السلطات السورية أجهزته، التي احتوت تسجيلات للزوجين السوريين، وهما ينتقدان النظام وينظمان تظاهرات، لكن حينما سألته الشرطة عن مكانهما ضللها، لكي يكون أمام الزوجين وقت للهروب إلى لبنان.
ويضيف: “في هذه اللحظة شعرت بذنب كبير، لكن بعد ذلك، وخلال العام التالي كان الأمر مفزعا، لأنهما كانا يعانيان وعالقان في بيروت”.
وبعدما أصبح مكاليستر جزءا مهما من القصة، استمر في تصوير حياة العائلة التي لم تمنعه عن ذلك.
ويقول داوود: “لقد اعتقدت حقا أن شون نافذة أمل، لأننا نشطاء سياسيون، والنشطاء السياسيون يكون لديهم رسالة يريدون تبليغها”.
وصل مكاليستر إلى سوريا عام 2008، ساعيا لأخذ قسط من الراحة من عمله في مناطق الحروب، وإشباع فضوله حول الحياة ضمن ما سماها “الديكتاتورية الفعالة”.
وطيلة ثمانية أشهر، بحث مكاليستر عن قصة تسمح له بالنفاذ إلى ما وراء الصورة الجميلة التي يعرضها المسؤولون السوريون عن بلادهم إلى السائحين.
وفي إحدى الليالي قابل مكاليستر داوود بأحد المتنزهات، فقال له الأخير: “إذا كنت بالفعل ترغب في تصوير فيلم عن سوريا، تعال وصورني”.
وحينئذ وجد مكاليستر قصته عن سوريا، وكانت قصة حب.
داوود عضو بمنظمة التحرير الفلسطينية، وقضى ثلاث سنوات بالسجن، وهناك تعرف على امرأة سجينة بالزنزانة المجاورة له.
أما رغدة حسن، فتختلف قصتها عن داوود تماما، فهي تنتمي للطائفة العلوية، التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد، لكنها كانت معارضة ويسارية ثورية.
وصنع الاثنان ثقبا في الحائط الذي يفصل بين زنزانتيهما، وبعد أشهر من التواصل وقعا في الحب، وبعد أن أطلق سراحهما تزوجا وأنجبا طفلين.
ويقول داوود: “كل ما أردناه هو أن نكون معا دائما، وألا يفرقنا شيء حتى الموت”.
لكن في الوقت الذي التقى فيه مكاليستر مع داوود وابنيه كانت زوجته رغدة في السجن، بسبب رواية كتبتها، كانت تحكي عن قصتها مع زوجها، ضمن أشياء أخرى.
وأطلق سراح رغدة عام 2011، في عفو أصدرته الحكومة السورية في إجراء لمواجهة ما أطلق عليه “الربيع العربي”.
وبعد وقت ليس بطويل اضطرت العائلة للهروب إلى لبنان، وهناك بدأ الزواج في الانهيار. لكن رغدة لم تستطع الحياة بعيدا عن الثورة، التي تاقت إليها وعملت من أجلها، فعادت إلى سوريا دون زوجها وابنيها، الذين لم يتمكنوا من طلب حق اللجوء إلى أوربا بدونها.
ثم التأم شمل العائلة مرة أخرى، ولجأت إلى فرنسا، لكن الحياة في المنفى لم تجلب لها السعادة.
وفي مشاهد طويلة ومؤثرة صورت في الشقة التي كان يسكن فيها الزوجان، يقف المتفرج شاهدا على شجارات الزوجين والاتهامات المتبادلة بينهما. لقد كانت هناك علاقة غرامية، وهناك محاولة للانتحار.
ويقول مكاليستر: “لقد كان الأمر غريبا، لأنهم كانوا في ألبي، ذلك المكان الجميل في جنوب فرنسا، الذي اعتقدت أنه الحلم، حينما عدت بالذاكرة إلى بداية الرحلة، حينما كانا يحلمان بالحرية”.
وأضاف: “ولكن بوصولهما إلى هناك فقدا الكثير، بل وفقدا بعضهما البعض، ولم يصبحا قادرين على فهم نفسيهما أو أين يقفان”.
لكنهما نظرا إلى مكاليستر في انتظار أن يفسر لهما الأمر. فداوما على الاتصال به هاتفيا بانتظام، وطلبا منه أن يأتي إلى فرنسا، لكي يتوسط في خلافاتهما. وأصبح مكاليستر شاهد عيان، ولكنه يملك الحق في سؤالهما ومعرفة الحقيقة.
وفي لحظة بعينها قال مكاليستر، محاولا تذكير رغدة: “لقد أحبك حينما كنت سجينة”، لكنها ردت: “كل السوريين يحبون السجناء”.
وأجابها مكاليستر: “لا، لقد أحبك كزوجته”.
وداومت العائلة مرارا وتكرارا على مشاهدة مقاطع فيديو صورت في عامي 2010 و2011، كشاهد على حياتهما العائلية، مما زاد من حزن الزوجين، وذكرهما بالبلد الذي تركاه ورائهما، وأصدقائهما وأقربائهما الذين قتلوا هناك.
وفاز فيلم المخرج البريطاني، شون ماكاليستر، بجائزة مهرجان شيفيلد للأفلام الوثائقية، في يونيو/ حزيران 2015.
وتعيش رغدة حسن الآن في تركيا، حيث تلعب دورا في “الحكومة السورية” للمعارضة، بينما لا يزال داوود يعيش في فرنسا مع ابنيه. وشاهد داوود النسخة النهائية من فيلم مكاليستر على جهاز لابتوب في أحد المقاهي.
وقال داوود: “حينما شاهدت الفيلم تأملت: إنه أنا، وهؤلاء زوجتي وأطفالي، ولم أستطع أن أحبس دموعي”.
وأضاف: “لقد بكيت لساعات وساعات بمفردي، إنه الشعور بالأسف على نفسي وحياتي، الشعور بالأسف على ولدي، والأسف على رغدة. ما جرى الآن وما كان يمكن أن يحدث. كل هذه الأفكار كانت تجول في عقلي لأيام بعد مشاهدة الفيلم”.
ويعتقد داوود أن زواجه ما كان لينهار إذا كان السلام يعم سوريا، ويقول: “أنا واثق تماما، لأن بيننا قصة حب عظيمة”.
حين بدأ مكاليستر تصوير فيلمه في عام 2010، لم يكن بمقدوره أن يتنبأ بالربيع العربي، أو الحرب الأهلية في سوريا.
وخلال معظم السنوات الخمس الأخيرة، عمل مكاليستر على الفيلم، باعتباره مهمة تطوعية، دون تفويض من أي شبكة تلفزيونية حتى عام 2013.
لكن في الأسابيع الأخيرة ومع قرب عرض الفيلم للجماهير، حدث تطور آخر مهم وغير متوقع، وهو الاهتمام الإعلامي المفاجئ بمأساة اللاجئين السوريين مما زاد من أهمية الفيلم.

رابط مختصر